Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حديقة لينين" ترصد حركة النازيين الجدد في سلوفينيا

الروائي البوليسي العالمي تادي غولوب يحقق في حادثة قتل في عالم المشردين

من الأحياء السلوفينية الفقيرة (صفحة سلوفينيا - فيسبوك)

ملخص

تبدأ أحداث الرواية البوليسية "حديقة لينين" للكاتب السلوفيني تادي غولوب بموت امرأة عجوز مجهولة الهوية، وتشكيل فريق من الشرطة للتحقيق في ملابسات موتها بعدما تبين أن رصاصة اخترقت رأسها، فتتكشف حقائق كثيراً ما بقيت مخفية، في حيوات شخصياتها، بالتوازي مع تسليط الضوء على تنامي نشاط النازيين الجدد في سلوفينيا في الأعوام التي أعقبت انعتاقها رسمياً من الاتحاد اليوغوسلافي في صيف عام 1991.

تتناول رواية "حديقة لينين" للكاتب السلوفيني تادي غولوب، التي ترجمتها أمل رواش إلى اللغة العربية (دار العربي – القاهرة) بدعم من وكالة الكتاب السلوفينية، واقع سلوفينيا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في الأعوام التي تلت استقلالها عن يوغوسلافيا، متكئة على سياق بوليسي. ويعتبر مؤلفها تادي غولوب (1967) أحد أهم كتاب الرواية البوليسية في سلوفينيا، وهو بدأ مسيرته المهنية صحافياً ومؤلف سير ذاتية، وشهرته بدأت مع رواية "البحيرة" 2016 (نشرت بالعربية تحت عنوان "جثة في البحيرة" عام 2024) التي انطلق بعدها في كتابة سلسلة من روايات بوليسية ناجحة بطلها المحقق الجنائي "تاراس بيرسا".

وبحسب ناشر ترجمة "حديقة لينين" إلى العربية، فإن تادي غولوب هو "كاتب يعرف كيف يصنع التوتر من التفاصيل، وكيف يحول الأماكن الهادئة إلى مسرح لجريمة كاملة الأركان". ونال غولوب جائزة "كريسنيك" المرموقة، وترجمت أعماله إلى لغات عدة، وتحولت رواياته إلى مسلسلات تلفزيونية ناجحة. وكتابة غولوب البوليسية عموماً، "لا تعتمد على العنف أو المفاجأة السريعة، بل على تصاعد القلق، تشابك العلاقات، وحضور المكان ككائن حي، ولهذا، فإن من يقرأه لا يبحث فقط عن القاتل، بل عن الحقيقة الأعمق خلف كل صمت وجريمة".

نشاط النازيين

تسلط الرواية الضوء على تنامي ظاهرة التشرد في دولة تعد من أغنى دول القومية السلافية، لكنها تحتل مرتبة متدنية لجهة عدم المساواة في الدخل بين مواطنيها الذين يبلغ تعدادهم نحو مليوني نسمة. وتبرز الرواية نشاط النازيين الجدد الذي يستهدف الفئات المهمشة ومن بينها المشردون الذين تخلو سجلات الدولة من أي بيانات تخصهم، ومن ثم لا يحظون بأي من صور الرعاية الحكومية. وترجع جذور هذا التيار إلى فترة الحرب العالمية الثانية عندما تم احتلال مملكة يوغوسلافيا من طرف ألمانيا وإيطاليا وضمها إضافة للمجر وكرواتيا لتشكيل دولة كرواتيا النازية. وعلى رغم أن النسيج السكاني يتشكل من غالبية سلوفينية فإنه لا يخلو من مواطنين من أصول كرواتية وصربية.

و"تاراس بيرسا" في رواية "حديقة لينين" التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني، عرض على قناة RTV SLO، وحقق نجاحاً كبيراً، سيقبل بالعمل تحت رئاسة تحرية شابة، تربطه بها علاقة حميمية سرية، للتحقيق في موت عجوز مشردة داخل "حديقة لينين"، وهي حديقة عامة في لوبليانا عاصمة سلوفينيا، تغير اسمها غير مرة حتى أطلق عليها رسمياً "حديقة الإصلاح السلوفيني"، لكنها اشتهرت بين الناس باسم "حديقة لينين"، مما يعكس تأثيراً ممتداً للحقبة الشيوعية بين قطاع عريض من السكان، على رغم انقضائها بتفكك يوغوسلافيا قبل نحو 35 عاماً.

ومن السرد التشويقي الذي يتولاه راوٍ خارجي، وجاء على شكل دفتر يوميات تتعلق بسير التحقيق، من جهة والحياة الاجتماعية للمحققين والمشتبه فيهم، من جهة ثانية، سنعرف أن "بيرسا"، أقلع للتو عن شرب الخمر، لكن ما زالت أعصابه تفلت حين يتعرض لاستفزاز، حتى أنه سيبادر بقتل مشتبه فيه كان يهدد زميلته تيرنا بمسدس. يعتمد على زوجته الطبيبة "إلينكا" في استقرار أوضاعه المادية، إذ إن الدخل الذي تحصل عليه من عملها يفوق دخله من عمله شرطياً. هو يعرف أنها كانت على علاقة بأستاذها في الجامعة قبل أن يتزوجا، وهي تعرف أنه على علاقة بزميلته الشرطية "تينا".

الشك في المحقق

والغريب أن أول من اتجهت إليه الشكوك في قضية المشردة العجوز هو "بيرسا" نفسه، فقبل ساعات من اكتشاف موتها كان قد تحدث عنها مع "تينا" وقال إنها من النوع الذي لا خلاص له إلا بالقتل الرحيم، فهو يراها منذ 30 عاماً في حال التشرد نفسها، قبل أن يجبرها التقدم في السن على عدم مبارحة مقعدها في الحديقة، حتى كادت تتعفن وهي حية، ثم يتساءل: "أليس هناك بعض الخدمات في هذا البلد لرعاية أمثال هذه السيدة؟". تشيفلاك طبيب تشريح جنائي سيتأكد من أن المشردة ماتت بمضاعفات السرطان قبل أن تخترق رأسها رصاصة كان يعتقد أنها المتسببة في موتها. تاراس أقلع عن شرب الخمر، لكن ما زالت أعصابه تفلت حين يتعرض لاستفزاز.

دائرة الاشتباه شملت سكان بناية تطل على المقعد الذي ماتت فوقه المشردة. "فرانتس بالوه"، جندي سابق في القوات الخاصة للجيش الفرنسي في الطابق الأول، وهو لا يستطيع السير على قدميه، ولذلك يمكث طوال الوقت على كرسي متحرك. "إجناك ياكين" شاب ذو ميول نازية في الطابق الثالث، يعيش مع أمه الذي سيتبين أنها أنجبته من علاقة سرية جمعتها قبل 30 عاماً مع ساكن الطابق الأول الذي سينتحر في ذروة التحقيق في قضية العجوز المشردة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"أوبيكا" امرأة تسكن في الطابق الرابع مع كلبيها. شقة الطابق الثاني مغلقة ويعرضها ابن المرأة التي كانت تقيم فيها حتى وفاتها للبيع، وسيتبين لاحقاً أنه قتل أباه، ومن ثم سيقتله "تاراس بيرسا" خلال احتجازه "تينا" في الشقة ذاتها بعدما اكتشف أنها شرطية وليست زبونة ترغب في شراء الشقة كما سبق أن أوهمته. وسيتبين أن الرصاصة التي أطلقت على المشردة كانت من مسدس الجندي المقعد، وأن من أطلقتها هي المرأة التي قررت أن تنفذ رغبة ابنها ذي النزعة النازية في قتل تلك المشردة، كذلك سيتبين أن هذا الابن النازي هو ثمرة علاقة سرية جمعت أمه بذلك الجندي السابق قبل نحو 30 عاماً. هي اطلعت على مدونات ابنها على "فيسبوك" التي يؤكد فيها رغبته القوية في إزاحة تلك المشردة من فوق مقعدها المواجه لنافذة حجرته، "فقررت أن تمنعه بطريقتها الخاصة من ارتكاب أي حماقة".

الهيبيز والمشردون

تتألف الرواية من 40 فصلاً معظمها يتعلق بالتحقيق في حادثة ليوبليانا، وبعضها يتعلق بالتحقيق بجريمة قتل أخرى وقعت في ميتلكوفا حيث ينتشر أيضاً النازيون الجدد حليقو الرؤوس الذين كانوا يهاجمون المشردين والهيبيز بالسلاسل لا بالأسلحة، قبل 10 أعوام، "أما الآن، فصارت لهم أساليب أخرى لتحقيق الهدف نفسه"، على حد قول شخص من "الهيبيز" الذين يصفهم الراوي بأن "مظهرهم أشعث، يرتدي الرجال منهم أقراطاً، يعانون آثار الثمالة في هذا الوقت المبكر جداً من اليوم. وهو ما يؤدي إلى اختلال ساعتهم البيولوجية باثنتي عشرة ساعة، فتحول نهارهم ليلاً وليلهم نهاراً"، (ص 252). يرسمون التحية النازية على الجدران وينشطون على "السوشيال ميديا".

الاشتباه في أن أحدهم هو من قتل المشردة جاء بعدما لاحظ المحققون التحية النازية منقوشة ببخاخ طلاء على مقعد الحديقة، بعد نقل جثمان المشردة إلى المشرحة. كتبت العبارة نفسها بفرشاة الرسم على حائط في ميتلكوفا، قرب جثة واحد من "الهيبيز". ووصل الأمر إلى أنهم اخترقوا وكالة "سوفا" للاستخبارات والأمن السلوفيني والحزب الجمهوري عبر تولي مناصب حساسة فيها.

مع تتابع جولات التحقيق على مدى أسبوعين، سيلعب "بيرسا"، كالعادة في روايات غلوب، الدور الأبرز في كشف غموض الحادثة، وستقرر "تينا" اعتزال العمل في مجال التحقيق الجنائي الذي كانت بدأته مع هذه القضية، بعدما كاد أحد المشتبه فيهم أن يقتلها. ومع "بيرسا" و"تينا" كان ضمن فريق التحقيق "برايك" المنفصل حديثاً عن زوجته، الذي يعاني فرط شهيته للطعام مما يعرضه للإصابة بأزمة قلبية تعطل اشتراكه في التحقيق في قضية العجوز. وهناك "أوسترس" الذي تعمل زوجته أمينة مكتبة بدوام جزئي، وعندهما طفلان وعليه يومياً أن يوصلهما بسيارته المتهالكة إلى المدرسة، ثم توصيل زوجته إلى مقر عملها. تفصل مركز الشرطة عن "حديقة لينين" مسافة 500 متر.

تعيش "تينا" في منزل قريب من مسرح الجريمة/ الحديقة، ويزورها "بيرسا" الذي يكبرها بنحو 20 سنة، فيه من وقت إلى آخر، وهي في الوقت نفسه مرتبطة بعلاقة حميمية مع شخص آخر يقاربها في العمر! السؤال الذي كان يؤرق "بيرسا" هو كيف تركت تلك المرأة لحياة التشرد لأكثر من 30 عاماً؟ وكذلك من هم أمثالها غير مسجلين في السجل المدني وكيف يمكن تصحيح أوضاعهم المتردية؟ كذلك فإنه كان يصر في الوقت نفسه على كشف هوية مطلق النار على المشردة، حتى بعدما أكد تشريح جثتها أنها كانت ميتة بمضاعفات إصابتها بالسرطان قبل أن تخترق الرصاصة رأسها. وسيقود التحقيق في تلك القضية إلى اكتشاف جرائم أخرى، ومنها جريمة قتل أحد المشتبه فيهم والده والاستيلاء على شقته وعرضها للبيع بصورة غير قانونية، ليتمكن من الحصول على أموال تعوض خسارته في نشاط تجاري غير مشروع ولشراء المخدرات التي يدمنها.  

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة