ملخص
رحل أمس الخميس المخرج والممثل المغربي الرائد نبيل لحلو (مواليد 1945، فاس) بعد عقود من التجريب في المسرح والسينما، قدم خلالها أعمالاً فنية ذات طابع فكري وفلسفي تستهدف الجمهور المثقف.
لم يكن نبيل لحلو اسماً عادياً في الحياة الفنية في المغرب. فقد كان رائداً في التحديث والتجريب في المسرح والسينما والخروج عن المألوف والمعتاد ومفاجأة المتلقي بالغريب والمدهش. وكان في الآن ذاته ذلك الثائر الدائم ضد أشكال التحكم في الفن من خلال احتجاجاته الدائمة على المؤسسات والهيئات التي تدير دواليب القطاع الفني في المغرب.
عرف بآرائه الجريئة ومواقفه التي لا تتوسل المهادنة. وكان يترافع باستمرار عن الفنان المغربي كي يحظى بالتقدير الثقافي والرعاية الاجتماعية. وفي أعماله السينمائية والمسرحية لم تكن عينه على المتلقي، بل على العمل الفني نفسه، ذلك أنه لا يراهن على إرضاء الجمهور بقدر ما يراهن على التشويش عليه. فأفلامه ومسرحياته لا تعرض نتاجاً فنياً هادئاً ومسلياً، بل تطرح أسئلة تستفز الطمأنينة وتنتقد الركود.
إن مسرحية مثل "الانهيار" المقتبسة عن رائعة ألبير كامي تتطلب جمهوراً متقداً وذا مرجعية ثقافية، فقد وصفها سارتر بأنها "الأجمل والأقل فهماً". الأمر ذاته ينطبق على الأعمال الأخرى التي كتبها وأخرجها لحلو مثل "أوفيليا لم تمت" و"المليارديرات" و"يوميات أحمق" و"محاكمة سقراط" و"الإمبراطور شريش ماتوري". يمارس لحلو النقد من خلال السخرية والفانتازيا، لذلك منذ بداية ظهور أعماله في أواخر الستينيات بدا للوسط الفني وللمتلقي العام غريباً ومغايراً لما هو سائد. وظلت هذه الروح التجريبية حاضرة في مختلف أعماله إلى نهاية حياته.
في عامه الـ19 سافر نبيل لحلو إلى فرنسا من أجل دراسة المسرح. كان ذلك في منتصف الستينيات، حيث الحياة الثقافية النشطة والاحتدامات الفكرية على أشدها في تلك الحقبة. فدرس الفن الدرامي في مدرسة شارل دولان وجامعة مسرح الأمم. وحين عاد إلى المغرب حمل معه الكثير من ثقافة تلك المرحلة وتأثر بالتوجهات الفكرية والسياسية الطلائعية آنذاك. قام بتدريس المسرح في الجزائر وفي فرنسا وتجول بعروضه المسرحية في عدد من جغرافيات العالم.
بحثاً عن الجمهور المثقف
لا يندرج مسرح نبيل لحلو ضمن المسرح الأليف الذي كان يرفع في دعاياته شعار "ساعتان من الضحك"، ولا ضمن المسرح الذي يمجد ظواهر وعناصر لم يكن لها في الحقيقة نصيب من المجد، ولا ضمن المسرح الذي يلوك أفكاراً تطفو على السطح، ولا ضمن المسرح الفج الذي يراهن على نقل رسائل مكشوفة ليست في الحاجة بالضرورة إلى ساعي بريد.
كان نبيل لحلو يستهدف ما سماه "الجمهور المثقف" ويذهب إليه، أو كان ينتظر أن يشاهد أعماله المتلقي الذكي القادر على تفكيك الإشارات والرموز والتفاعل مع نتاج فني اغترف لحلو مكوناته من الأدب والفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية.
لكنه اعترف بأن الجهد الهائل الذي بذله على مدار عقود من الزمن لم يحظ بالتقدير المأمول.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قدم لحلو أعمالاً مسرحية بالعربية والفرنسية، لكنه كان يتأسف على وضع متلقي العربية، فهو في الغالب لا يمتلك تقاليد الحضور المسرحي التي يمتلكها متلقي الفرنسية. لذلك كان يعتب على عناصر من هاته الفئة لا تتوقف عن الحديث أثناء العرض المسرحي، أو تتصفح الهاتف المحمول، وتفتح باب القاعة بشكل متأخر، أو تغادرها قبل نهاية العرض.
كان لحلو يؤكد أن الفن في العالم العربي يعاني الرقابة الذاتية والخارجية، وأن الحل هو الانفتاح والجرأة وتجاوز الحدود التي ترسمها الخطابات الرسمية والموروث الجمعي. فالحرية في الفن منطلق أساس.
لم يتوقف تجريب لحلو في حقل المسرح، بل امتد إلى السينما التي وقف وراء كاميراتها لاحقاً في نهاية السبعينيات، فارضاً توقيعه الخاص الذي يكسر أفق وتوقعات الجمهور ويجنح به إلى الغرائبية. بدا ذلك جلياً في أفلام من قبيبل "القنفوذي" و"الحاكم العام لجزيرة الشاكر باكر بن" و"إبراهيم ياش" و"نهيق الروح" و"كوماني" و"سنوات المنفى وغيرها".
فلسفة لحلو لم تنحصر في أعماله الفنية فحسب، بل امتدت إلى حواراته وبياناته وأسلوب حياته وظهوره في المناسبات الفنية. فقد ظل ذلك المشاكس الذي تمرد باكراً على أعراف المسرح والسينما من جهة، وأعراف المجتمع من جهة أخرى. فالفن بالنسبة إليه ليس معطى جمالياً وحسب، بل هو أيضاً وسيلة للمساءلة والمحاكمة.