Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سؤال الإنترنت في مصر: أين باقتي؟

لم يعد رفاهية أو حكراً على الميسورين أو المثقفين أو العلماء أو طلاب العلم بل بات مكوناً رئيساً في حياة الغالبية ومصدراً للقمة العيش لنسبة كبيرة

ارتفاع أسعار الباقات يضغط على ملايين المستخدمين (رويترز)

ملخص

تحولت باقات الإنترنت في مصر من خدمة ترفيهية إلى شريان حياة يومي، ومع الزيادات المتلاحقة للأسعار تصاعدت معاناة ملايين المستخدمين بين ضعف الجودة وضغط النفقات والاعتماد الكامل على العالم الرقمي.

تبدو زيادات أسعار باقات الإنترنت في مصر وكأنها حديث المرفهين، وهموم المترفين، ومعكرات مزاج الأدباء والمثقفين، لكنها في حقيقة الأمر صداع في رأس الغالبية المطلقة من المصريين. بحسب تقرير صادر عن "مؤسسة ناوس" للحلول الرقمية، بلغ عدد المصريين في عام 2025 نحو 117 مليون نسمة، مسجلين زيادة طفيفة قدرها 1.7 في المئة على عام 2024. أما عدد مستخدمي الإنترنت فزاد بصورة كبيرة ليصل إلى 96.3 مليون مستخدم عام 2025، مقارنة بـ82.01 مليون مستخدم عام 2024. ويشير هذا النمو البالغ 14.6 في المئة إلى تحول قوي وكبير داخل مصر صوب الاتصالات الرقمية بأنواعها وأشكالها.

هذا التحول لا يفرق بين غني وفقير، متعلم ونصف متعلم، أستاذ جامعي وعامل نظافة وطبيب وعامل دليفري، نساء ورجال، أطفال وكبار. الجميع، إلا قليلاً، أصبح "أون لاين" لسبب أو لآخر.

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أشار، في بيان صادر قبل أيام، إلى زيادة استخدام المحتوى الترفيهي في مصر على مدار 24 ساعة خلال عام 2026 بنسبة وصلت إلى 60 في المئة، مقارنة بعام 2025. وارتفع معدل استخدام خدمات الإنترنت المحمول 12 في المئة، وذلك يعود إلى انضمام 7.9 مليون مستخدم جديد، إضافة إلى زيادة استخدام خدمات الإنترنت الثابت 36 في المئة، في ظل ارتفاع عدد مستخدمي خدمات الإنترنت الثابت بنحو مليون مستخدم جديد.

جاءت استخدامات المصريين على مدار يوم كامل في العام الحالي مقارنة باليوم نفسه من العام السابق كالتالي، 6.5 مليون مستخدم أمضوا 159.5 ساعة اجتماعات "أون لاين" بزيادة 7.5 في المئة، وخرج 13.3 ألف صانع فيديو بـ4006 ساعات بث مباشر بزيادة 35 في المئة، ودردش 34.5 مليون شخص عبر 471.8 مليار رسالة بزيادة ستة في المئة، وأمضى 31 مليون لاعب ألعاب إلكترونية 1.8 مليون ساعة لعب بزيادة 21 في المئة، وأنجز 55 مليون شخص 64.1 مليار بحث على محركات البحث بزيادة 13 في المئة، وقام 54.3 مليون مستخدم بـ25.2 مليار زيارة على السوشيال ميديا بزيادة خمسة في المئة، وأنجز 65.6 مليون مستخدم 187.5 مليار زيارة على الإنترنت بغرض التصفح وتنزيل المحتوى بزيادة 12 في المئة.

وحمَّل 42.6 مليون صانع فيديو قصير 14.6 مليون ساعة من مقاطع الفيديو بزيادة 60 في المئة، وأرسل 16 مليون شخص رسائل البريد الإلكتروني بزيادة 12 في المئة، واستعان 22.6 مليون شخص بالخرائط الإلكترونية عبر 46.2 مليون عملية بحث بزيادة 29 في المئة، وشاهد 52.4 مليون شخص 43.7 مليون ساعة مشاهدة بزيادة 67 في المئة، وأنجز 29.8 مليون متسوق 10.5 مليون عملية تسوق إلكتروني بزيادة 10 في المئة.

