Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موائد الإيرانيين تحت الضغط: الزيوت سلعة نادرة بعد ارتفاع جاوز 300%

استمرار النقص واضطراب التوزيع يؤديان إلى فرض ضغوط جديدة على السلة الغذائية للأسر

ملخص

منذ عام 2022 تعرضت سوق زيوت الطعام مرات عدة لصدمات سعرية ونقص موقت في المعروض، وفي كل أزمة كانت السلطات الحكومية تقدم تفسيرات مختلفة، بدءاً من إلغاء العملة المدعومة وتغيير سعر صرف العملات المخصصة للاستيراد، وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا وارتفاع كلفة التغليف والنقل وحتى الشراء الهستيري من قبل المواطنين.

شهدت سوق زيوت الطعام في إيران خلال الأعوام الثلاثة الماضية أزمات متكررة من نقص المعروض وارتفاع الأسعار واضطرابات التوزيع، وفي كل مرة كانت الأزمة تهدأ موقتاً بعد وعود المسؤولين بـ"عودة الاستقرار"، لكنها كانت تعود مجدداً بصيغة مختلفة. وتشير أحدث التقارير الميدانية من المتاجر الكبرى والمتاجر إلى اختفاء بعض أنواع الزيوت الغذائية من الأسواق، فيما تُعرض الأنواع المتوفرة بأسعار جديدة وأعلى.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني، سجل الزيت النباتي الصلب في أبريل (نيسان) الماضي معدل تضخم تجاوز 375 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ليصبح من أكثر السلع الغذائية ارتفاعاً في الأسعار.

ارتفع سعر هذا المنتج من نحو 81 ألف تومان إيراني (نحو 1.1 دولار أميركي) في أبريل 2025 إلى أكثر من 385 ألف تومان (نحو 5.1 دولار) في أبريل الماضي.

أما الزيت السائل فشهد وضعاً مشابهاً، إذ بلغ معدل التضخم السنوي له أكثر من 308 في المئة، ليحتل المرتبة الثانية بين أسرع المواد الغذائية ارتفاعاً في الأسعار.

ووفق الإحصاءات، ارتفع متوسط سعر عبوة زيت سائل سعة 900 مليلتر من نحو 74 ألف تومان (دولار واحد) إلى أكثر من 300 ألف تومان (نحو 4 دولارات).

ويأتي هذا الارتفاع الكبير في الأسعار في وقت لا تزال فيه تقارير عدة تتحدث عن نقص الزيت في بعض المتاجر وتوزيعه بكميات محدودة.

وقال رئيس اتحاد المتاجر الغذائية والمواد البروتينية في طهران، شاهرخ شريفي، إن تراجع المعروض يعود إلى زيادة الطلب ومشكلات النقل واضطرابات شبكة التوزيع، مضيفاً أن التوزيع بدأ يتحسن مجدداً بعد المتابعات الرسمية، وأشار إلى أن ارتفاع كلفة العلب المعدنية والتغليف يعد من العوامل التي تضغط على أسعار السلع الغذائية.

لكن ناشطين في السوق ومتخصصين اقتصاديين يرون أن أزمة الزيت في إيران لا تقتصر على مشكلات النقل أو ارتفاع الطلب، بل تعود جذورها إلى البنية الاحتكارية والتابعة لهذه السوق المعتمدة بشكل واسع على استيراد البذور الزيتية، وتخصيص العملات الأجنبية المدعومة، وتركيز عمليات الاستيراد في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى، إضافة إلى ضعف الرقابة على سلسلة التوزيع.

نقص متكرر واعتماد مزمن على الاستيراد

منذ عام 2022 تعرضت سوق زيوت الطعام مرات عدة لصدمات سعرية ونقص موقت في المعروض، وفي كل أزمة كانت السلطات الحكومية تقدم تفسيرات مختلفة، بدءاً من إلغاء العملة المدعومة وتغيير سعر صرف العملات المخصصة للاستيراد، وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا وارتفاع كلفة التغليف والنقل وحتى الشراء الهستيري من قبل المواطنين.

إلا أن مراجعة تطورات الأعوام الثلاثة الماضية تظهر أن الجزء الأكبر من الأزمة ناتج عن اعتماد إيران الشديد على استيراد الزيت الخام والبذور الزيتية، فالإنتاج المحلي لمحاصيل مثل الكانولا وفول الصويا لا يغطي حاجات الصناعات الغذائية، ولذلك فإن أي تغير في سعر الصرف أو آلية تخصيص العملة الأجنبية أو حركة الاستيراد يؤدي سريعاً إلى اضطراب سوق الزيوت.

انتقد العاملون في القطاع مراراً أساليب التوزيع، ويقول بعض الباعة إن شركات التوزيع تشترط على المتاجر شراء سلع أخرى معها للحصول على الزيت خلال فترات النقص، وهو ما يعتبره كثيرون "بيعاً إجبارياً".

يرى بعض منتجي الصناعات الغذائية أن تقليص المعروض من الزيت في الفترات الحساسة يمهد فعلياً لرفع الأسعار، ووفقاً لهم، تكرر هذا النمط سابقاً في أسواق سلع مثل السكر والرز، إذ يجري خفض المعروض تدريجاً، فتزداد المخاوف في السوق، ثم تُعلن الزيادات الرسمية للأسعار.

أسعار الزيت الخام

وحذرت جمعية الصناعات الزيتية النباتية الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة مراراً من ارتفاع كلفة الإنتاج، مؤكدة أن أسعار الزيت الخام، والنقل، والأجور، ومواد التغليف ارتفعت بشكل كبير.

وأعلنت بعض الشركات المدرجة في البورصة العاملة في قطاع الزيوت النباتية عن زيادات رسمية في أسعار منتجاتها تراوحت ما بين 10 و16 في المئة.

ولم تقتصر آثار أزمة الزيت في الاستهلاك المنزلي فقط، بل امتدت إلى الصناعات المرتبطة به، فزيت الطعام يعد من أهم المواد الأولية في إنتاج الـ"مايونيز" وصلصات السلطة والمنتجات المشابهة، وتصل نسبة الزيت النباتي في بعض هذه المنتجات إلى أكثر من 60 في المئة من تركيبة الإنتاج.

ويقول العاملون في الصناعات الغذائية إن كلفة إنتاج الـ"مايونيز" ارتفعت بصورة غير مسبوقة خلال العامين الماضيين، فإلى جانب الزيت، ارتفعت أيضاً أسعار البيض والخل والسكر ومواد التغليف والنقل، مما شكل ضغطاً إضافياً على المصانع.

وتشير إحصاءات أبريل إلى أن سعر الـ"مايونيز" ارتفع بأكثر من 190 في المئة مقارنة بالعام السابق، ويبلغ سعر العبوة وزن 450 غراماً حالياً، بحسب الشركة المنتجة، ما بين 245 ألف تومان و300 ألف تومان (أي ما يعادل تقريباً بين 3.2 و4 دولارات)، في حين كان سعر المنتج نفسه العام الماضي يراوح ما بين 140 ألفاً و160 ألف تومان (نحو 1.9 إلى 2.1 دولار).

ويقول العاملون في هذا القطاع إن مصانع الزيوت النباتية تقلل خلال فترات اضطراب السوق من توريد الزيوت المخصصة للمصانع، مع إعطاء الأولوية لسوق التجزئة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الإنتاج، وانخفاض تنوع المنتجات، وارتفاع حاد في كلفة الصناعات الغذائية.

احتكار الاستيراد ودور "مافيا" البذور الزيتية

يعد تركيز استيراد البذور الزيتية والزيوت الخام في يد عدد محدود من الشركات الكبرى أحد أبرز محاور الانتقاد لسوق الزيت في إيران، حيث يصف المنتقدون هذه الشبكات بـ"مافيا" البذور الزيتية.

وخلال الأعوام الماضية، تكررت أسماء بعض العائلات والشركات الكبرى المستوردة في تقارير إعلامية وتصريحات لنواب البرلمان، وهي شركات يقول منتقدون إنها تسيطر على حصة كبيرة من استيراد السلع الأساسية والحصول على العملات الأجنبية الحكومية المدعومة، ومن بين هذه الأسماء، تبرز عائلات مدلل وفضلي وبايداري.

ويرى المنتقدون أن تركيز الاستيراد بيد عدد قليل من اللاعبين الرئيسين جعل سوق الزيت شديدة الاحتكار، وفي مثل هذه البنية، فإن أي تراجع في الاستيراد أو نقص في المعروض من قبل هذه الشركات يؤدي سريعاً إلى أزمة في السوق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووعدت الحكومة والسلطة القضائية مراراً خلال الأعوام الماضية بمواجهة الاحتكار والتلاعب بالتوزيع وسوء استخدام العملة المدعومة، إلا أن العاملين في السوق يؤكدون أن البنية الأساسية للسوق لم تتغير بشكل ملموس، وأن الشركات نفسها لا تزال تؤدي الدور الرئيس في استيراد وتوزيع الزيت الخام.

ويعتقد بعض المتخصصين الاقتصاديين أن غياب الشفافية في تخصيص العملات الأجنبية المدعومة أوجد بيئة خصبة للفساد والامتيازات الاحتكارية، ويرون أن أزمات النقص وارتفاع الأسعار ستستمر ما دامت واردات السلع الأساسية محصورة في عدد محدود من الشركات.

ويأتي ذلك على رغم تكرار حديث الحكومة خلال الأعوام الأخيرة عن خطط لتوسيع زراعة الكانولا وفول الصويا وزيادة الإنتاج المحلي للبذور الزيتية، إلا أن الإحصاءات تظهر أن إيران لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجات الصناعات الغذائية.

التضخم يضغط على موائد الأسر

يتواصل ارتفاع أسعار الزيت والمنتجات المرتبطة به في وقت تواجه فيه الأسر الإيرانية موجة واسعة من تضخم المواد الغذائية، فالزيت الغذائي، الذي كان يعد سابقاً من السلع الأساسية المنخفضة الكلفة نسبياً، أصبح اليوم واحداً من أكثر بنود الإنفاق الغذائي كلفة.

ويحذر متخصصون من أن استمرار تقلبات سعر الصرف، وتقليص العملات الأجنبية المدعومة، واستمرار البنية الاحتكارية للسوق، قد تؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار الزيت والسلع المرتبطة بها. ويؤكد العاملون في الصناعات الغذائية أن استمرار هذا الوضع سيدفع الشركات إلى تقليص أحجام العبوات، وخفض جودة بعض المنتجات، وتراجع الإنتاج، وهي ظواهر بدأت بالفعل تظهر في أجزاء من سوق المواد الغذائية خلال الأشهر الأخيرة.

وفي النهاية، فإن أزمة الزيت في إيران ليست مجرد مشكلة موقتة في النقل أو التوزيع، بل تعكس خللاً بنيوياً في سوق السلع الأساسية، واعتماداً شديداً على الاستيراد، وضعفاً في الرقابة، واحتكاراً يخيّم منذ أعوام على جانب مهم من الأمن الغذائي في البلاد.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد