ملخص
نحن نقضي ساعات منغمسين في الشاشات، ومع ذلك تبدو الاتصالات الحقيقية والمرضية بعيدة أكثر من أي وقت مضى. ولكن لماذا يحدث هذا؟ وكيف تؤثر هذه الوحدة في صحتنا العقلية؟ وما فخ المقارنة؟
في عالم لا نهائي تنقل بصرك من صورة إلى أخرى، ومن رأي إلى آخر، مازجاً إياه بتفاعلك في كثير من الأحيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتارة يعجبك منشور أحدهم فتتفاعل بالضغط على أحد الرموز التعبيرية مع شعور يرافقك بالارتباط موقتاً، وتارة أخرى لا تعجب، فإما تعبر أو تنكفئ، ولكن انتبه فهناك شيء ما يبدو غريباً. على رغم مئات التفاعلات عبر الإنترنت فإن الفراغ المتبقي يتسلل إليك، وتجد نفسك تسأل "لماذا أشعر بالوحدة حتى عندما أكون محاطاً بالأصدقاء الرقميين؟".
والإجابة هي أنك لست وحدك في هذه المفارقة، إذ تكشف الدراسات أن الوحدة ليست في ارتفاع فحسب، بل تزدهر بخاصة بين الأجيال المتصلة رقمياً، ويسمي علماء النفس هذه الظاهرة "الوحدة الرقمية"، وهي شكل فريد من أشكال العزلة، إذ يتم استبدال التفاعل البشري الهادف بالتبادلات السطحية، فنحن نقضي ساعات منغمسين في الشاشات، ومع ذلك تبدو الاتصالات الحقيقية والمرضية بعيدة أكثر من أي وقت مضى. ولكن لماذا يحدث هذا؟ وكيف تؤثر هذه الوحدة في صحتنا العقلية؟ وما هو فخ المقارنة؟
الحاجة إلى الأصدقاء
أمضى مدير مختبر علم الأعصاب الإدراكي الاجتماعي في جامعة كاليفورنيا، ماثيو ليبرمان، عقدين من الزمن في مسح أدمغة الناس أثناء تفاعلهم، ونشر أبحاثه في كتاب "لماذا تحتاج الأدمغة إلى الأصدقاء؟ علم الأعصاب للروابط الاجتماعية"، وأوضح أن الدماغ البشري يتعامل مع التواصل الاجتماعي باعتباره حاجة أساسية، على قدم المساواة مع الغذاء والمأوى، فالوحدة بمعنى آخر ليست مزاجاً، إنها إشارة مثل الجوع، والتمرير عبر "إنستغرام" لا يرضي الشعور بالتواصل، مثل أن النظر إلى صور الطعام لا يرضي معدة فارغة.
وتدعم الكيمياء العصبية هذا التوجه، إذ يؤدي التفاعل وجهاً لوجه إلى إطلاقات منسقة من الأوكسيتوسين والدوبامين التي لا تحدث ببساطة أثناء الاتصال القائم على الشاشة، وفي هذا السياق وجدت دراسة أجرتها ياسمينكا جاكوبوفسكي وزملاؤها في جامعة "غوتنغن" عام 2021 أن مكالمات الفيديو أنتجت إطلاقاً أقل للأوكسيتوسين بنسبة 40 في المئة تقريباً مقارنة بالمحادثات الشخصية المكافئة، فالتكنولوجيا جيدة بما يكفي لنقل الكلمات، ولكنها ليست جيدة بالقدر نفسه لنقل تأثير الحضور الجسدي الحقيقي.
تآكل الصداقات
مع ما يقرب من 5 مليارات شخص متصلين بالإنترنت، وأكثر من 2.5 مليار يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي يومياً، أصبحت البشرية أكثر تواصلاً رقمياً من أي وقت مضى، لكن الدراسات تظهر مراراً وتكراراً ارتفاعاً طفيفاً في حالات الوحدة المبلغ عنها، وبخاصة بين الشباب.
يقول عالم النفس السريري فضيليت سيتوغلو، الذي أمضى أكثر من عقد من الزمن في البحث عن التأثير النفسي للمشاركة الرقمية، إن "العالم الرقمي يتحرك بسرعة، فيسعى الناس إلى المتعة والتحقق والإشباع الفوري، إنه مساحة مدفوعة بالأنا وليس بالتعاطف، ولهذا السبب نشهد تآكل الصداقات الحقيقية والمتبادلة". ويتابع "المشكلة أكبر من وقت نقضيه أمام الشاشة، إنه يمس ما هو أعمق فنحن نفقد شيئاً مقدساً، وهي قيم المجتمعات الشرقية التي ركزت على المجتمع والأسرة والعلاقات طويلة الأمد، فاليوم أصبح كل شيء يتعلق أكثر بالذات، فالمتعة فورية ويبدو أن النفس البشرية تتضور جوعاً".
فخ المقارنة
وإذا طرحنا سؤالاً: لماذا تتركنا وسائل التواصل الاجتماعي نشعر بالفراغ؟ فلا بد للإجابة عنه من أن يتخيل المرء التمرير عبر موجز الوسائط الاجتماعية الخاص به. هناك حيث يبدو أن الأصدقاء يسافرون أكثر ويأكلون بشكل أفضل ويحققون مزيداً، وكذلك تبدو علاقاتهم مثالية، إذ يلتقطون كل لحظة بشكل لا تشوبه شائبة. ومع كل هذا، فخلف كل منشور منسق يكمن شيء ما نادراً ما يتم الحديث عنه، وهو ألم المقارنة الهادئ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يشير علماء النفس إلى هذا باسم فخ المقارنة، وهي آلية مخفية متأصلة بعمق في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ففي كل يوم يقيس الملايين من الناس قيمتهم من دون وعي مقابل النقاط البارزة في حياة الآخرين، والتي نادراً ما تمثل الواقع، ومع مرور الوقت تؤدي هذه المقارنات إلى تآكل إحساسنا بقيمة الذات، مما يتركنا نتساءل "لماذا أنا وحيد على رغم أن لدي أصدقاء؟".
وبينما تزدهر وسائل التواصل الاجتماعي في جوهرها برغبتنا الإنسانية في التواصل والتحقق من الصحة، فإن هذه الوسائل لا تلبي هذه الحاجة، وغالباً ما يؤدي السير في دربها إلى تضخيم مشاعر الوحدة وعدم الكفاءة، وهذا ليس من قبيل الصدفة فهو جزءٌ من التصميم.
حلقة مفرغة
توفر منصات مثل "إنستغرام" و"تيك توك" و"فيسبوك" تفاعلات على المستوى السطحي تَعدُ بالاتصال ولكنها لا تقدم إلا ما هو أقل إرضاء بكثير، فعندما نعتمد بشكل أساس على التحقق الرقمي كالإعجابات والمتابعات والتفاعلات القصيرة، فإننا نستبدل بالتبادلات ذات المغزى اللحظات العابرة التي يحركها الدوبامين، وهذا بدوره يخلق فراغاً عاطفياً، ومن ثم يزيد من مشاعر العزلة.
وكل هذا يؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة مفادها أن وسائل التواصل الاجتماعي والصحة العقلية متشابكان بعمق، فمن المفارقات أن المنصات المصممة لربطنا تنتهي في نهاية المطاف إلى عزلتنا بشكل أكبر، مما يقلل من الصداقات الحقيقية إلى تبادلات سطحية، وهذه حلقة مفرغة تقول إننا كلما تحركنا أكثر شعرنا بالوحدة، ومع ذلك كلما شعرنا بالوحدة سعينا إلى التواصل في المكان نفسه الذي يجعلنا غير سعداء، لذا يبدأ التحرر من هذه الدورة بالتعرف إلى ما يحدث بالفعل عندما نقوم بتسجيل الدخول، عندها فقط يمكننا استعادة التفاعلات الحقيقية والهادفة والبدء في الشعور بالارتباط الحقيقي مرة أخرى.
أثر الحضور الجسدي
لذا فإن الصداقات الواقعية هي ذلك النوع الذي يؤثر فيك ويراك ويجلس بجانبك في صمت عندما تكون الأمور صعبة، ولا يمكن تكرارها عن طريق الرموز التعبيرية أو ردود أفعال القلب. وفي الوقت ذاته لا يعني هذا أن الصداقات عبر الإنترنت ليست حقيقية، فهناك أصدقاء كثيرون ولكنهم غالباً ما يفتقرون إلى العمق العاطفي والحضور الجسدي. وهذا ما يساعد البشر على تنظيم التوتر ومعالجة المشاعر والشعور بالفهم الحقيقي، فعندما تمر بيوم عصيب لا يمكن لأي عدد من الإعجابات أن يحل محل شخص يقدم لك كوباً من الشاي أو يقابلك في نزهة على الأقدام. وللقيام بهذا الفعل يجب أن نلاحظ، أنه مع قضاء مزيد من الوقت الذي نستثمره في التبادلات عبر الإنترنت، قلّت قدرتنا على رعاية العلاقات الشخصية التي تقدم دعماً حقيقياً، فاﻷمر لا يتعلق باختيار واحد على الآخر، بل بالتعرف إلى ما يمكن وما لا يمكن أن يقدمه كل منهما.
لذا، إذا كنت قد قبضت على نفسك تفكر وتتساءل "لماذا أشعر بالوحدة حتى عندما يكون لدي أصدقاء؟"، فأنت لا تتخيل ذلك بل تشعر أن هناك شيئاً مفقوداً منك، لأنه في بعض الأحيان حتى لو كنا محاطين بالاهتمام عبر الإنترنت، فإننا ما زلنا نتوق إلى شيء أبطأ وأكثر هدوءاً وواقعية.
لذا في وقت من اﻷوقات قد تجعلنا المحادثات والتصفح المستمر نشعر وكأننا محاطون بالتواصل، ولكن عندما نحتاج إلى راحة حقيقية، فغالباً ما يكون الوجود الهادئ وغير المتصل بالإنترنت هو ما نفتقده أكثر من غيره.
أزمة صحية صامتة
أخيراً، الوحدة ليست مجرد شعور عابر، بل هي عبء ثقيل قد يتغلغل في كل جوانب حياتك، فربما تشعر بها في غرفة مزدحمة، وكأنك تستشعر حاجزاً غير مرئي بينك وبين العالم، أو في ساعات الليل المتأخرة عندما لا يوفر لك ضوء هاتفك أية راحة حقيقية. ومع مرور الوقت لا يؤثر هذا الشعور المستمر بالعزلة في مزاجك فحسب، بل قد تكون له آثار خطرة في صحتك العامة.
وتؤكد النتائج الحديثة خطورة الشعور بالوحدة المزمنة، فبحسب الجراح العام الأميركي فيفيك مورثي، فإن الأخطار الصحية المرتبطة بالوحدة المطولة تعادل تدخين ما يصل إلى 15 سيجارة يومياً، مما يشكل تهديداً كبيراً للصحة النفسية والجسدية على حد سواء.
إن هذه الوحدة الرقمية خبيثة كما يصفها الباحثون، فهي غالباً ما تمر من دون أن نلاحظها، متخفية وراء ستار التفاعلات المستمرة عبر الإنترنت، وقد نعزو شعورنا بالتعب إلى الإجهاد أو الإرهاق، من دون أن ندرك أن السبب الجذري هو نقص التواصل الإنساني الحقيقي. هذه الوحدة غير المعترف بها يمكن أن تُضعف صحتنا النفسية تدريجاً مما يزيد من قابليتنا للإصابة بالقلق والاكتئاب، وحتى التدهور المعرفي.