Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبر تدريب سوريين… الأردن يعزز دوره الأمني في الجنوب السوري

برلماني أردني: عمان رفضت طلباً إسرائيلياً بفتح ممر إنساني إلى السويداء

جانب من تدريبات عناصر الشرطة السورية في الأردن (الداخلة السورية على إكس)

ملخص

درب الأردن 300 شرطي سوري جديد في برنامج تدريب شمل العلوم الشرطية الحديثة، في تعاون أمني غير مسبوق بين سوريا والأردن، في حين يجمع المراقبون أن الأردن معني مباشرة في ملف الجنوب السوري وفرض سيطرة الدولة السورية على أراضي البلاد كافة، بما في ذلك محافظة السويداء، ومحاربة جريمة تهريب المخدرات التي تقوم بها فصائل محلية من إرث النظام السوري السابق.

أعلنت مديرية الأمن العام الأردنية في الثامن من مايو (أيار) الجاري تخريج دورة لإعداد وتأهيل عناصر من الشرطة السورية في المركز الأردني الدولي لتدريب الشرطة، ضمن برنامج تعاون أمني وتدريبي بين الجانبين. وقالت المديرية في بيان رسمي إن "حفلة التخريج أقيمت برعاية مدير الأمن العام الأردني اللواء عبيدالله المعايطة، وبحضور معاون وزير الداخلية السوري لشؤون القوى البشرية محمد فتوح، إلى جانب عدد من كبار الضباط ووفد سوري رسمي". وبحسب المديرية، تلقى 300 شرطي سوري جديد برنامجاً تدريبياً شمل العلوم الشرطية الحديثة، إضافة إلى تدريبات عملية في اللياقة البدنية، والدفاع عن النفس، واستخدام الأسلحة المختلفة، بما يواكب متطلبات العمل الأمني الميداني.

هذا التطور في مجال التعاون الأمني، يعد الأول من نوعه بين سوريا والأردن، ويعكس تعاوناً أمنياً يتجاوز الخطوط العريضة للعلاقات الأمنية بين الدول المتجاورة، خصوصاً تلك التي تقع في بؤر الصراع كدول بلاد الشام، فماذا يقول المختصون في ما يخص أبعاد هذه التدريبات، وعلاقتها بملف الجنوب السوري، وعلى وجه الخصوص قضية تهريب المخدرات والتوترات الأمنية في محافظة السويداء القريبة من الحدود الأردنية.

وقال مصدر في وزارة الداخلية السورية لـ"اندبندنت عربية" إن "العناصر السوريين الذين تدريبوا في الأردن، سيجري نشرهم في محافظة السويداء، إذ سيلتحق هؤلاء العناصر في قوى الأمن الداخلي في المحافظة".

وقال العميد عبد الله الأسعد لـ"اندبندنت عربية"، إنه "في ظل الدولة السورية الجديدة ذات الخبرات المحدودة ينظر إلى الأردن على أنه جار يمتلك تدريباً مهنياً أكاديمياً يوفر مهارات وقدرات عالية، لذلك فإن الأفراد الذين تدربوا في الأردن سيكون لديهم قدرة عالية على ضبط الأمن ومنع الفوضى، خصوصاً في الواجهة الشمالية الشرقية للأردن التي تعاني تهريب المخدرات، لذلك فإن نشر مثل تلك العناصر سيكون ذا فائدة في معرفة مصادر المخدرات وضبطها، وبمعنى آخر فإن هذا التعاون يعتبر مجالاً جديداً بين البلدين، ويأتي في سياق التنسيق والتعاون بين الحكومتين وتبادل الخبرات والمهارات".

هواجس الأردن الأمنية

البرلماني الأدرني السابق أستاذ العلوم السياسية الدكتور هايل ودعان الدعجة، قال إن "ما دفع الأردن لتدريب عناصر الأمن السوريين، هو ما يواجهه من تحديات أمنية متكررة على شكل عمليات تهريب أسلحة ومخدرات مصدرها الأساس محافظة السويداء السورية، تقوم بها شبكات وفصائل مسلحة أمنية وعسكرية من فلول النظام السوري السابق، مستغلة فوضى سقوطه وانشغال الإدارة السورية الجديدة في إعادة ترتيب البيت الداخلي والملفات الداخلية، لاستئناف نشاطها من خلال وجودها في منطقة السويداء التي تعاني فراغاً أمنياً، ومثلت بالنسبة إليها بيئة جغرافية مناسبة للاستمرار في تنفيذ عملياتها التخريبية، لتشكل بذلك تهديداً مباشراً ومشتركاً لأمن الأردن وسوريا، مما دفعهما إلى التفكير بتنسيق جهودهما وتفعيل التعاون الأمني بينهما لضبط أمن حدودهما المشتركة، وذلك بعد تدشين مرحلة جديدة من العلاقات المميزة بين البلدين قادت إلى تعاون أمني وعسكري، وتشكيل مجلس أعلى للتنسيق بين البلدين، إضافة إلى لجنة أمنية مشتركة لتفكيك شبكات التهريب بعدما بات أمن الحدود يشكل تحدياً كبيراً لهما بسبب هذه الشبكات".

ويضيف البرلماني الأدرني السابق أن "كل هذا دفع الأردن إلى استهداف أوكار التهريب ومراكز تصنيع المخدرات وتخزينها، وذلك في إطار التعامل الاستباقي والردع الذي انتهجه الأردن لمواجهة هذه الآفة الخطرة مع تصاعد محاولات التهريب وغياب الاجراءات الحدودية من الجانب الآخر، ليتحول الأردن من حالة الدفاع الحدودي إلى الردع الاستباقي، وذلك باستهدافه البنية التحتية ومصادر التهريب، ليفرض بذلك قواعد اشتباك جديدة، إضافة إلى قيام الأردن أخيراً بتدريب مئات العناصر من قوى الأمن الداخلي السوري، الذي يأتي ضمن برنامج التعاون الأمني والتدريب المشترك بين الأردن وسوريا لمواجهة التحديات الأمنية، ومن ثم  توزيع هذه العناصر المدربة ونشرها بالسويداء، بحيث تكون قادرة على تنفيذ مهمات أمنية فيها من دون أن نغفل موقف الأردن الرافض لدعوة الانفصاليين بفتح ممر حدودي مع السويداء بذرائع إنسانية، لما يمثله ذلك من خرق للسيادة السورية ومحاولة لتكريس الانفصال وتحويل سوريا إلى كانتونات مما يهدد أمنها القومي".

الأردن يرفض طلباً إسرائيلياً

وختم أستاذ العلوم السياسية حديثه بالقول إن "الأردن رفض مطالب إسرائيلية بمرور مساعدات لهؤلاء الانفصالين عبر أراضيه، مما أدى إلى تعزيز الثقة المتبادلة بين الأردن وسوريا، وتقوية العلاقات والشراكة الاستراتيجية بينهما، إذ وصل مستوى التنسيق الأمني بينهما إلى درجات متقدمة".

أما الباحث السوري في مركز "جسور" للدراسات وائل علوان فيقول إن "الجانب الأمني هو أهم الجوانب المشكلة للعلاقة الجديدة ما بين الأردن وسوريا بعد سقوط نظام الأسد وتحرر سوريا وتشكيل الحكومة الجديدة، إذ باتت هناك فرصة عظيمة أمام الأردن للحفاظ على أمنه القومي ومصالحها، لا سيما مع الانفتاح والتعاون الكبيرين من الحكومة السورية الجديدة خلافاً لما كان عليه النظام البائد الذي كان يستثمر في الفوضى".

الاستثمار في دعم الاستقرار

ويرى علوان أن "الحكومة السورية الجديدة تستثمر في دعم الاستقرار وأمن المنطقة بالتعاون مع الفاعلين في المنطقة، وخصوصاً دول الجوار مثل الأردن وتركيا والعراق ولبنان، وكذلك دول الخليج العربي، لذلك فإن موضوع تدريب عناصر الأمن السوريين من الأردن، إضافة إلى اتفاقات التعاون الأمني المشترك، كل هذا مهم لكف كل العبث الذي كان نظام الأسد يجعل سوريا منصة له، بما في ذلك الجانب الأمني، واليوم مع استقرار سوريا، ما تزال هناك معضلة السويداء وفيها جزء من المجموعات المرتبطة بـ’حزب الله‘ والنظام السابق، وبالنسبة إلى الأردن وسوريا فإن البلدين أمام فرصة من أجل تعاون أمني يعالج هذه المشكلة ويجد لها الحلول الواقعية والسهلة".

من جهته يرى الخبير الأردني في قضايا الأمن الاستراتيجي الدكتور عمر الرداد أن "هذا الملف مرتبط بالأمن الوطني للأردن، إذ إنه معني بالتعاون مع الدولة السورية المجاورة، فسوريا دولة شقيقة ومن الطبيعي أن يطمح الأردن إلى أن تكون مستقرة وقادرة على السيطرة على حدودها، ومع تحقق هذه الفرصة اليوم بقيادة الرئيس أحمد الشرع، واستعادة وحدة سوريا إلى حد كبير، باستثناء محدود في منطقة السويداء، فإن التعاون الأمني يأتي ضمن منظور عربي تتشارك فيه أيضاً تركيا، يهدف إلى تقوية الدولة السورية التي تسعى بدورها، وبنوايا صادقة، إلى إعادة بناء أمنها الوطني عبر تشكيلات الأجهزة الأمنية الجديدة".

حاجة سوريا الجديدة

ويضيف الرداد أن "أجهزة الأمن الجديدة تحتاج إلى التدريب، والأردن وفق هذه التفاهمات والقواسم المشتركة الداعمة للقيادة والحكومة السورية الجديدة، يقوم بدوره في هذا المجال من خلال تدريب قوات الأمن السورية والتعاون مع الإدارات السورية المختلفة، ليس فقط في قطاع الأمن والجيش، بل أيضاً في قطاعات خدمية أخرى، مثل الربط الكهربائي والتعاون في مجال المياه، إذ أصبحت سوريا تزود الأردن بالمياه أيضاً، وهناك أيضاً مجالات للتعاون في الزراعة والاتصالات، ويعتقد أن آفاق التعاون واسعة جداً ما دامت هناك قيادة وحكومة وشعب سوري يؤمن بأن أمنه الوطني وأمن الأردن جزء من منظومة واحدة، أما التهديد الأمني القادم من الجنوب السوري فأصبح واضحاً أنه يعتمد على بقايا النظام السوري السابق وميليشياته، وخصوصاً ’حزب الله‘، بما في ذلك مصانع الكبتاغون، ويبدو أن هناك كميات كبيرة كانت مخزنة، ولا تزال تصنع في مناطق السويداء، وتحظى بحاضنة أمنية من جماعة (الشيخ حكمت) الهجري، التي تضم خليطاً من مجموعات مختلفة، بعضها كان إلى جانب النظام السابق، بما في ذلك بقايا من الحرس الثوري و’حزب الله‘ اللبناني، الذي كان يوجد في المنطقة ويمتلك قواعد وأماكن لتخزين السلاح".

ويرى الخبير الأردني أن "الفرق بين الماضي والحاضر هو أن السلطات السورية الجديدة رفعت يدها عن هذه المجموعات، بل وعلى العكس، لو توفرت الظروف المناسبة، فإن الأردن على يقين بأنه سيتم التعامل معها أمنياً وفق السياقات الأمنية السورية ومفاهيم الخروج على القانون، ومع ذلك لا تزال هذه الجماعات تشكل خطراً وتهديداً على الأردن، ولا تزال تستخدم أساليب تكنولوجية متطورة مثل البالونات والطائرات المسيرة، إضافة إلى المهربين الذين يعبرون الحدود سيراً على الأقدام مستفيدين أحياناً من الظروف الجوية، إلا أن الأردن يتصدى لهم باستمرار، إذ تصدر بصورة شبه يومية بيانات عن القوات المسلحة تتحدث عن اشتباكات وضبط كميات كبيرة من المخدرات، أما الغارات التي نفذت في الثاني من مايو (أيار) الجاري على بعض المراكز والمزارع والمخازن والمصانع التابعة لهذه الشبكات، التي تستخدم لتخزين المخدرات وتصنيعها ومحاولة تهريبها إلى الأردن، فهي جزء من جهد أمني استراتيجي طويل الأمد يتعلق بمراقبة الحدود والتعامل مع عمليات التهريب، وبالتالي لم تكن تلك العملية الأولى، ولن تكون الأخيرة ما لم يجر القضاء على هذه الشبكات وفرض سيطرة الأجهزة الأمنية التابعة للدولة السورية عليها".

السويداء والقضية المعقدة

ويضيف الرداد أنه "من المعروف أن ظروف السويداء معقدة، والأردن ينسق مع القيادة السورية على مستوى الجيش والأجهزة الأمنية، ولم يعد ذلك سراً، إذ يوجد تنسيق عالي المستوى بين الجانبين، لذلك فإن مثل هذه العمليات تخضع لمعايير الخطورة الأمنية، وتعتمد أيضاً على معلومات استخبارية تفرضها طبيعة عمليات التهريب والأشخاص المتورطين فيها، ومن هنا فإن هذه العمليات تأتي ضمن استراتيجية طويلة الأمد، وخلافاً لما يردده البعض بأن استهداف السويداء مرتبط بوضع سياسي محدد، فإن هذا غير صحيح، لأن سلاح الجو الملكي الأردني سبق أن نفذ غارات ضد هذه الأوكار حتى قبل سقوط نظام الأسد، مما يؤكد أن موقف الأردن لا يرتبط بنظام سياسي معين، بل بمحددات أمنه الوطني، إلا أن التغيير الذي جرى في القيادة السورية والتعاون الحالي يمنح الأردن أفضلية ويوفر مساحات أوسع من التنسيق بين الجانبين، كما يدرك الأردن على المدى البعيد أن استقرار السويداء مسألة وقت، تماماً كما حدث في مناطق أخرى من سوريا، فبعد الاتفاق مع ’قسد‘ (قوات سوريا الديمقراطية)، بدأت الدولة السورية بأجهزتها الإدارية والأمنية الجديدة بالوصول إلى الحسكة والقامشلي ومناطق دير الزور، إلا أن الاتفاق مع ’قسد‘ كان مدعوماً دولياً من الولايات المتحدة والأوروبيين، وتم إنجازه عبر المبعوث الأميركي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع "أما في ما يتعلق بميليشيات حكمت الهجري، فيعتقد أن وضعها أضعف بكثير، خصوصاً أنها تسيطر على منطقة محدودة ومعزولة في السويداء، وتستطيع الدولة السورية فرض حصار عليها ومنع وصول الغذاء والدواء، خصوصاً أنها منطقة غير منتجة وتعتمد على محيطها، وعلى المستوى السياسي، فهي تحظى بدعم من إسرائيل ومن اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، إلا أن هذا الدعم ينظر إليه باعتباره دعماً تكتيكياً وموقتاً يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية تتعلق بالضغط على القيادة السورية في شأن الاتفاق الأمني المرتبط بالجولان والعودة لخط الهدنة لعام 1974، وربما التمهيد لاحقاً لاتفاق سلام وتطبيع مع سوريا، وبالنهاية فإن قضية السويداء، من وجهة نظر أمنية، لا تشكل تهديداً إلا ضمن الحدود الحالية، وحتى لو طال أمد وجود الهجري وفلول النظام وهذه الميليشيات، فإما أن تذوب أو تعود للدولة السورية، كما أن هناك مبالغة في الرواية التي تقول إن الطائفة الدرزية في السويداء تقف بالكامل إلى جانب حكمت الهجري، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن كثيرين، وربما الغالبية في المنطقة، يريدون العودة والانسجام مع الدولة الوطنية السورية، لذلك سيواصل الأردن التعامل مع هذا الوضع ما دام بقي يشكل خطراً بصيغته الحالية".

الاستجابة للتحديات

من ناحية ثانية، لفت الباحث السياسي السوري الدكتور عصمت العبسي إلى أن "دمشق تعتبر أن التعاون الأمني مع الأردن يمثل استجابة عملية للتحديات الأمنية المشتركة، خصوصاً في مجال مكافحة تهريب المخدرات الذي بات يشكل تهديداً مباشراً لأمن الدولتين، ويأتي هذا التعاون في إطار تنسيق رسمي يهدف إلى حماية السيادة الوطنية لكلا البلدين والتصدي لشبكات التهريب والمصانع التي تنشط على امتداد الحدود. أما الأهداف الأساسية للتدريب فهي تحديث قدرات الأمن السوري، ورفع الكفاءة المهنية للعناصر، وتعزيز قدراتهم على تنفيذ المهمات الأمنية باحترافية عالية، من خلال برامج مكثفة تشمل العلوم الشرطية الحديثة، واللياقة البدنية، والدفاع عن النفس، وإدارة الأزمات والحشود، وكذلك مواجهة التهديدات الجديدة، إذ إن التدريب يركز على التعامل مع تقنيات تهريب متطورة مثل البالونات الموجهة والطائرات المسيرة، التي بدأت الشبكات استخدامها بصورة متزايدة، وأيضاً تم التدريب على تطبيق استراتيجية الردع الاستباقي، إذ يتبنى الأردن نهجاً استباقياً يهدف إلى تفكيك شبكات التهريب من جذورها، بدل الاكتفاء بالردع عند الحدود، ومن جانب آخر فإن القوات المدربة يمكن أن تسهم بصورة كبيرة في ضبط الفوضى الأمنية في السويداء من خلال آليات عدة، منها تقوية الوجود الأمني من خلال نشر 300 عنصر مدرب، مما سيؤسس لوجود أمني أكثر فعالية في منطقة تعاني ضعف السيطرة الحكومية، وتفكيك الشبكات المنظمة، وتقليل نشاط التهريب".

وأضاف العبسي أن "هذا التدريب يعكس تحولاً واضحاً في العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر، ويظهر ذلك في التنسيق الأمني المتزايد، والتحول من الاحتواء إلى المعالجة الجذرية، ويبدو أن العلاقة بين دمشق وعمان تخضع لمنطق المصالح الأمنية المشتركة، إذ يرى الجانبان أن مكافحة المخدرات ليست مهمة أمنية فحسب، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية تتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً واسعاً".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات