ملخص
العمود الفقري في التوجه الماكروني كمحور ثالث، الذي لم يكن معلناً فهو التوجه نحو المعادن ومصادر الطاقة، فقد جاء خطاب ماكرون في نيروبي محملاً بموقف صريح إزاء الصين، وصف فيه النهج الصيني في التعدين الأفريقي بأنه يقوم على "منطق الافتراس"، مشيراً إلى أن بكين "تجري التصنيع داخلها وتصدر التبعية إلى بقية العالم". وفي الأسبوع ذاته، عقدت فرنسا اجتماعاً مغلقاً لمجموعة السبع عبر الإنترنت خصصته للبحث في كيفية تقليص الهيمنة الصينية على سلاسل إمداد المعادن النادرة، تمهيداً لقرارات أكثر إلزامية في قمة إيفيان المقبلة
في غضون أيام قليلة ممتدة بين الـ9 والـ13 من مايو (أيار) 2026، قطع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مسافات شاسعة بين القاهرة ونيروبي وأديس أبابا، ضمن جولة أفريقية استثنائية تكشف بجلاء عن حجم الأزمة التي تواجهها باريس في علاقتها مع القارة السمراء، وفي الوقت ذاته عن الطموح الفرنسي في بناء نموذج بديل يتجاوز إرث الفرانكوفونية المثقل بمواريث الاستعمار. واختار ماكرون أن تكون هذه الجولة "كشف حساب" لسياسته الأفريقية منذ توليه الرئاسة عام 2017، وهي سياسة تتقاطع فيها دوافع متشابكة، تجمع بين استعادة النفوذ المتراجع ومواجهة المنافسة الصينية والروسية المتصاعدة، والتكيف مع قارة لم تعد تقبل بأدوار يفرضها عليها الآخرون.
واختار ماكرون مصر محطة أولى ضمن جولته، وهو اختيار لا يخلو من دلالة سياسية عميقة. فعلى هامش افتتاح الحرم الجديد لجامعة سنغور في برج العرب الجديدة قرب الإسكندرية، انعقدت قمة ثنائية بين الرئيسين ماكرون والسيسي، على اعتبار أن القاهرة في الحساب الاستراتيجي الفرنسي رأس الجسر الرابط بين أفريقيا والمتوسط والعالم العربي.
في المقابل، مثلت قمة "أفريقيا إلى الأمام" في نيروبي الحدث المحوري ضمن الجولة الماكرونية، وهي تنعقد للمرة الأولى في تاريخ القمم الفرنسية الأفريقية خارج فرنسا والدول الناطقة بالفرنسية، منذ انطلاق هذا التقليد عام 1973.
وقد شارك فيها أكثر من 30 رئيس دولة وحكومة، إلى جانب أكثر من ألفي رجل أعمال ومستثمر. وأعلن ماكرون حزمة استثمارية بقيمة 23 مليار يورو، تتوزع بين 14 ملياراً من الشركات الفرنسية العامة والخاصة في قطاعات الطاقة والزراعة والذكاء الاصطناعي، و9 مليارات من المستثمرين الأفارقة، على أن تولد 250 ألف فرصة عمل.
غير أن القراءة النقدية لهذه الأرقام لا تقل أهمية عن الأرقام ذاتها. فقد تعرضت موازنة المساعدات الإنمائية الفرنسية لخمسة خفوض متتالية في أقل من عامين، وبلغت موارد 2026 نحو 3.5 مليار يورو، أي تراجعاً بنسبة 18 في المئة عن العام الماضي. والأهم أن الجانب الأكبر من الحزمة ينبثق من تعهدات القطاع الخاص لا من الخزانة الفرنسية، مما يعني أن الدولة الفرنسية تسوق نجاحاً تتحمل مخاطره جهات أخرى، ومن المشاهد اللافتة التي اعترضت الجولة أن ماكرون وصف نفسه وفرنسا بأنهما من "الأفريقانيين الحقيقيين"، وهو توصيف استدعى ردود فعل غاضبة واسعة في أرجاء القارة. ثم في اليوم التالي صعد إلى المنصة ووبخ الحاضرين على ما وصفه بـ"انعدام الاحترام الكامل" تجاه متحدثين من الشباب الأفريقي، وهما مشهدان متتاليان كشفا عن هوة عميقة بين بلاغة الشراكة المتكافئة وعقلية الوصاية التي لم تغادر الحضور الفرنسي بالكامل.
ملامح السياسة الفرنسية المستقبلية
إن تحليل مجمل تصريحات ماكرون ومواقفه خلال هذه الجولة يمكننا من رسم ملامح السياسة الفرنسية المستقبلية في أفريقيا، عبر خمسة محاور متشابكة يكمل بعضها بعضاً، وإن اتسمت بقدر من التناقض الداخلي.
المحور الأول هو الانتقال من المعونة إلى الشراكة، إذ يمثل هذا المحور أبرز ما جاء به ماكرون خطابياً، والذي أكد مراراً أن "أيام تقديم المساعدات ولت"، وأن فرنسا تسعى إلى "الاستثمار المشترك" لا المنح من موقع المتبرع. ويترجم هذا التوجه عبر آلية ضمانات الخسارة الأولى التي اقترحها ماكرون لخفض أخطار الاستثمار، وجذب رأس المال الخاص الأوروبي نحو القارة. وأقر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال القمة الفرنسية - الأفريقية بأن كلف الاقتراض على الدول الأفريقية تتجاوز ضعفي نظيراتها في الاقتصادات المتقدمة، مضيفاً أن ذلك "ليس حكماً من السوق على أفريقيا، بل هو حكم على ظلم المنظومة القائمة"، إذ تسعى فرنسا إلى تموضع قيادي في إصلاح هياكل التمويل الدولي لمصلحة القارة، عبر الدفع بهذه الآلية في قمة السبع في إيفيان خلال يونيو (حزيران) المقبل.
بيد أن هذا التحول يظل محفوفاً بتحدي الصدقية، إذ يظل الاستثمار الفرنسي المباشر متركزاً في قطاعات التعدين والطاقة والاتصالات بصورة تعكس منطق الاستخراج لا الشراكة الإنمائية. والسؤال الجوهري الذي ستجيب عنه الأعوام المقبلة، هل سيفضي هذا النموذج إلى رفع نسبة التصنيع داخل القارة، أم سيعيد إنتاج الدوائر القديمة في واجهة عصرية؟
أما المحور الثاني فهو اختراق الفضاء الأنغلوفوني الأفريقي، وهو التحول الأكثر دلالة في الجيوسياسة الفرنسية - الأفريقية منذ حقبة الاستقلال الوطني الأفريقي. تسعى باريس إلى نموذج جديد يركز على الدول الأنغلوفونية، ويقدم "شراكة متكافئة". ويجسد اتفاق الدفاع الجديد مع كينيا الاتجاه الذي تأمل باريس أن تسلكه. ووقع ماكرون مع نيروبي 11 اتفاقاً ثنائياً شاملاً، تضمنت تأهيل شبكة سكك حديد نيروبي الحضرية، واتفاقاً مشتركاً لتطوير ميناء مومباسا بقيمة تقارب 104 مليارات شيلينغ كيني، إضافة إلى اتفاقات في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وتصدير الشاي الكيني إلى فرنسا، مما يعني استمرار التوجهات الماكرونية منذ تولي الرئيس الفرنسي سدة الرئاسة عام 2017، وذلك من حيث التوسع خارج الدائرة الفرانكوفونية التقليدية، وذلك نحو الاقتصادات الأنغلوفونية الكبرى، إذ جاءت الجولة الحالية لترسخ هذا التوجه بصورة غير مسبوقة، خصوصاً مع حضور الرئيس الكيني روتو قمة السبع في إيفيان، وذلك في إشارة فرنسية واضحة إلى الاعتراف بكينيا شريكاً ذا ثقل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما العمود الفقري في التوجه الماكروني كمحور ثالث، الذي لم يكن معلناً فهو التوجه نحو المعادن ومصادر الطاقة، فقد جاء خطاب ماكرون في نيروبي محملاً بموقف صريح إزاء الصين، وصف فيه النهج الصيني في التعدين الأفريقي بأنه يقوم على "منطق الافتراس"، مشيراً إلى أن بكين "تجري التصنيع داخلها وتصدر التبعية إلى بقية العالم". وفي الأسبوع ذاته، عقدت فرنسا اجتماعاً مغلقاً لمجموعة السبع عبر الإنترنت خصصته للبحث في كيفية تقليص الهيمنة الصينية على سلاسل إمداد المعادن النادرة، تمهيداً لقرارات أكثر إلزامية في قمة إيفيان المقبلة.
المفارقة الكبرى هنا أن أفريقيا تحتضن ما يزيد على 40 في المئة من الاحتياطات العالمية من معادن حيوية كالكوبالت والمنغنيز والبلاتين، وهي معادن أساس لصناعات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة والبنية التحتية للطاقة المتجددة. وخلال وقت تدعو فيه المؤسسات الغربية أفريقيا إلى الكف عن توسيع قطاع الوقود الأحفوري، تعتمد هذه المؤسسات ذاتها على الهيدروكربونات والمعادن الأفريقية لتحقيق أمنها الطاقوي. هذا التناقض بات يشكل عنصراً محورياً في التفاوض الأفريقي مع فرنسا والغرب عموماً، وقد منح القيادات الأفريقية ورقة ضغط لم تكن متاحة لها في عقود سابقة.
المحور الرابع هو إعادة التمركز الفرنسي الأمني في القارة، وهو المحور الذي يكشف عن التناقض الأعمق في السياسة الفرنسية، إذ تنسحب باريس من غرب أفريقيا في ظل تراجع نفوذها المتواصل، وذلك بعدما اكتمل انسحاب قواتها من المنطقة العام الماضي، لتعيد الانتشار في شرق القارة بوتيرة متسارعة. فقد وصل نحو 800 جندي فرنسي إلى كينيا على متن سفينة حربية خلال أبريل (نيسان) الماضي في توقيت يسبق القمة مباشرة. وعبر ماكرون عن موقفه من الانسحاب الغربي بصراحة، قائلاً "حين لم يعد وجودنا مرغوباً فيه بعد الانقلابات، رحلنا. لم يكن ذلك إذلالاً، بل استجابة منطقية لواقع جديد".
والسؤال الذي يمكن طرحه هنا هو هل يعيد الحضور العسكري الفرنسي الجديد في شرق أفريقيا إنتاج نموذج الفرانكوفريك المفلس في الغرب، لكن تحت ستار اتفاقات أمنية ثنائية؟ الإجابة هنا ليست قاطعة، إذ يختلف السياق الشرق أفريقي اختلافاً جوهرياً، فكينيا لم تعرف الاستعمار الفرنسي وتمتلك من الثقل الاقتصادي والسياسي ما يمكنها من انتزاع شروط أكثر توازناً، بالتالي يبقى الاختبار الحقيقي حين تتعارض المصالح الفرنسية مع سيادة الدول الشريكة.
المحور الخامس في السياسات الفرنسية هو دور وسيط بين أفريقيا ومؤسسات الحوكمة الدولية، إذ تسعى فرنسا إلى تقديم نفسها وسيطاً بين القارة الأفريقية ومؤسسات الحوكمة الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين ومجموعة السبع، في ظل تصاعد الشكاوى الأفريقية من تحيز وكالات التصنيف الائتماني وارتفاع أسعار الاقتراض. ودعا ماكرون إلى دعم آلية الضمانات المالية في قمة السبع، مؤكداً أنه "لا مبرر لندرة الاستثمار الخاص في قارة بهذه الطاقة والشباب".
غير أن هذا الدور لن يكون مجدياً ما لم تنتزع فرنسا إصلاحات حقيقية داخل المؤسسات المالية الدولية لمصلحة أفريقيا، لا مجرد تصريحات. والمعادلة الصعبة هنا أن الصين تقدم نماذج تمويل أسرع في غياب شروط الحوكمة، في حين تفرض المؤسسات الغربية مشروطيات تجعل الحصول على التمويل عقبة يصعب تخطيها. وأمام هذه المعادلة، تحاول فرنسا أن تقدم نفسها خياراً ثالثاً أسرع من بيروقراطية صندوق النقد وأكثر شفافية من النموذج الصيني.