Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران: بين مقايضة "إدارة الأزمة" والتضحية بـ"العمامة"

من الواضح أن المفاوضات اليوم لم تعد تدار عبر الأروقة الدبلوماسية بل عبر مسارات ناقلات النفط في مضيق هرمز وبرسائل متبادلة تمر عبر بكين

يسيطر الحرس الثوري على مساحة القرار السيادي ويدير شؤون الدولة في إيران (أ ف ب)

ملخص

لا تسعى إيران إلى إنهاء الأزمة حالياً، بل تعمل على إدارتها، لإدراكها أن شروط ترمب تؤدي عملياً إلى تفكيك النظام من الداخل، عوضاً عن ذلك تعمل طهران على تكريس الأزمة كواقع مستدام، مراهنة على أن الدور الصيني والقدرة الإيرانية على استيعاب الضغوط الاقتصادية، سيتفوقان في النهاية.

بعد تصريح دونالد ترمب الأخير الذي وصف فيه الرد الإيراني بأنه "غير مقبول بتاتاً"، انهارت القواعد التقليدية للمواجهة في الشرق الأوسط. إذ كما يبدو، لم يكن الرفض الأميركي نابعاً من ضعف في الرد الإيراني، بل من إدراك استراتيجي بأن طهران عملياً تسعى إلى "رقمنة الصراع" والهرب من الميدان التقليدي الذي تتفوق فيه واشنطن نوعياً. ومن الواضح أن المفاوضات الإيرانية - الأميركية اليوم لم تعد تدار عبر الأروقة الدبلوماسية، بل عبر مسارات ناقلات النفط في مضيق هرمز، وبرسائل متبادلة تمر عبر بكين.

تتحرك إيران حالياً في الفلك الصيني بتبعية غير مسبوقة، مراهنة بثقلها الاستراتيجي على بعض التحركات، ومنها زيارة ترمب للصين المقررة في اليومين المقبلين، إذ تأمل القيادة في طهران في أن تمارس بكين ضغوطاً مباشرة لتخفيف الحصار البحري في مقابل وعود بفتح المضيق تدريجاً. وتعتمد طهران في هذا المسار على قناعة بأن الصين لن تسمح بسقوط النظام، نظراً إلى مصالحها الحيوية في أمن الطاقة أقلها إنها تتمسك بهذا الرهان كحبل نجاة أخير. المشهد الحالي يمكن اختصاره في أن إيران تحاول "بيع الوقت" عبر مناورات التفاوض المستمرة، بينما يحاول ترمب "شراء الاستسلام" عبر تضييق الخناق الاقتصادي والعسكري على إيران لانتزاع تنازلات كبرى، يدفع بها لأن تكون تنازلات غير مسبوقة في تاريخ طهران. وحتى تتشكل نتائج هذه المقايضة، ستواصل طهران سياسة الاستنزاف الرقمي والميداني كأداة لفرض حضورها على طاولة القرار الدولي.

هذه القطيعة الدبلوماسية مع واشنطن واللجوء المباشر للمظلة الصينية والرهان عليها، يعكسان أزمة عميقة في تكوين السلطة الإيرانية، إذ المشهد السياسي الداخلي يفرز اليوم واقعاً يوصف بـ"حكومة غائبة الرأس يديرها جهاز عسكري". فخلال الساعات الـ48 الماضية، ظهر تباين حاد في حركة مركز القرار داخل النظام الإيراني، فبينما يقود عباس عراقجي دبلوماسية تفاهمات تحدث تحت الطاولة بصورة مكثفة لتسويق الرؤية الإيرانية دولياً، يدير مجتبى خامنئي في الوقت ذاته المشهد في الظل، وسط تعتيم مقصود يعكس حجم التوتر داخل النظام.

في ظل هذا المشهد، يسيطر الحرس الثوري على مساحة القرار السيادي ويدير شؤون الدولة، ويحتكر توجيه القرارات والسياسات الكبرى في طهران. ويبدو أن سيطرة المؤسسة العسكرية تنهي فعلياً السردية الكلاسيكية للجمهورية الإيرانية، إذ يفتح ترمب ببراغماتيته المعهودة مساراً أمام النخبة العسكرية الحاكمة لعقد صفقة تسوية تتجاوز المؤسسة الدينية التقليدية، التي يبدو أن أحدها هو إسقاط العمامة بكل منظومتها. ويكمن التحول الأخطر هنا في التساؤل حول مدى استعداد القيادة العسكرية لتجاوز مبدأ ولاية الفقيه وإسقاط "العمامة"، لضمان بقاء مؤسسات الدولة الإيرانية. المؤشرات الحالية بدءاً من تراجع الخطاب الأيديولوجي وصولاً إلى الرهان المطلق على التحركات العسكرية الدقيقة، تدل على انتقال فعلي نحو "دولة عسكرية قومية"، تتخلى تدريجاً عن واجهتها الدينية لضمان استمراريتها في بيئة دولية تحكمها القوة والمصالح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تدرك القيادة العسكرية أن المواجهة الشاملة ستؤدي إلى إسقاط النظام، وأن التنازل الكامل يفقده مبرر وجوده، مما دفعها إلى تبنى منهجية "إدارة الأزمة الدائمة" بدلاً من الحسم العسكري. وبالتوازي مع هذا السياق، تستخدم طهران استراتيجية أشبه بـ"البرمجية الخبيثة" في صلب النظام العالمي، فالخوارزمية الآن تفوق القنبلة فاعلية، هكذا أدركت إيران، إذ إن إعاقة العمليات في ميناء عالمي ليوم واحد تحدث تداعيات اقتصادية توازي غارة جوية، ولكن بكلفة عسكرية متدنية.

هذا التحرك لا يستهدف المنع الميداني للسفن فقط، بل ضرب أنظمة التحرك العالمي (GPS) وإدارة مثلث الموانئ الحيوية بدءاً من دبي مروراً بسنغافورة، التي تمثل عنق الزجاجة الآسيوي والممر الإجباري للتجارة العالمية وبوابة مضيق ملقا، وصولاً إلى روتردام البوابة الأوروبية والمدخل اللوجستي للاتحاد الأوروبي، وذلك عبر هجمات سيبرانية منسقة تطلقها خلايا تقنية كامنة مبرمجة للاختراق والتخريب عند الطلب، لتوظيف الأزمة كأداة ضغط سيادي من دون ترك بصمة تستدعي رداً عسكرياً من أي نوع.

يظهر هذا الأسلوب الميداني بوضوح في التطورات الأخيرة، فالاغتيال الذي استهدف قائد قوة "الرضوان" في بيروت كان يرمي إلى تفكيك شبكة حلفاء طهران، لكن الرد جاء عبر تفعيل مناطق احتكاك جغرافية مدروسة. وحين اتهمت طهران واشنطن بتجاوز التفاهمات عبر استهداف ناقلة نفط ومنشآت في جزيرة قشم، كان الرد باستهداف قطع بحرية أميركية جنوب ميناء جابهار، في خطوة تهدف إلى ربط أمن الملاحة في بحر العرب والمحيط الهندي بالاستقرار الداخلي الإيراني.

وضمن خططها الميدانية لإدارة الأزمة بدلاً من المواجهة المفتوحة، شرع الحرس الثوري في فرض واقع بحري جديد، إذ نشر قبل يوم من الآن خريطة محدثة لمسارات الحركة في مضيق هرمز، معلناً جاهزية غواصاته وقطعه البحرية للتعامل مع أي خرق لما يصفه بـ"الحصار المضاد". ويتزامن هذا الانتشار الاستراتيجي مع توسيع دائرة الاستنزاف الإقليمي، إذ أعلن اعتراض طائرات مسيرة في أجواء الكويت والإمارات، بينما تعرضت سفينة تجارية قادمة من أبو ظبي لهجوم بمسيرة في المياه القطرية. هذه التحركات تهدف في جوهرها إلى التشويش على مركز الثقل الاقتصادي في الرياض بوصفها القوة الإقليمية الأقوى، التي تتزعم زمام الاستقرار بالمنطقة.

وينسحب هذا التوجه على البرنامج النووي الإيراني، إذ توظف القيادة العسكرية الغموض المحيط بهذا الملف كأداة تفاوضية مستدامة، وليس كأداة حسم عسكري. الحفاظ على وضع إدارة الأزمة النووية يوفر للنظام مرونة سياسية ويجبر القوى الدولية على استمرار التواصل الدبلوماسي، مما يمنحه اعترافاً بمركزيته الإقليمية من دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات سيادية.

نعم لا تسعى إيران إلى إنهاء الأزمة حالياً، بل تعمل على إدارتها لإدراكها أن شروط ترمب تؤدي عملياً إلى تفكيك النظام من الداخل. عوضاً عن ذلك تعمل طهران على تكريس الأزمة كواقع مستدام، مراهنة على أن الدور الصيني والقدرة الإيرانية على استيعاب الضغوط الاقتصادية، سيتفوقان في النهاية، إذ تراهن طهران على أن تحولها لـ"عاصمة للأزمة" سيمنحها ضمانة بقاء دائمة، لكنها تتجاهل حقيقة أن المجتمع الدولي لا يدفع فدية سياسية للأبد. وأن الرد في حال لم يكن عسكرياً سيكون عبر التجاهل الإقليمي لاستفزازاتها، مما سيؤدي إلى خروجها الفعلي من اللعبة السياسية التي تنتهجها.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء