ملخص
لا توجد دولة تفتح أبوابها لمفاوضات الحروب مجاناً، فالعواصم التي تستضيف طاولات السلام لا تبحث فقط عن صورة تذكارية لقادة يتصافحون أمام الكاميرات، بل عن موقع داخل النظام الإقليمي والدولي الجديد الذي يولد من رحم تلك التسويات. بعض الدول تشتري بالنفوذ ما لا تستطيع شراءه بالقوة العسكرية، وبعضها يحاول تحويل الجغرافيا إلى ورقة سياسية تمنحه دوراً أكبر من حجمه الحقيقي.
لا ترسم الخرائط في الحروب فقط على الجبهات، أحياناً قد ترسم في الفنادق، والمنتجعات، والقواعد العسكرية، والعواصم التي تعرف أن استضافة السلام ليست حياداً كاملاً، بل نفوذ ناعم بوجه دبلوماسي.
من هنا، فإن إسلام آباد حالياً، ليست مجرد محطة تفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحولت عملياً إلى غرفة إدارة أزمة إقليمية مفتوحة من الخليج إلى لبنان. ولم يأت اختيار العاصمة الباكستانية صدفة، لأن ما يجري اليوم يتجاوز فكرة الوساطة التقليدية نحو محاولة إنتاج منطقة خفض اشتباك تمنع الانفجار الشامل، من دون أن تنهي أسباب الحرب نفسها.
رسم توازنات ما بعد الحرب
هنا، لا تتحرك باكستان كدولة محايدة بالكامل، ولا كطرف مباشر في الصراع، بل كلاعب يملك ميزة نادرة، القدرة على التحدث مع واشنطن وطهران، ولا ينظر إليه كعدو كامل أو كحليف مطلق، من أي جهة، وهذا ما جعل إسلام آباد تتحول إلى قناة تواصل آمنة، خصوصاً مع احتدام المواجهة في الخليج، والتوتر حول مضيق هرمز، والضغوط الأميركية والإسرائيلية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وشبكات النفوذ الإقليمية.
ولا تكمن أهمية مفاوضات إسلام آباد فقط في الملفات المطروحة، بل في التوقيت، فالمنطقة كلها تقف على حافة إعادة رسم توازنات ما بعد الحرب، والولايات المتحدة تريد منع الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة تعطل الملاحة والطاقة وتستنزف قواعدها وحلفاءها، فيما تحاول إيران تثبيت معادلة مختلفة، نعم للتهدئة، لكن من دون تقديم صورة الاستسلام أو التخلي الكامل عن أوراق القوة التي بنتها خلال سنوات. ولهذا، تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى إدارة اشتباك منها إلى صناعة سلام حقيقي، لأن النقاش الفعلي لا يدور فقط حول تخصيب اليورانيوم أو العقوبات، بل حول شكل النفوذ الإيراني في المنطقة، وحدود الحركة الأميركية، وسقف العمليات الإسرائيلية، ومستقبل الأذرع العسكرية الممتدة من العراق إلى لبنان واليمن.
من هنا تحديداً، يصبح لبنان جزءاً أساساً من مفاوضات إسلام آباد حتى لو لم يكن حاضراً على الطاولة بصورة مباشرة، لأن أي تفاهم أميركي - إيراني سينعكس تلقائياً على الجبهة اللبنانية، وعلى مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، وعلى مستقبل سلاح "حزب الله" ودوره الإقليمي، ولهذا ينظر قسم من اللبنانيين إلى ما يجري في إسلام آباد باعتباره المسار الأصل، فيما يعتبرون أن أي تفاوض لبناني مباشر مع إسرائيل، يبقى تفصيلاً مرتبطاً بنتائج التفاهم الأكبر بين واشنطن وطهران.
إسلام آباد عاصمة "الوقت الضائع"
والمفارقة أن إسلام آباد نفسها تكسب سياسياً من هذا الدور، حيث تحاول باكستان إعادة تقديم نفسها كدولة تملك قيمة جيوسياسية تتجاوز أزماتها الداخلية، وتعرف أن استضافة هذا النوع من المفاوضات، يمنحها ثقلاً دبلوماسياً جديداً أمام واشنطن والخليج وحتى الصين.
كيف لا وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تملك السلاح النووي، بصورة معلنة، وهي تدرك جيداً قيمة موقعها حين تدخل المنطقة مرحلة إعادة توزيع النفوذ، لكن الأخطر أن هذه المفاوضات قد لا تنتهي باتفاق شامل، بل بتجميد موقت للنار، أي بهدنة استراتيجية تسمح لكل طرف بإعادة التموضع، ذلك أن ما تريده واشنطن هو تهدئة تمنع الانفجار الكبير قبل استحقاقاتها السياسية والعسكرية المقبلة، وما تريده إيران هو كسر الحصار وتخفيف الضغط، مع الحفاظ على جوهر مشروعها الإقليمي، أما إسرائيل، فتراقب بحذر خوفاً من أن تتحول أي تسوية إلى فرصة تمنح طهران وقتاً إضافياً لإعادة ترميم قدراتها. لهذا، تبدو إسلام آباد اليوم أشبه بعاصمة "الوقت الضائع" في الشرق الأوسط، ومكان تُدار فيه محاولات منع الحرب الكبرى، من دون القدرة حتى الآن على إنتاج تسوية نهائية، والواقع أن المنطقة لا تعيش مرحلة سلام، بل مرحلة تفاوض فوق برميل بارود، حيث يتحول وقف إطلاق النار إلى استراحة موقتة بين جولة وأخرى، لا أكثر.
من هنا يتسلط الضوء عربياً وإقليمياً على بدء المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، لماذا الآن؟ ولماذا ستكون نقطة تاريخية في حياة البلدين؟
واشنطن ترعى "حدثاً تاريخياً" بالنسبة إلى لبنان وإسرائيل
وعليه، فإن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل ليست تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، ولا مجرد جلسة جديدة تضاف إلى سجل الوساطات الأميركية، بل إن ما يبدأ الآن هو كسر لأحد أكثر المحرمات السياسية رسوخاً في لبنان منذ عقود. أن تجلس الدولة اللبنانية، باسمها الرسمي، وجهاً لوجه مع إسرائيل، لا عبر رسائل، ولا عبر وسطاء فحسب، ولا تحت عنوان تقني محدود، بل تحت عنوان أمني وسياسي مفتوح على مستقبل الحدود والسلاح والحرب والسلام، ولا تأتي أهمية اللحظة من فراغ، فلبنان لم يصل إلى التفاوض المباشر لأنه أصبح أقوى، بل لأنه استنزف إلى الحد الذي لم يعد فيه قادراً على دفع كلفة الحروب المفتوحة، ولا تأتي إسرائيل إلى الطاولة لأنها تخلت عن منطق القوة، بل لأنها تريد تحويل نتائج الميدان إلى ترتيبات سياسية ثابتة، في حين أن الولايات المتحدة تريد التقاط لحظة نادرة، أي ضعف "حزب الله"، وضغط إيراني واسع، وتحول لبناني داخلي بدأ يقول بصوت أعلى، إن الدولة لا يمكن أن تبقى رهينة قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها، ولأن واشنطن تريد أن تقول إن الضغط العسكري لا يكتمل إلا بترجمة سياسية، لذلك تبدو المفاوضات المباشرة كأنها محاولة لتثبيت ما أنتجه الميدان، لا عودة إلى ما قبل الحرب، ولا قبول بإعادة إنتاج قواعد اشتباك قديمة كانت تسمح لـ"حزب الله" بأن يحتفظ بالسلاح ويمنح الدولة واجهة التفاوض.
مفاوضات تهدف "لتحقيق السلام الدائم"
هنا تكمن النقطة التاريخية بالنسبة إلى لبنان، وللمرة الأولى، يصبح التفاوض مع إسرائيل ليس خيانة بحد ذاته، بل خيار دولة تحاول إنقاذ ما تبقى من السيادة. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهذه اللحظة تاريخية، لأنها تنقل العلاقة مع لبنان من معادلة "حزب الله" هو العنوان، إلى احتمال جديد، الدولة اللبنانية هي العنوان، وهذا التحول، إذا ثبت، سيغير كامل هندسة الحدود الشمالية، وكثيراً ما تعاملت إسرائيل مع لبنان كجبهة أمنية لا كدولة قادرة على القرار، لكن خطورة هذه اللحظة أنها تجري وسط النار، لا بعد توقفها. من هنا ينتقل المسار من لقاءات على مستوى السفراء إلى صيغة أعلى قد تضم عسكريين، بما يعني أن الملفات المطروحة لم تعد سياسية فحسب، بل أمنية وميدانية وتقنية.
في السياق أعلن المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت، وعبر منشور على منصة "إكس"، أن المفاوضات التي ترعاها واشنطن بين لبنان وإسرائيل تهدف لتحقيق السلام الدائم، وأضاف بيغوت "تهدف هذه المناقشات إلى التقدم نحو اتفاق شامل للسلام والأمن يعالج الاهتمامات الأساسية للبلدين، والابتعاد عن النهج الفاشل خلال العقدين الماضيين الذي سمح للجماعات الإرهابية بالترسخ وتقويض سلطة الدولة اللبنانية وتهديد حدود إسرائيل الشمالية"، وأوضح بيغوت أن المحادثات "ستضع إطاراً لترتيبات سلام وأمن دائمين، واستعادة سيادة لبنان الكاملة على أراضيه، وترسيم الحدود، وخلق مسارات ملموسة للإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار". وأن الولايات المتحدة ستيسر محادثات مكثفة على مدى يومين بين حكومتي إسرائيل ولبنان في الـ14 والـ15 من مايو (أيار) الجاري، استكمالاً للجولة التي عقدت في الـ23 من أبريل (نيسان) الماضي، وقادها الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً.
في لحظة تتجه فيها العيون نحو واشنطن وإسلام آباد، بسبب أهمية اللقاءات المصيرية التي تستضيفهما، هناك مدن أخرى حول العالم احتضنت مثل هذه اللقاءات، تحولت لاحقاً إلى محطات مفصلية، وتحولت أسماء تلك المدن أو العواصم إلى جزء من ذاكرة الحروب والتسويات، حتى بات اسم العاصمة ملازماً للاتفاق نفسه أكثر من أسماء القادة الذين وقعوه.
ارتبطت واشنطن باتفاقات "كامب ديفيد" وصناعة النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط بعد خروج مصر من معادلة الحرب مع إسرائيل. وأصبحت جنيف المدينة السويسرية، مرادفاً للتسويات الدولية والهدن المعقدة، من الحرب الباردة إلى الملف السوري. ودخلت أوسلو عاصمة النرويج، التاريخ من بوابة المفاوضات السرية بين إسرائيل و"منظمة التحرير الفلسطينية"، بينما تحولت مدينة دايتون الأميركية إلى عنوان لإنهاء حرب البوسنة ورسم نظام سياسي جديد هناك.
فما هي بعض العواصم التي استضافت قمماً تاريخية؟
للدول حساباتها الخاصة
هناك عديد من العواصم والمدن التي استضافت مفاوضات سلام أو قمماً تاريخية، وأصبح اسمها ملازماً للاتفاقية التي تم توقيعها، ما جعل المدينة رمزاً للحدث التاريخي.
وعليه في السياسة، لا توجد طاولة بلا هندسة مسبقة، ولا عاصمة تستضيف حرباً منتهية، أو حرباً تبحث عن مخرج إلا ولها حساباتها الخاصة، وليست طاولة السلام مجرد قاعة محايدة تفتح فيها الأبواب للخصوم والأعداء، ولا تمنح الدولة المستضيفة المكان فحسب، بل تمنح الإطار، وتضبط الإيقاع، وتختار أحياناً متى يعلو الصوت ومتى يخفض، ومتى تكتب العبارات الرمادية التي تسمح لكل طرف بأن يعلن النصر أمام جمهوره. لهذا، تصبح العواصم التي تستضيف المفاوضات جزءاً من ذاكرة الاتفاق نفسه، كامب ديفيد، الطائف، أوسلو، دايتون، جنيف، الدوحة، أستانا، ومينسك. لم تعد تلك الأسماء خاصة بأماكن جغرافية موزعة حول العالم فحسب، بل صارت اختصاراً لمعادلات سياسية كاملة، ووضع النقطة الأخيرة لحرب انتهت، أو الإعلان عن نظام جديد يولد، أو تغيير في التوازنات، أو تسويات تجمد بانتظار حرب جديدة.
الوساطة في الحروب ليست عملاً خيرياً
وعادة ما تقول الدولة المستضيفة إنها وسيط، لكن الوساطة في الحروب ليست عملاً خيرياً، بل استثمار في النفوذ. ومن يستضيف الخصوم، يضع نفسه في قلب الملف، ومن يجلس في الوسط، لا يكتفي بمراقبة الصراع، بل يصبح جزءاً من صياغة اليوم التالي له. هنا تكمن المكاسب، من الشرعية الدولية، إلى الوزن الإقليمي، إلى النفوذ على الأطراف المجتمعة، وقدرة على إدارة خرائط ما بعد الحرب، وأحياناً حصة في إعادة الإعمار أو في هندسة النظام الأمني والسياسي الجديد.
من كامب ديفيد إلى مدينة الطائف
لم تكن الولايات المتحدة في كامب ديفيد (المنتجع الريفي لرئيس الولايات المتحدة في ولاية ماريلاند) عام 1978، مجرد مضيف بين مصر وإسرائيل، بل كانت تمسك بخيوط التحول الأكبر في الشرق الأوسط، وعملية إخراج مصر من معادلة الحرب العربية - الإسرائيلية، وتثبيت موقع واشنطن كمرجعية أولى للسلام، وفتحت الباب أمام اتفاق سلام، غير موازين المنطقة لعقود. عقدت القمة في المنتجع الرئاسي الأميركي بين الخامس والـ17 من سبتمبر (أيلول) عام 1978، وانتهت بإطارين سياسيين مهدا للسلام المصري - الإسرائيلي، وقعهما الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن.
بدورها لم تكن السعودية تستضيف اللبنانيين فقط لإنهاء حرب أهلية، في مدينة الطائف عام 1989، بل كانت تعيد إدخال لبنان إلى المظلة العربية، وتعيد توزيع التوازنات الداخلية تحت سقف إقليمي جديد. ولم يكن "اتفاق الطائف" أو "وثيقة الوفاق الوطني"، والذي وقع في الـ22 من أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، مجرد تسوية أنهت الحرب الأهلية اللبنانية، بل شكل عملياً لحظة ولادة "الجمهورية الثانية" في لبنان. الاتفاق الذي أنهى 15 عاماً من الحرب، أعاد كتابة قواعد النظام السياسي اللبناني نفسه، ونقل البلاد من مرحلة إلى أخرى مختلفة بالكامل في التوازنات والصلاحيات وتركيبة السلطة، ولهذا السبب يقال إن الطائف لم يكن تعديلاً دستورياً عادياً، بل دستوراً سياسياً جديداً غير معلن للجمهورية الثانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أوسلو والمفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية
أدت النرويج في أوسلو دور المستضيف الهادئ للمفاوضات السرية، بين إسرائيل و"منظمة التحرير الفلسطينية". وهنا تظهر قيمة الدول الصغيرة، فهي ليست قادرة على فرض النتائج، لكنها قادرة على توفير مساحة لا تستطيع القوى الكبرى توفيرها علناً. فأوسلو منحت السرية، والسرية صنعت الاختراق، ثم تحول اسم العاصمة إلى عنوان لمسار كامل، على رغم أن التوقيع العلني حصل لاحقاً في واشنطن.
تعتبر اتفاقية أوسلو، التي تم توقيعها في الـ13 من سبتمبر عام 1993، أول اتفاقية رسمية مباشرة بين إسرائيل ممثلة بوزير خارجيتها آنذاك شيمعون بيريز، و"منظمة التحرير الفلسطينية"، ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية ياسر عرفات. وشكل إعلان المبادئ والرسائل المتبادلة نقطة فارقة في شكل العلاقة بين المنظمة وإسرائيل.
مدينة دايتون الأميركية
عام 1995، وفي قاعدة "رايت بيترسن" الجوية قرب مدينة دايتون، تحولت قاعدة عسكرية أميركية في أوهايو إلى غرفة إغلاق للحرب في البوسنة. لم يكن اختيار المكان تفصيلاً، حيث عزل الأطراف عن الإعلام، وحصرت الحركة، لتقليص المناورة وتحويل التفاوض إلى ضغط سياسي وزمني مكثف. والنتيجة كانت اتفاقية الإطار العام للسلام في البوسنة والهرسك والمعروفة باسم "اتفاقية دايتون" للسلام، والتي انتهى بموجبها الصراع المسلح الذي دار في البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995. أدت هذه الاتفاقية إلى تقسيم البوسنة والهرسك إلى جزأين متساويين نسبياً هما، فيدرالية البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة، كما أدت إلى انتشار قوات حفظ السلام الدولية.
جنيف مدينة التسويات الكبرى
أما جنيف، فصارت اسماً ملازماً لفكرة التسويات الدولية الكبرى، من الهند الصينية عام 1954 إلى مسارات سوريا لاحقاً. وتعتبر حيادية سويسرا، قوة، ولا تحتاج إلى جيش ضاغط كي تكون مؤثرة، يكفي أن تكون المكان الذي يثق به الجميع عندما لا يثق أحد بأحد. بهذا المعنى، لا تفرض جنيف الحل، لكنها تمنحه شرعية دولية وبروتوكولية.
لبنان في الدوحة
عام 2008 استضافت الدوحة العاصمة القطرية الفرقاء اللبنانيين بعد أزمة داخلية امتدت على مدى 18 شهراً، والتي شهدت بعض الفترات منها أحداث دامية، وكادت تنفجر إلى حرب مفتوحة. الاتفاق الذي وقع في الـ21 من مايو من العام المذكور، أعاد فتح المؤسسات، ومهد لانتخاب رئيس، وأنتج حكومة وحدة وطنية، لكن الأهم أنه ثبت صورة قطر كقوة وساطة إقليمية، تستخدم الدبلوماسية كرافعة نفوذ تفوق حجمها الجغرافي.
أستانا والسلام في سوريا
وتحولت أستانا العاصمة الكازاخستانية إلى منصة لتثبيت أدوار روسيا وتركيا وإيران كقوى ضامنة ومقررة في الميدان السوري، ولم تكن المفاوضات تقنية فحسب. وقدمت كازاخستان المكان، لكن اللاعبين الحقيقيين كانوا من يملكون القدرة على وقف الحرب على الأرض. هنا تتحول الدولة المستضيفة إلى واجهة منظمة، لمسار ترسمه القوى المسلحة والسياسية الأكبر.
مينسك
دخلت مينسك عاصمة بيلاروس القاموس السياسي، عبر سلسلة من الاتفاقات الدولية التي سعت إلى إنهاء الحرب في منطقة دونباس في أوكرانيا، قبل أن تكشف الحرب اللاحقة عن هشاشة التسويات التي لا تملك آلية إلزام حقيقية. اسم العاصمة صار مرادفاً لاتفاق أوقف بعض النار، لكنه لم ينه الصراع، وهذا يذكر بأن الطاولة قد تنتج اتفاقاً، لكنها لا تنتج سلاماً دائماً إذا لم تتغير موازين القوة أو نيات الأطراف.
في المحصلة، لا توجد دولة تفتح أبوابها لمفاوضات الحروب مجاناً، فالعواصم التي تستضيف طاولات السلام لا تبحث فقط عن صورة تذكارية لقادة يتصافحون أمام الكاميرات، بل عن موقع داخل النظام الإقليمي والدولي الجديد الذي يولد من رحم تلك التسويات. بعض الدول تشتري بالنفوذ ما لا تستطيع شراءه بالقوة العسكرية، وبعضها يحاول تحويل الجغرافيا إلى ورقة سياسية تمنحه دوراً أكبر من حجمه الحقيقي. لهذا، تصبح استضافة المفاوضات بحد ذاتها أداة قوة، وشرعية دولية، وقنوات نفوذ، وعلاقات مع القوى الكبرى، وأحياناً دوراً دائماً في إدارة ما بعد الحرب، من الأمن إلى الاقتصاد وإعادة الإعمار. وتكسب الدولة المستضيفة أكثر مما تعلن، تكسب صورة الوسيط، وموقع المرجعية، وحق الدخول إلى الملفات المغلقة، والقدرة على القول إنها صنعت السلام، حتى لو كان السلام هشاً أو موقتاً أو مفروضاً بالقوة.
فالعاصمة التي تنجح في جمع الخصوم حول طاولة واحدة لا تخرج كما دخلت، بل تخرج باسم جديد، ودور جديد، ومكانة جديدة. ومن هنا، لا تُقرأ واشنطن أو إسلام آباد أو جنيف فقط كأماكن تعقد فيها الاجتماعات، بل كعواصم تحاول أن تكتب أسماءها داخل خرائط الشرق الأوسط والعالم.