لقمة عيش على الأثير

على رغم الزيادة الكبيرة في معدلات صناعة وتحميل ومشاهدة المحتوى الترفيهي من قبل المصريين، فإن الإنترنت في حياتهم لم يعد رفاهية أو حكراً على الميسورين أو المثقفين أو العلماء أو طلاب العلم، بل با الإنترنت مكوناً رئيساً في حياة الغالبية، ومصدراً رئيساً للقمة العيش لنسبة معتبرة منهم.

تغيب الإحصاءات الرسمية عن تقدير عدد السائقين في تطبيقات النقل الذكية وكذلك عمال توصيل الطلبات سواء في قطاع التسوق الإلكتروني أو طلب الأطعمة وغيرها. لكن، تقديرات غير رسمية تشير إلى ما يزيد على مليوني سائق يعملون في مجال تطبيقات النقل الذكي، وبين 6 إلى 8 ملايين شخص يعملون في توصيل الطلبات. وهؤلاء يعتمدون في عملهم على مدار الساعة على الاتصال بالشبكة العنكبوتية.

يلخص أحمد طلبات (اسم الشهرة الدال على المهنة) مكانة الإنترنت في حياته بقوله، "في (هناك) إنترنت في شغل، ما فيش (لا يوجد) إنترنت، لا يوجد شغل". وعن معوقات "الشغل" أو الإنترنت يوضح "انقطاع الشبكة، أو ضعفها، وبالطبع ثمن الباقة ونفادها في وقت أقل بكثير مما هو مخطط له".

تحليل أبرز الشكاوى التي ترد إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر تتلخص في الشكاوى الفنية التي تؤثر سلباً في جودة الخدمة، وأهمها ضعف سرعة الإنترنت، وعدم حصول المستخدم على السرعة التي تعاقد عليها، والانقطاع المتكرر لخدمة الإنترنت الثابت، لا سيما في مناطق سكنية بعينها، ومشكلات تتعلق بالتركيب والصيانة ومدى، أو بالأحرى بطء، الاستجابة لشكاوى الأعطال.

ولا تنافس شكاوى المصريين من الأعطال والجوانب الفنية سوى شكاوى تتعلق بالفواتير والباقات، حتى إن عبارة "الباقة خلصت بعد يومين"، أو "بعد ثلاثة أيام" المصحوبة بنبرة غضب لا تخلو من غم وهم، ناجمين عن اضطرار قسري لشراء مزيد من السعة، أو التجديد المبكر، وهو ما يعني "أثر دومينو" في الأشهر التالية، وكما يقول أحدهم "خراب بيوت مستعجل"، أصبحت معتادة. ويبقى الحل الأخير المهلك للأعصاب والمؤثر سلباً في استخدامات الإنترنت لأغراض تتعلق بالعمل أو التعليم، الاكتفاء بالسرعة المنخفضة إلى أن يحين موعد تجديد الباقة، أو يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

خبير باقات

وضمن استخدامات الإنترنت التي يستخدمها المصريون بصورة غير متوقعة تطبيقات الدفع النقدي، التي حلت كثيراً من مشكلات السداد لا سيما للمبالغ الصغيرة، مثل دفع قيمة الإصلاحات المنزلية التي يقوم بها السباك والكهربائي وغيرهما، إضافة إلى دفع فواتير السوبرماركت وأحياناً قيمة الطلبات في المقاهي بأنواعها وفئاتها المختلفة.

ويكفي أن عدد مستخدمي تطبيق "إنستاباي" وحده، وهو أول تطبيق للتحويل اللحظي مرخص من البنك المركزي المصري، بلغ 19 مليون مستخدم أنجزوا ما يزيد على ملياري معاملة عبر التطبيق، بقيمة 5.6 تريليون جنيه مصري. هذا التطبيق، وغيره من تطبيقات الدفع التي يستخدمها الملايين تتأثر أيضاً سلباً وإيجاباً بجودة وكفاءة الشبكة، وتتحول إلى جثث هامدة بتعطلها.

تغلغل الإنترنت في حياة المصريين، كل المصريين، وضلوعه في أدق تفاصيل حياتهم، سواء العملية أو العلمية أو الترفيهية، دفع كثراً إلى اكتساب خبرات، وتنمية ملكات، وصقل مواهب لم يكن يعلم كثر أنهم يحملونها أصلاً.

بدافع الاعتماد الكبير على الإنترنت، وضغوط الأوضاع الاقتصادية التي باتت تجبر الملايين على إعادة توزيع الدخل على بنود الإنفاق، إضافة إلى الترشيد المستمر والاستغناء المتواتر عما يمكن الاستغناء عنه من بنود إنفاق لمصلحة بنود أخرى، تولدت طاقات ومهارات عديدة للتوفير لمصلحة بند "الباقة".

وخلال الأعوام القليلة الماضية، ومع تعاظم إقبال المصريين على الإنترنت، برز في كل أسرة أو عمارة سكنية أو مجموعة أصدقاء "نوابغ إدارة الباقات". إنه الشخص الذي لا يجد صعوبة في فهم تفاصيل عروض باقات الإنترنت التي تقدمها شركات الاتصالات، ويحسن فهم الفروق بينها وكشف الثغرات، وكذلك الخدع التسويقية والمكامن الترويجية ومكامن المبيعات وحيل المسوقين، مع القدرة على المقارنة بين الخدمات التي تقدمها الشركات المتنافسة، لا من حيث الأسعار فحسب لكن أيضاً قوة وسرعة الاتصال وجودة التغطية والعمر الافتراضي للباقة، ومعظمها يتصل بقدرات البنى التحتية للشركات، إضافة إلى الخدمات المضافة التي تقدمها كل شركة.

هذه الخبرات المكتسبة خلقت "طبقة" حديثة من "خبراء الباقات" بين المصريين لا غنى عنهم، ومعظمهم يقدم خدماته للأهل والأصدقاء والجيران بلا مقابل.

وتولدت مهارات حسن إدارة "الباقة"، وظهر عدد من السبل والوسائل التي تعظم الاستفادة بها، بعيداً من "سرقة الواي فاي" أو "سرقة النت" أو "حرامية الواي فاي" التي شاعت كثيراً خلال أعوام مضت، وهي المجرمة في القانون المصري، والتي يصدر عن دار الإفتاء المصرية بين حين وآخر فتاوى تؤكد أنها لا تجوز شرعاً ونوع من الاعتداء على ممتلكات الغير. بالتالي فإن اللجوء إلى الأماكن العامة التي توفر خدمة الاتصال بـ"الواي فاي" من دون مقابل، لا سيما لأغراض تتعلق بالعمل، أصبح أسلوب حياة.

العمل من النادي

في الثامنة إلا الربع من صباح كل يوم باستثناء يومي السبت والأحد، يتوجه المهندس رامي محسن (40 سنة) إلى "العمل". يرتدي ملابس رياضية واسعة ومريحة و"شبشب" ويحمل حقيبة لاب توب و"آي باد" وهاتفين محمولين، وعدداً لا نهائياً من الأسلاك والوصلات الكهربائية، ولوازم الشحن.

مقر العمل هو النادي الرياضي الذي كان حتى عقد مضى مكاناً لممارسة الرياضة ولقاء الأصدقاء، وذلك قبل أن يتحول "المبنى الاجتماعي" فيه إلى ما يشبه خلية عمل جماعي وفردي. ولأن النادي الرياضي يوفر خدمة الاتصال بشبكة "واي فاي" سريعة ومضمونة مجاناً للأعضاء، تحول عدد من القاعات المغلقة صيفاً، والمقاهي المفتوحة شتاءً إلى أماكن عمل للفئة المتنامية المتزايدة التي تعمل "أون لاين"، سواء في شركات أو مؤسسات مصرية أو أجنبية، إذ مواعيد العمل تتبع دول المقر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توافر أماكن عامة تقدم خدمة اتصال بالإنترنت مجانية تقتصر على النوادي الرياضية المقتصرة على الأعضاء، وعدد من المقاهي والمطاعم غالبيتها المطلقة مصنفة خمسة نجوم. وهذا يعني أن المستفيدين بهذه الخدمة "المجانية" هم القادرون على ارتياد هذه الأماكن.

من جهة أخرى، وبحسب مقالة عنوانها "كيف تؤثر الامتيازات الرقمية في العمال؟" لأستاذة علم الاتصال في جامعة بنسلفانيا الأميركية جوليا تيكونا، والمنشورة في دورية "الجمعية الأميركية لعلم الاجتماع"، فإن غالب العاملين "أون لاين" هم مزيج من الطبقتين المتوسطة العليا وطبقة موظفي الياقات البيضاء المحترفين، إضافة إلى طبقة متنامية من المتعاقدين المستقلين (فري لانسرز) ذوي المهارات العالية. وأشارت كذلك إلى أنه على رغم أن العمل "أون لاين" أصبح أكثر سهولة، فإن غالبية العاملين به هم من حاملي الشهادات العليا.

مصرياً، يضاف إلى هذه المكونات في العمل "أون لاين"، حمل الشهادة العليا من جامعات وتخصصات متميزة ومقتصرة على فئات اقتصادية واجتماعية أعلى، تمكنهم من الحصول على فرص عمل "أون لاين" عادة تكون في شركات أو مؤسسات لا يلتحق بها إلا سكان منتصف وما فوق منتصف الهرم الطبقي.

التحريك يخطئ ولا يصيب

وبينما جموع تبحث عن سبل تعظيم استخدام الباقات، وأخرى تنقب عن أماكن عامة تمنح خدمة الـ"واي فاي"، وثالثة تمطر الأجهزة الرقابية والحقوقية شكاوى حول نفاد الإنترنت في لمح البصر، أو ابتلاع دقائق الاتصال دون الاتصال، أو سوء خدمة أو بطئها أو عدم كفاءتها، أو تمضية ساعات طويلة مع خدمة العملاء لحل مشكلات الإنترنت دون طائل، إذ بـ"الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات" يصدر قراراً تتوجس منه الملايين، مقرراً قبل أيام تحريك أسعار عدد من الخدمات، بينها باقات الإنترنت بنسب تراوح ما بين 9 و15 في المئة.

على سبيل المثال، ارتفع سعر الباقة الأساس (نحو 140 غيغابايت) لتسجيل نحو 239 جنيهاً مصرياً بدلاً من 210 جنيهات قبل الزيادة، وهو ما يُعد زيادة كبيرة في سلسلة الزيادات المتتالية التي تمعن في إثقال كواهل المصريين المثقلة أصلاً. والأعوام الثلاثة الماضية وحدها شهدت تكرار قرارات الزيادة، وهي مجتمعة أدت إلى زيادة بين 75 و80 في المئة لعدد من الباقات.

قرار الزيادة الأخير جاء مذيلاً بأسباب سردَها بيان "الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات"، منها ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية مثل ارتفاع أسعار الصرف وأسعار الكهرباء في الأنشطة التجارية، وكذلك أسعار المحروقات والمواد البترولية، وعلى رأسها السولار المستخدم في تشغيل محطات المحمول، وأيضاً زيادة كلفة التشغيل والعمالة وإنشاء الشبكات.

وشملت قائمة الأسباب أيضاً ما كان من شأنه أو الغرض منه تسكين غضب المستخدمين، فذكر مثلاً، تمكين الشركات من زيادة استثماراتها في تحديث الشبكات ورفع كفاءتها التشغيلية والتوسع في بنيتها الأساس، وذلك لمواكبة النمو في معدلات استخدام المصريين للإنترنت.

عدد من الخبثاء اكتفى بتداول حفنة من عناوين الأخبار خلال الأسابيع القليلة التي سبقت صدور القرار. "شركة كذا للاتصالات تحقق نمواً يفوق التوقعات عام 2025. أرباح شركة كذا للاتصالات تنمو 123 في المئة في قفزة غير مسبوقة. 22.6 مليار جنيه مصري صافي أرباح شركة كذا للاتصالات العام الماضي. شركة كذا للاتصالات تحول تدفقاتها النقدية من العجز إلى فائض قياسي. شركة كذا للاتصالات تقترح توزيع 2.56 مليار جنيه على المساهمين بعد تحقيق أرباح غير مسبوقة"، وغيرها كثير.

ولأن العنوان في بطن الشركات، ولأن الزيادات المتكررة على مدار الأعوام لم تنعكس إيجاباً بالضرورة على سرعة أو كفاءة أو جودة الاتصال بالإنترنت، ولأن شكوى المواطنين وأنين المستخدمين عادة يقابل بحكمة شديدة وحنكة عميقة، إذ موجات الاعتراض وهوجات الامتعاض عادة لا تستمر طويلاً، فإن الوضع متروك حالياً للزمن يداوي جرح الإنترنت الغائر.

يشار إلى أن بحوث التسويق تشير إلى أن غضب المستهلكين جراء ارتفاع أسعار سلعة ما يستغرق عادة بضعة أيام، وقد يصل إلى أسبوعين، أو لحين قدرتهم على التأقلم بصورة أو بأخرى على السعر الجديد، وذلك في حال لم تبذل جهود شعبية للضغط على الجهات المسؤولة للعودة إلى السعر القديم.

هذه المرة، تدخل عدد من نواب مجلس النواب (البرلمان) المصري لتضميد الجراح وتسكين الآلام. وكيل لجنة الاتصالات في مجلس النواب مها عبدالناصر قالت في تصريحات إعلامية إنه كان ينبغي مناقشة هذه الزيادة في البرلمان قبل إقرارها، مشيرة إلى أنه لم يجرِ الرجوع للبرلمان أو إخطار اللجنة قبل إقرار الزيادة.

وقالت عبدالناصر إن شركات المحمول كانت تضغط باستمرار لرفع الأسعار، ومجلس النواب من جهته كان يطالب بإلغاء ضريبة القيمة المضافة من فواتير الإنترنت كحل وسط أو بديل يضمن استمرار الخدمة من دون تحميل المشتركين أعباء أكثر.

النائب إيهاب منصور، من جهته قال ما يجول في صدور كثر، متسائلاً عن دور الأجهزة الرقابية المفترض مثل "جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية" في تقييم أداء شركات الاتصالات والزيادات التي يجري تطبيقها، وسوء الخدمة ونفاد الباقات قبل الأوان وغيرها.

الغضبة البرلمانية قوبلت شعبياً بهجمة ارتدادية جاءت على هيئة أسئلة استنكارية، وماذا عن دور البرلمان ونوابه في التشريع وسن القوانين التي تحمي المواطنين من الغلاء والزيادات المتواترة غير المصحوبة بزيادات في الرواتب والأجور والدخول، والرقابة على الأداء الحكومي في الذود عن الناخبين والدفاع عن حقوقهم في الحصول على خدمات جيدة بأسعار معقولة، وترتيب أولويات المرحلة بما فيها إتاحة الإنترنت الذي لم يعد رفاهية، حتى وإن كان إقبال الجموع يزيد على المحتوى الترفيهي، وضمان التمثيل الفعال للجموع الغفيرة تحت قبة البرلمان، وهي الجموع التي ما زالت في مرحلة الأنين والشكوى جراء تضخم أسعار الباقات وتقزم الجودة والسرعة والحجم؟

فجوة رقمية حضرية

الطريف واللافت أن أعضاء مجلس النواب كانوا قد ناقشوا مطلع العام الحالي مقترحات خاصة بتعزيز وتحسين خدمات الإنترنت وخفض كلفته، وإتاحة نظام "الإنترنت غير المحدود"، وذلك إثر رصد كثير من مظاهر الغضب الشعبي جراء أسعار وكفاءة الباقات ونفادها قبل المتوقع، ومحدودية التغطية في بعض المناطق.

وقتها، نشر "حلول للسياسات البديلة" (مشروع بحثي في الجامعة الأميركية بالقاهرة معنيٌّ بتقديم مقترحات للسياسات للتعامل مع التحديات التي تواجه المجتمع المصري" ورقة عنوانها "لماذا يخذلنا الإنترنت في مصر؟" (فبراير/شباط 2026)، جاء فيها أنه "يتعين على الدولة منح الأولوية لتحسين تجربة المستخدمين وتوسيع نطاق التغطية دون تمييز، باعتبار الإنترنت خدمة بالغة الأهمية، ووسيلة أساس لإنتاج ونشر المعرفة"، واصفة إياها بـ"أنها ضمن المرافق العامة وتتسم بكونها غير تنافسية أو إقصائية، ولا يؤثر استهلاك الفرد فيها في توافرها للآخرين، مما يعني وجوب إتاحتها للجميع".

وأشارت إلى ما سمته بـ"الفجوة الرقمية" في مصر من خلال الفوارق الجغرافية، فبينما تمثل المناطق الريفية النسبة الأكبر من السكان، تتركز خدمات الإنترنت الأرضي بكثافة في المناطق الحضرية، على رغم أن سكان القرى في أمس الحاجة إلى خدمات الإنترنت القادرة على تزويدهم بميزات اقتصادية كثيرة. وانتقدت كذلك "استمرار الشركات التي تقدم خدمات الإنترنت في مصر في زيادة الأسعار دون مبرر. ووصفت هذه الزيادات بـ"العبء الكبير على عدد من الأسر المصرية، لا سيما تلك التي تعتمد على دخل لشخص واحد لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور وهو 7 آلاف جنيه شهرياً، مما يعني أن أرخص باقة إنترنت تستحوذ على ثلاثة في المئة تقريباً من الدخل الشهري لهذه الأسر. وكان ذلك قبل الزيادة الجديدة في أسعار الباقات خلال مايو (أيار) الجاري، وكذلك قبل إقرار زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه يبدأ تطبيقها في يوليو (تموز) المقبل.

أما التوصيات المقدمة للحكومة المصرية، فتراوحت ما بين تعزيز الوصول الشامل والعادل لخدمات الإنترنت، والتعامل مع خدمات الاتصالات باعتبارها مرفقاً عاماً، مع إعطاء الأولوية للإصلاحات التنظيمية وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى توسيع نطاق الإنترنت الأرضي في المناطق الريفية، ووضع معايير واضحة لجودة الخدمة ومراقبة ممارسات مقدمي خدمات الإنترنت، وذلك لضمان عدم التمييز في الوصول وضمان استمرارية الخدمة.

هذه الإجراءات تسهم في تقليص الفجوة الرقمية وتحسين جودة الاتصال وضمان تمكين جميع المواطنين من المشاركة الفعالة في الاقتصاد الرقمي، والوصول إلى الخدمات الحكومية الأساس عبر الإنترنت.

على أي حال، وعلى رغم الزيادات المتواترة والشكاوى المتكررة والمطالبات المستمرة تارة بالتحسين وأخرى بالتحديث وثالثة بالإبقاء على الأسعار ثابتة ولو لعام واحد دون زيادات، تظل العلاقة بين المصريين والإنترنت أقرب ما تكون إلى العشق المكلف، والاعتماد بلا بدائل، والدوران في فلك التعايش والتأقلم والتدبر، شرط عدم المساس بمكانة الشبكة في حياة الجميع، دون النظر إلى ما فعلته بهم، أو ما يفعلونه بها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات