ملخص
باتت الفرصة مواتية للجيش السوداني لفتح ثغرات في دفاعات "الدعم السريع" حول الفاشر وتخفيف الضغط على مدينة الأبيض، مما يسرع من وتيرة تقدمهم في محوري كردفان ودارفور.
في انشقاق جديد ضمن سلسلة الانشقاقات التي تعصف بقوات "الدعم السريع" في الآونة الأخيرة، أعلن القيادي الميداني أبكر مايري، قائد المجموعة 15 في قطاع كردفان، انضمامه إلى القوات المسلحة السودانية بكامل قواته وعتاده العسكري.
وتمكن القائد (مايري) ومجموعته بحسب مصادر ميدانية، من الوصول إلى مناطق سيطرة الجيش، معلنين القتال تحت راية الدولة والشرعية، في خطوة وُصفت بأنها ضربة قوية لتماسك الميليشيات ميدانياً.
هذا الانشقاق يأتي بعد يومين فقط من إعلان السافنا انشقاقه، وهو أحد أبرز الموالين للزعيم القبلي موسى هلال، وبرز كقائد عسكري تنقل لأعوام بين الحركات المسلحة واتفاقات السلام في غرب السودان.
وبدأ القائد المنشق مساره متمرداً عام 2005، قبل أن ينضم للجيش رسمياً برتبة ضابط في 2013 بعد اندلاع الحرب، وانضم السافنا إلى "الدعم السريع" وأصبح من كبار قادتها الميدانيين.
ويعد السافنا الذي يحمل رتبة عميد، من أبرز القادة الذين أداروا معارك الخرطوم والفاشر. وتمثل عملية انشقاق السافنا هذه ضربة قوية لـ"الدعم السريع" لما يمتلكه من قوات كبيرة جداً وعتاد عسكري، خصوصاً أن الخطوة تأتي بعد إعلان اللواء النور أحمد آدم الشهير بـ"النور القبة" أحد أبرز قادة "الدعم السريع" المؤسسين وقائد معارك الفاشر، انشقاقه وانضمامه إلى الجيش السوداني.
توالي الانشقاقات
وجاء انشقاق السافنا تالياً لانشقاق اللواء النور القبة عقب انتقادات حادة وجهها لقيادة "الدعم السريع"، والأوضاع الداخلية وغياب العدالة في توزيع القيادة والموارد.
وينتمي كل من النور القبة والسافنا إلى قبيلة "المحاميد" ذاتها، أحد الفروع الرئيسة لقبيلة "الرزيقات" ذات الأصول العربية في دارفور، التي يقودها الزعيم القبلي موسى هلال، القائد السابق لقوات حرس الحدود، النواة الأولى التي تحولت لاحقاً إلى قوات "الدعم السريع".
وعلى رغم عدم توفر معلومات موثقة عن شخصية ومكانة القائد (أبكر مايري) فإن مصادر عسكرية أكدت أن قيادته المجموعة 15 بقوات "الدعم السريع"، تؤكد مكانته القيادية في الميدان، غير مستبعدة أن يكون لانشقاقه علاقة بمجموعة "شجعان كردفان" التي كان يقودها القائد "جلحة" الذي قضى في هجوم بطائرة مسيرة على الخرطوم.
"شجعان كردفان"
على نحو متصل، أعلنت حركة "شجعان كردفان" رسمياً انشقاقها وفك ارتباطها وتبعيتها لميليشيات "الدعم السريع".
أكدت الحركة في بيان فض ارتباطها بصورة قاطعة مع "الدعم السريع"، في خطوة عدها مراقبون تحولاً جديداً مهماً في خريطة التحالفات العسكرية والسياسية داخل إقليم كردفان.
وذكرت الحركة في بيانها أنها تعمل وفق رؤية وطنية مستقلة تهدف إلى حماية إنسان المنطقة ومصالحها، مشددة على أن قرارها بفك الارتباط يأتي استجابة للمتغيرات الميدانية وحرصاً على استقلالية قرارها بعيداً من أي أجندات خارجية أو تحالفات لا تخدم استقرار الإقليم.
هل بدأ الانهيار؟
أضاف البيان "لم تعد حركة ’شجعان كردفان‘ جزءاً من الهياكل العسكرية أو العملياتية التابعة لـ’الدعم السريع‘"، مشيرة إلى أن تحركاتها المستقبلية ستنطلق من "اعتبارات وطنية خالصة تضع أمن المواطن في كردفان على رأس أولوياتها القصوى".
وشددت الحركة على أنها ستظل متمسكة بمبادئها التي قامت عليها، وأنها لن تسمح بتوظيف قوتها في صراعات تضر بالنسيج الاجتماعي أو تهدد وحدة البلاد، مؤكدة في الوقت ذاته انفتاحها على الحلول التي تضمن حقوق أهل كردفان.
وشهدت الساحة السودانية الفترة الماضية سلسة انشقاقات واستسلام عدد من قيادات وعناصر "الدعم السريع"، رأى مراقبون عدة أنها بداية انهيار قوات "الدعم السريع" وتفككها من الداخل.
تنبؤات بمزيد
وتنبأت تقارير استخباراتية عن تطورات ميدانية وسياسية بمزيد من الانشقاقات على مستوى هرم "الدعم السريع" خلال الأيام المقبلة، سيكون لها أثر كبير في مزيد من التصدعات داخل المنظومة القبلية والاجتماعية داخل ميليشيات "الدعم السريع".
ولفتت التقارير إلى أن الميليشيات فرضت إجراءات وحملات أمنية داخل صفوف ضباطها وجنودها في محوري كردفان ودارفور، مع رقابة مشددة على اتصالات القادة والجنود، وتقييد واسع لحركة العربات القتالية والإدارية، فضلاً عن مراجعة الرواتب والمستحقات، خوفاً من أي عمليات فرار جماعي جديدة.
هجوم مستريحة
وترى مصادر ميدانية أهلية أن هجوم "الدعم السريع" في فبراير (شباط) الماضي على بادية مستريحة، المعقل التاريخي لقبيلة "المحاميد" وزعيمها موسى هلال، كان دافعاً مباشراً إلى انفجار الخلافات الداخلية والتعجيل بالانشقاقات التي ضربت "الدعم السريع". ورأت قيادات ميدانية بارزة من أبناء القبيلة التي تشكل عمود "الدعم السريع"، الهجوم تجاوزاً خطراً للتحالفات القبلية التي بنيت عليها تلك القوات.
وكان القائد المنشق النور القبة قد رفض الأوامر العسكرية بمهاجمة أهله في مستريحة، مما دفعه إلى الانشقاق مع قواته والانضمام للجيش منتصف هذا الشهر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأثار الهجوم وما تبعه من قتل وتصفيه لاثنين من أبناء زعيم القبيلة ونهب وتدمير الممتلكات، غضب القادة من أبناء "المحاميد" داخل "الدعم السريع"، ورأوا أنهم غدروا ببيت الزعامة القبلية، كذلك اتهموا القائد لثاني لـ"الدعم السريع" عبدالرحيم دقلو بزرع الفتنة داخل القبيلة، والسعي إلى تنصيب قيادات بديلة تدين بالولاء لآل دقلو بدلاً من الزعيم الحالي موسى هلال.
وتحصل الانشقاقات تحت ضغوط عسكرية واتصالات متواصلة تقوم بها استخبارات الجيش مع كثيرين من القادة الميدانيين لقوات "الدعم السريع"، لإقناع مزيد منهم بالتخلي عن القتال إلى جانب الميليشيات.
احتقان داخلي
وتشير قيادات أهلية إلى أن الانشقاقات المتتالية جاءت تعبيراً عن حال الاحتقان الداخلي وتراجع الروح المعنوية داخل صفوف تلك القوات، بسبب التهميش والتمييز القبلي في صفوفها، في وقت ما زال الجيش يجري اتصالات وتفاهمات مع قادة ميدانيين بصفوف "الدعم السريع"، يتوقع أن تفضي إلى مزيد من الانشقاقات المشابهة خلال الفترة المقبلة.
وتربط تقارير عدة هذه الانشقاقات بخلافات وتوترات داخلية تعود إلى طبيعة التكوين الداخلي والتركيبة القبلية الهشة لقوات "الدعم السريع" التي لا تخلو من تناقضات، مما يجعلها أكثر قابلية للصراعات والانقسامات في ظل الضغوط الميدانية والسياسية التي تتعرض لها خلال الفترة الأخيرة، مع توسع ظاهرة الاستجابة لنداء العفو العام المفتوح الذي أطلقته قيادة الجيش السوداني.
انعكاسات مباشرة
ويرى مراقبون عسكريون أن الانشقاقات تحدث انتكاسة معنوية الكبيرة داخل صفوف "الدعم السريع"، ومن المنتظر أن تنعكس بصورة مباشرة على العمليات الميدانية والموقف العسكري وخريطة السيطرة نتيجة الفراغ الذي حدث في قيادة المحاور الغربية، كذلك يتوقع أن ينعكس أيضاً على عمليات الاستنفار والتجنيد والانتشار شمال دارفور.
تعكس الانشقاقات، بحسب مراقبين، تحولات واسعة في مواقف الحواضن الاجتماعية التي تمثل عصب قوات "الدعم السريع"، بخاصة بعد الهجوم العنيف الذي شنته على بادية مستريحة، معقل قبيلة "المحاميد" الذين يشكلون عصب تلك القوات. والجيش السوداني وحلفاؤه سيعملون من جانبهم على استثمار تلك الانشقاقات لتعزيز موقفهم العسكري في جبهات عدة، في ظل احتمالات انكشاف بعض المواقع أو إعادة توزيع النفوذ الميداني، إذ باتت الفرصة مواتية لهم لفتح ثغرات في دفاعات "الدعم السريع" حول الفاشر وتخفيف الضغط على مدينة الأبيض، مما يسرع من وتيرة تقدمهم في محوري كردفان ودارفور.