ملخص
لا تزال غالبية الطرق مغلقة، إضافة إلى استمرار توقف مصفاة الزاوية، الرئة النفطية للمنطقة الغربية، حيث أعلنت شركة الزاوية لتكرير النفط في بيان لها "إيقاف عمليات المصفاة وإخلاء الميناء من الناقلات النفطية الحيوية الليبية إثر سقوط قذائف داخل المنشأة".
تشهد مدينة الزاوية شمال غربي ليبيا، اليوم السبت هدوءاً حذراً بعد اقتتال عنيف أمس الجمعة، بين المليشيات التي اتخذت من الأحياء السكنية في المدينة ساحة للاحتراب بينها، مما تسبب في هدم منازل وتشريد عائلات جراء الاشتباكات.
ولا تزال غالبية الطرق مغلقة، إضافة إلى استمرار توقف مصفاة الزاوية، الرئة النفطية للمنطقة الغربية، حيث أعلنت شركة الزاوية لتكرير النفط في بيان لها "إيقاف عمليات المصفاة وإخلاء الميناء من الناقلات النفطية الحيوية الليبية إثر سقوط قذائف داخل المنشأة".
ويوجد في ليبيا أكثر من مليون قطعة سلاح خارج الأطر القانونية وفق تقديرات أممية سابقة، إضافة إلى انتشار 300 فصيل مسلح في البلد المنقسم، فشلت جميع المحاولات الأممية والمحلية في اجتثاثهم.
وتعرف مدينة الزاوية بنشاط الهجرة غير النظامية، إضافة إلى تهريب الوقود، إذ تشير تقارير دولية وأممية صادرة بين عامي 2025 و2026، إلى أن المدينة "تتحكم بها مجموعات مسلحة تعتمد على تهريب الوقود المدعوم والاتجار بالبشر كركيزة اقتصادية لتمويل عملياتها".
ووثقت لجنة خبراء مجلس الأمن ضمن تقريرها الصادر في مارس (آذار) الماضي، استمرار نشاط شبكات تهريب البشر والمهاجرين في مدينتي الزاوية وصبراتة (شمال غربي)، حيث تُستخدم الزاوية كمركز رئيس لانطلاق القوارب نحو أوروبا.
وأكدت تقارير دولية صادرة عن الأمم المتحدة عامي 2024 و2025، تورط أجهزة أمنية رسمية أو شبه رسمية في مدينة الزاوية باحتجاز المهاجرين وابتزازهم مالياً، ونقلهم إلى مراكز احتجاز غير رسمية، محذرة من أن الجماعات المسلحة في الزاوية تدمج بين العمل الأمني والأنشطة الإجرامية حتى تضمن الإفلات من العقاب.
صراع النفوذ
وكانت مدينة الزاوية شهدت أعمالاً مسلحة في ديسمبر (كانون الأول) 2025، واشتباكات ميليشياوية في يوليو (تموز) 2024، في ما يقول مراقبون إنها تأتي في إطار صراع النفوذ.
ووصفت كبيرة المحللين لشؤون ليبيا في "مجموعة الأزمات الدولية" كلوديا غازيني خلال تصريح سابق إلى "اندبندت عربية" مدينة الزاوية بأنها "خارج نطاق سيطرة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، العاجزة عن تفكيك نفوذ الميليشيات المسلحة داخل المدن الليبية"، مؤكدة فشل الحكومة في إخراجها من المناطق الحضرية، ومشيرة إلى تصاعد نزعة الحكم المحلي وتراجع السلطة المركزية في كل من الزاوية وصبراتة.
وفي يوليو عام 2024، أعلن وزير داخلية حكومة الوحدة اللواء عماد الطرابلسي أن مدينة الزاوية تقع خارج سيطرة الدولة الليبية، مرجعاً ذلك إلى أن وزارته لا تملك سيطرة فعلية على الأوضاع الأمنية هناك بسبب انتشار السلاح والكتائب المسلحة. وأكد أن الحكومات السابقة تتحمل مسؤولية الأزمة الأمنية في مدينة الزاوية التي تحظى بموقع استراتيجي مهم جداً.
وجاءت الاشتباكات الأخيرة في الزاوية بعد اجتماع الدبيبة في مارس الماضي بمجموعة من قادة التشكيلات المسلحة، من ضمنها فصائل مدينة الزاوية (غرب طرابلس)، بعد تأكيداته نهاية عام 2025، أن حكومته ستركز في عملها على ثلاثة مسارات رئيسة هي "دعم الجيش النظامي المحترف وإنهاء حال السلاح خارج سلطة الدولة والحفاظ على الاستقرار الأمني".
وقال الدبيبة إن "زمن وصف ليبيا بأنها بلاد الميليشيات ولى، وأن الدولة ستبسط سلطتها على جميع المرافق السيادية من موانئ ومطارات وقواعد عسكرية بلا أي استثناء"، مشدداً على أن "سلطة الدولة يجب أن تكون المرجع الأعلى للجميع".
عجز حكومي
يؤكد المتخصص في الشؤون الأمنية والسياسية الليبية محمد قشوط أن "الزاوية فعلياً خارج سيطرة الدولة، وهذا أمر ليس جديداً"، واصفاً الواقع الأمني فيها بـ"المعقد" بسبب التركيبة القبلية فيها.
ويضيف أن جميع الحكومات الليبية المتعاقبة عجزت عن فرض سيطرة الدولة فيها، بل إنها متورطة في تمويل الميليشيات بالمدينة التي يوجد فيها صراع ظل دولي بين إيطاليا وتركيا على الشريط الساحلي الغربي الممتد من الزاوية، وصولاً إلى معبر رأس جدير الحدودي مع دولة تونس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول قشوط إنه بعد انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، دخلت ليبيا منزلقاً فوضوياً يعج بالميليشيات التي تنتشر كالنار في الهشيم، وإن نجحت مدن المنطقة الشرقية والجنوبية في الخروج من هذا المستنقع بعد تحرك القوات المسلحة نحوها بقيادة المشير خليفة حفتر، لكن عدداً من مدن المنطقة الغربية على غرار الزاوية بقيت رهينة الميليشيات التي تُموّل من أطراف محلية وأخرى أجنبية أرادت لليبيا أن تبقى في حال عدم الاستقرار السياسي والأمني.
من جانبه يوضح المتخصص في العلوم السياسية إلياس الباروني أن مدينة الزاوية تُعد واحدة من أكثر المناطق حساسية في المشهد الليبي، ليس فقط لموقعها الجغرافي الاستراتيجي غرب العاصمة طرابلس، بل لتعقيد تركيبتها الأمنية وتعدد الفاعلين المسلحين داخلها، لذلك فإن التصريحات التي تتحدث عن خروج المدينة عن نطاق سيطرة الدولة يجب فهمها في إطار أوسع يتعلق بأزمة بناء الدولة الليبية بعد عام 2011، وليس باعتبارها حال انفصال جغرافي كامل عن السلطة المركزية.
ويشير الباروني لـ"اندبندت عربية" إلى أن الدولة الليبية لا تزال حاضرة شكلياً ومؤسساتياً داخل الزاوية عبر الأجهزة الحكومية والبلدية وبعض المؤسسات الأمنية، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في ضعف الاحتكار الرسمي للسلاح، ووجود قوى مسلحة محلية تمتلك نفوذاً ميدانياً يفوق أحياناً سلطة المؤسسات الرسمية نفسها.
ويوضح أن "هذا ما قصده وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية عماد الطرابلسي عندما لفت إلى أن الزاوية خارج نطاق الدولة، أي إن الدولة لا تمتلك السيطرة الأمنية الكاملة أو القدرة الحصرية على فرض القانون".
ونوه الباروني إلى أن الزاوية تمثل عقدة أمنية شديدة التعقيد لأسباب عدة، من بينها قربها من العاصمة وممرات الإمداد الحيوية، إضافة إلى وجود جماعات مسلحة ذات امتدادات سياسية واقتصادية، وارتباط بعض التشكيلات المسلحة بالتهريب والهجرة غير النظامية والوقود، زد على ذلك ضعف مشروع الدمج الأمني والعسكري على مستوى الدولة الليبية، بالتالي فإن الأزمة في الزاوية ليست معزولة عن طبيعة النظام الأمني الليبي ككل، والقائم منذ أعوام على توازنات هشة بين السلطة الرسمية والقوى المسلحة المحلية.
اتفاق وقف النار
وحول خطورة اشتباكات الزاوية على اتفاق وقف إطلاق النار، يرى عميد كلية العلوم السياسية في جامعة نالوت أن المسألة بالغة الحساسية لأن أي انفلات أمني واسع في غرب ليبيا يهدد بصورة مباشرة التوازنات التي قام عليها اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2020، فالاتفاق لم يكُن مجرد تفاهم عسكري، بل يقوم على فرضية أساسية تتمثل في تجميد الصراع بين القوى الكبرى، وإدارة التوترات المحلية من دون انزلاق شامل إلى الحرب.
وبخصوص مستويات الخطر، يقول نالوت إنها تكمن في نقاط عدة، في مقدمتها أن اشتباكات الزاوية قد تتحول من صراع محلي إلى صراع شبكي ممتد بسبب ترابط التحالفات المسلحة بين الزاوية وطرابلس ومدن الساحل الغربي، مما قد يؤدي إلى إعادة اصطفافات عسكرية واسعة.
والتهديد الثاني، وفق رأيه، يدور حول تدهور أمني كبير في الزاوية يضعف هيبة السلطة التنفيذية ويعزز فكرة أن الدولة غير قادرة على فرض الأمن حتى في المناطق القريبة من العاصمة، مما ينعكس سلباً على الثقة المحلية والدولية بالعملية السياسية.
وذهب عميد كلية العلوم السياسية أيضاً إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار قائم عملياً على "توازن الردع" أكثر من قيامه على بناء مؤسسات أمنية موحدة، بالتالي فإن أي احتكاك بين المجموعات المسلحة قد يؤدي إلى انهيار تدريجي لهذا التوازن الهش.
ويحذر الباروني من خطر آخر يتمثل في استغلال الاشتباكات سياسياً من أطراف داخلية وخارجية لإعادة رسم موازين القوى أو الضغط باتجاه تغييرات سياسية وأمنية جديدة، بخاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي.
ويؤكد أن هناك تهديداً حقيقياً يتمثل في انتقال الاشتباكات إلى محيط المنشآت الحيوية وخطوط الطاقة والإمداد، مما قد يخلق أزمة اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود المدينة نفسها.
سياسياً، يقول الباروني إن ما يجري في الزاوية يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الليبية بعد عام 2011، إذ لم تعُد المشكلة فقط في وجود جماعات مسلحة، بل في تحوّل بعض هذه القوى إلى مراكز نفوذ موازية للدولة الليبية تمتلك قدرة على التأثير السياسي والأمني والاقتصادي، مشدداً على أن أية معالجة حقيقية للوضع في الزاوية لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تحتاج إلى عناصر عدة، من بينها مشروع وطني لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وتفكيك اقتصاد الحرب والجريمة المنظمة عبر إعادة بناء الشرعية السياسية بتوافق وطني شامل، ودمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق إطار قانوني ومهني، إضافة إلى تعزيز سلطة القضاء وسيادة القانون.
وحذر من أنه في حال استمرار إدارة الأزمة بالحلول الموقتة والتفاهمات الهشة، فإن مدينة الزاوية قد تتحول إلى نموذج مصغر لأزمة الدولة الليبية نفسها، حيث تتعايش السلطة الرسمية مع سلطات موازية تمتلك النفوذ الفعلي على الأرض.