Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدبيبة وإخوان ليبيا… ما وراء السخرية من حلفاء الأمس

هجومه اللاذع على الجماعة يكشف عن حجم التوتر داخل معسكر الغرب مع تصاعد الحديث عن صفقة أميركية لإعادة ترتيب السلطة

خلال حفل إعادة افتتاح المتحف الوطني في القلعة الحمراء التاريخية بالعاصمة طرابلس، 12 ديسمبر 2025 (أ ف ب)

ملخص

هل بدأ الدبيبة يشعر بأن ترتيبات دولية تطبخ لإبعاده من المشهد؟ وهل هي رسالة استباقية في معركة معركة مقبلة للبقاء داخل السلطة؟

شن رئيس حكومة "الوحدة الوطنية" الليبية في طرابلس عبدالحميد الدبيبة هجوماً حاداً على جماعة "الإخوان المسلمين"، مثيراً مخاوف من صدام مقبل قد يخلط أوراق المشهد السياسي في غرب ليبيا، فالرجل الذي استفاد خلال السنوات الماضية من شبكة تحالفات مرنة داخل العاصمة، بينها أطراف ذات صلة بالتيار الإسلامي، خرج بخطاب غير مسبوق يتهم فيه شخصيات إخوانية بمحاولة استغلال وعكته الصحية الأخيرة للتواصل مع أطراف خارجية، والبحث عن بديل له في رئاسة الحكومة.

هذا التصعيد لا يمكن قراءته كخلاف عابر، بل يأتي في لحظة حساسة تتزامن مع حديث متزايد عن مقترح أميركي يقوده مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، ليس قيد البحث والتشاور بل قيد التنفيذ، ويهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية، وربما تغيير مواقع أساسية بينها رئاسة الحكومة، ودمج الحكومتين المتنافستين أو إنتاج صيغة تقاسم سلطة جديدة، وبعضها هذه المقترحات رفض من المجلس الأعلى للدولة والرئاسي باعتباره تسوية خارج الأطر الرسمية.

هجوم لاذع

بدأ التصعيد من تصريحات للدبيبة في منطقة "قصر الخيار" شرق طرابلس، إذ هاجم جماعة "الإخوان" بلهجة ساخرة وحادة، وقال إنهم "لم يعد لهم وجود في ليبيا"، ولن تكون لهم فرصة للعودة للمشهد السياسي. وكذا اتهم شخصية إخوانية معروفة بأنها "سارعت خلال وعكته الصحية إلى التواصل مع جهات خارجية والقول إن الدبيبة لم يعد قادراً على الاستمرار، في محاولة لترتيب خلافته".

الصحافي الليبي سراج الفيتوري يرى أن "خطورة التصريح لا تكمن في الهجوم اللفظي فقط، بل في أنه ينقل العلاقة من مستوى الخلافات المكتومة إلى مستوى الاتهام السياسي المباشر، باستغلال المرض، والتواصل مع الخارج، وترتيب بديل للحكومة، وهذه مفردات في البيئة الليبية تعني الاتهام بمحاولة انقلاب سياسي ناعم، لا مجرد منافسة داخلية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "التوقيت هو مفتاح الفهم، فالدبيبة يهاجم الإخوان في ظل ثلاثة معطيات متزامنة: الأول عودته من وعكة صحية أثارت إشاعات حول قدرته على الاستمرار، قبل أن ينفي بنفسه تدهور حاله الصحية ويقول إن الفحوص والعلاجات كانت ناجحة، والثاني تحرك أميركي متزايد عبر مسعد بولس في الملف الليبي بدأ علناً من بوابة توحيد الموازنة والمؤسسات المالية والعسكرية".

أما المعطى الثالث، وفق الفيتوري، فهو الحديث عن صفقة سياسية أكبر تتجاوز الموازنة إلى إعادة تشكيل السلطة، فقد كشفت تقارير عن مقترح منسوب لبولس لدمج الحكومتين، بينما تحدثت مصادر إعلامية عن صيغ تشمل إعادة توزيع مناصب في المجلس الرئاسي والحكومة، وربما إزاحة الدبيبة أو استبداله بشخصية من داخل العائلة السياسية نفسها.

علاقة مصلحة

والخلاف الحالي بين رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة و"الإخوان" ليس مفاجئاً، بل هو نهاية طبيعية لعلاقة لم تشكل يوماً حال اندماج أيديولوجي، بل تحالف مصلحة هش، في قراءة للباحث الأكاديمي محمد العنيزي لهجوم الدبيبة على التنظيم.

يقول العنيزي إن "الدبيبة احتاج إلى مظلات سياسية داخل غرب ليبيا، والإخوان احتاجوا إلى سلطة تنفيذية قادرة على حمايتهم من التراجع الشعبي والسياسي الذي أصابهم بعد سنوات من الاستقطاب، لكن هذا التحالف كان هشاً منذ البداية، الدبيبة رجل سلطة ومصالح وشبكات مالية وأمنية، لا رجل مشروع حزبي، أما الإخوان فتعاملوا معه باعتباره مرحلة يمكن استخدامها أو تجاوزها عند تبدل الظروف".

ويتابع "خلاصة ما سبق أنه عندما ظهرت مؤشرات على مبادرة أميركية قد تعيد ترتيب السلطة تحركت أطراف عديدة لحجز مقاعدها في المرحلة المقبلة، وهنا شعر الدبيبة أن بعض حلفائه السابقين بدأوا التفكير في من يخلفه".

أما عن ارتباط تصريحات الدبيبة التي هاجم فيها جماعة "الإخوان المسلمين" بالمقترح الأميركي الذي يشغل الساحة السياسية الليبية في الفترة الحالية، الذي يقوم على فكرة إنهاء الانقسام عبر صيغة تقاسم سلطة بين معسكري الشرق والغرب، مع توحيد المؤسسات المالية والعسكرية والتنفيذية، فيشير العنيزي إلى أن "اتفاق الموازنة الموحدة كان أول اختبار عملي لهذه الصفقة، إذ وافقت أطراف سياسية من الشرق والغرب على موازنة موحدة للمرة الأولى منذ عام 2013، واعتبرها المصرف المركزي خطوة نحو الاستقرار المالي، لكن المشكلة أن ما يبدو اقتصادياً في الظاهر يحمل أبعاداً سياسية عميقة".

وأوضح أن "توحيد الإنفاق يعني تحديد من يقرر، ومن يمول، ومن يدير مشاريع التنمية، ومن يملك شرعية التوقيع باسم الدولة، لذلك قوبل مسار بولس بالرفض من أطراف سياسية في طرابلس، خصوصاً المجلس الأعلى للدولة والرئاسي، بسبب الخشية من تمرير تسوية خارج المسار الأممي والاتفاق السياسي".

مناورة أم قطيعة؟

والسؤال الأكبر الذي يدور حوله النقاش في ليبيا حالياً بخصوص هجوم عبدالحميد الدبيبة على "الإخوان المسلمين": هل يصنف كمناورة وورقة ضغط، أم بداية لقطيعة تامة بين الطرفين؟

الإعلامية والناشطة السياسية الليبية إهداء مكراز، ترجح أنه مزيج من الاثنين، "فمن جهة يوجه الدبيبة رسالة للإخوان مفادها: لن أسمح لكم بالبحث عن بديل من وراء ظهري، ومن جهة ثانية يوجه رسالة للولايات المتحدة والأطراف الدولية بأنه ما زال الرقم الأقوى في طرابلس، وأي ترتيب يتجاوزه سيصطدم بتوازنات الغرب الليبي".

وتنوه إلى أن خطاب رئيس حكومة الوحدة ضد "الإخوان" يمنحه فرصة لإعادة التموضع أمام قوى داخلية وخارجية تتحفظ على الجماعة، فهو يحاول أن يقول إنه ليس أسيراً للتيار الإسلامي، وإن بقاءه قد يكون أقل كلفة من بدائل قد تفتح صراعاً جديداً داخل طرابلس.

وتخلص إلى أن "هذا لا يعني أن القطيعة باتت كاملة بين الجانبين، فالدبيبة يعرف أن الإخوان، على رغم تراجع حضورهم الشعبي، ما زالوا يملكون امتدادات سياسية وإعلامية وعلاقات داخل مؤسسات وشخصيات مؤثرة، لذلك قد يرفع السقف علناً، ثم يترك باب التسوية مفتوحاً خلف الكواليس".

انزعاج إخواني

في المقابل، عكست ردود الفعل من البيئة القريبة من التيار الإسلامي انزعاجاً واضحاً من تصريحات عبدالحميد الدبيبة، فقد انتقد المفتي العام للجماعات الإسلامية في طرابلس الصادق الغرياني تعميم الدبيبة الذي أطلقه على جماعة "الإخوان"، ورأى أن الهجوم عليهم بهذه الطريقة خطأ سياسي، محذراً "من التعامل معهم كمرادف للإرهاب".

محللون اعتبروا أن هذا الرد مهم لأنه يكشف عن أن المواجهة المحتملة لن تكون فقط بين الدبيبة وتنظيم سياسي أو جماعة بعينها، بل بين الدبيبة وشبكة أوسع داخل غرب ليبيا تضم شخصيات دينية وسياسية وإعلامية وكتائب مسلحة توالي كل هؤلاء.

وبصورة عامة يمكن تلخيص آراء المراقبين للمشهد السياسي التي علقت وحللت تصريحات عبدالحميد الدبيبة تجاه "الإخوان" وتداعياتها في سيناريوهين محتملين: الأول يرجح أن يلجأ الدبيبة إلى إبعاد شخصيات محسوبة على التيار الإخواني أو تقليص نفوذها في الإعلام والهيئات والملفات المالية، وإذا شعر "الإخوان" أن الدبيبة قرر التخلص منهم، فقد يدعمون مساراً بديلاً داخل المجلس الأعلى للدولة، أو عبر دعم شخصيات في الغرب لخلافته، وربما يتقاطعون تكتيكياً مع معارضي الدبيبة داخل طرابلس، وفي كلتا الحالتين يبدو أن الساحة السياسية وحتى الأمنية في العاصمة ستتأثر بلا شك بمستجدات هذا الخلاف الخطر بين أقوى طرفين وأكثرهما تأثيراً فيها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير