Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قمة بكين... رهانات على مظلة دولة ضامنة

على رغم وصف بكين بأنها "تنين" الشرق الآسيوي فإنها تتبع سياسة السير كالسلحفاة بناء على مبدأ "الصبر الاستراتيجي"

تحاول الإدارة الأميركية الضغط على النظام الإيراني من أجل الموافقة على شروطها لإنهاء الصراع (أ ف ب)

ملخص

برهنت الدبلوماسية الصينية أنها لا تخضع في حركتها لردود الفعل المباشرة أو السريعة، بل تحاك خلف الكواليس بكثير من التأني والتروي، لضمان أن تعطي نتائج أكيدة وقابلة للاستمرار والثبات، بخاصة إذا كانت هذه النتائج تتعلق بالموقع الدولي والنفوذ ومصادر الطاقة ومن سيشكل موازين القوى المقبلة.

حالة من الترقب تهيمن على المشهد السياسي الدولي، بانتظار ما ستسفر عنه القمة التي ستعقد بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ، وما ستحمله من مخرجات مصيرية ترتبط بالبند الذي حدده ترمب، والمتعلق بالحرب الأميركية- الإيرانية، بخاصة وأن مصير هذه الحرب ينعكس صورة تلقائية على البنود الأخرى لجدول أعمال الزيارة، سواء في الجانب الاقتصادي أو أسواق الطاقة وانعكاساتها على العلاقة بين الطرفين.

هذه القمة الأميركية- الصينية تأتي متزامنة مع تصعيد أميركي أعلنه ترمب تعليقاً على الورقة الإيرانية، التي نقلها الوسيط الباكستاني قبل أيام، تضمنت موقف إيران من الورقة الأميركية حول آليات الحل والشروط المتبادلة لإنهاء النزاع القائم بينهما. وهي ورقة وصفها ترمب بأنها "فارغة" ولا قيمة لها ولا تستحق الرد عليها. فاتحاً بذلك الطريق أمام إمكانية الذهاب مجدداً إلى الخيار العسكري الذي طالما لوح به، وهدد بتدمير ما تبقى من قدرات إيرانية وبنى تحتية وحياتية للنظام والدولة على حد سواء.

كلام ترمب المباشر عن إدراج الأزمة مع إيران على جدول أعمال القمة مع نظيره الصيني شي جينبينغ، قد يحمل على الاعتقاد بأن الإدارة الأميركية، تحاول تطويق قيادة النظام الإيراني من خلال منظومة حلفائه، والضغط عليه من أجل القبول والموافقة على الشروط الأميركية لإنهاء الصراع، وتوقيع اتفاق يضمن لواشنطن إعلان نصر عسكري وسياسي واستراتيجي بسهولة.

في المقابل، فإن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المفاجئة في السادس من مايو (أيار) إلى بكين، لا تقتصر على تعزيز التنسيق مع الجانب الصيني الذي يصنف في خانة الحليف لطهران، على الأقل من باب المصالح الاستراتيجية الخاصة التي قد تتمخض عنها الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وما يمكن أن تسفر عنه من معادلات سياسية وجيواستراتيجية وجيواقتصادية. بل كانت تهدف أيضاً إلى استمزاج الموقف الصيني واستعداده للعب دور "الضامن الدولي الرئيس" لأي اتفاق قد يجري التوصل إليه مع واشنطن. بخاصة وأن أحد بنود الورقة الإيرانية طالب بضمانات دولية لعدم عودة واشنطن إلى استخدام الخيار العسكري أو الانقلاب على أي اتفاق أو تفاهم.

البحث إيرانياً عن ضامن دولي يلتقي مع رغبة أميركية مشابهة، وإن كان من منطلق مختلف، أي ضامن قادر على التأثير في الموقف الإيراني ودفع القيادة في طهران برعاية منه لإبداء مزيد من الليونة والحلول الوسط، بحيث تسهل عملية التوصل إلى اتفاق يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الدولي، تكون طهران جزءاً منه.

البحث الأميركي والإيراني عن ضامن دولي لأي اتفاق، لا يعني تهميش أو إنهاء أو تقليص الدور الباكستاني الوسيط في هذه الأزمة. فكلا الطرفين يعترفان بأهمية ما قامت به إسلام آباد والدور الذي لعبته في التوصل إلى وقف إطلاق النار وتمهيد الأرضية للقاء الأول الذي جمع الوفدين المفاوضين الأميركي والإيراني. إلا أن خيار أو اختيار الصين كضامن لأي اتفاق، سببه عدم قدرة باكستان على لعب هذا الدور لاعتبارات عدة تفوق قدرتها في معادلات القوى الكبرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمام رهانات المتصارعين التي تتفق على ضرورة البحث عن ضامن لأي تفاهم بينهما، وأن الخيار الصيني يبدو الأقرب إلى الواقعية والأكثر قدرة على لعب هذا الدور. إلا أن بكين وعلى رغم وصفها بأنها "تنين" الشرق الآسيوي، الذي يتميز بقدرته على الانقضاض السريع، إلا أنها تتبع سياسة السير كالسلحفاة، بناء على مبدأ "الصبر الاستراتيجي" الذي يحكم كل تعاملاتها مع القضايا الدولية والاستراتيجية.

فالتحرك الصيني للدخول المباشر على خط الأزمة الأميركية-الإيرانية، قد لا يكون قراراً انفعالياً أو متسرعاً. فالقيادة الصينية تؤمن بأن التفاعل السريع والفوري، سيعقبه تراجع مفاجئ، لذلك هي تسعى للحفاظ على مسافة موضوعية من هذه الأزمة، على رغم حجم تداعياتها السلبية على المستوى الاقتصادي نتيجة التطورات التي حصلت في مسألة مضيق هرمز، وإقفاله أمام التدفق الحر لمصادر الطاقة.

وقد برهنت الدبلوماسية الصينية أنها لا تخضع في حركتها لردود الفعل المباشرة أو السريعة، بل تحاك خلف الكواليس بكثير من التأني والتروي، لضمان أن تعطي نتائج أكيدة وقابلة للاستمرار والثبات، بخاصة إذا كانت هذه النتائج تتعلق بالموقع الدولي والنفوذ ومصادر الطاقة ومن سيشكل موازين القوى المقبلة. ولعل التجربة الصينية في رعايتها لاتفاق مارس (آذار) 2023 بين إيران والمملكة العربية السعودية يشكل مؤشراً على طبيعة ونمط التعامل مع الأزمات. فالمظلة التي وفرتها الصين لهذا الاتفاق جاءت استكمالاً لمسار بدأه طرفا الاتفاق، وأظهرا فيه نوايا صادقة وجدية لحل الخلافات بينهما.

من هنا، فإن أي دور صيني لتوفير ضمانة لأي اتفاق أو إعلان مبادئ بين واشنطن وطهران، لن ينتقل إلى المستوى العملي ما لم يكن لدى طرفي النزاع نوايا جدية بإنجاح هذه المساعي والجهود التي بذلها الوسيط الباكستاني، الذي عمل على توفير مظلة إقليمية سعودية وتركية ومصرية وقطرية للدور الذي قام به. وبالتالي فإن خطورة الدور الصيني في هذه المرحلة تكمن في رؤيته ونظرته لطبيعة الأزمة وتداعياتها وانعكاساتها على الإقليم أولاً، والمعادلات الدولية ثانية، ومكانة الصين ثالثاً. وهذا يعني دوراً صينياً تتداخل فيه إعادة الحسابات الاستراتيجية للمسار الذي ستتخذه الأمور في إعادة هيكلة للنظام الإقليمي وتكتلاته الجديدة أو المستجدة بناء على نتائج الأزمة ومخرجات الاتفاق المرتقب.

هذه الحسابات، قد تفرض على الجانب الصيني التريث قبل أن ترمي بثقلها لتسهيل عملية الاتفاق أو العمل على تدوير الزوايا وصولاً إلى صيغة وسطية بين الشروط والشروط المقابلة. ولن تلجأ إلى أي خطوة أو تحرك مبكر قبل أن تلمس استعداد الطرفين للتعاون، حتى لا تضع نفسها في دائرة الخطر. ولن تتباطأ في التحرك حتى لا تخسر فرصة تكريس دورها ونفوذها في المعادلات الدولية.

ما بين الرغبة الأميركية غير المعلنة والطموح الإيراني الواضح بإعطاء الصين هامشاً عملياً وفاعلاً لتقدم السُلّم الذي سينزلان عليه لإنهاء الصراع بينهما، يبقى السؤال: هل أن القيادة الصينية وصلت إلى قناعة بأن الوقت قد حان للتقدم واتخاذ الخطوة الحاسمة للتدخل وإعطاء الضمانات التي توفر مظلة دولية لأي اتفاق بين المتصارعين؟ أم أن الأمور بينهما قد تعود إلى نقطة الصفر ويعود خيار الحرب ليسيطر على المشهد، ما يدفع الصين للانكفاء وعدم المخاطرة الاستراتيجية في كشف أوراقها بانتظار اللحظة التي يتعب فيها الطرفان ويقرران العودة إلى المسار السياسي والدبلوماسي؟

اقرأ المزيد

المزيد من آراء