ملخص
عبّرت أكثر من 18 مؤسسة حقوقية وأهلية فلسطينية بينها "الائتلاف الأهلي لإصلاح القضاء وحمايته" عن "قلقها البالغ إزاء الأوضاع الخطيرة التي يعيشها القضاء في ظل استمرار الأزمة المالية الخانقة"، وبحسب هذه المؤسسات فإن هذا الوضع يشكل "تهديداً خطيراً لنزاهة واستقلالية القضاء وفعاليته".
"العدالة لا تُبنى على قلب ملؤه الغصة وفكر شوّشه الواقع الاقتصادي"، جملة كتبها أحد القضاة الفلسطينيين في قراره تأجيل النظر في إحدى القضايا أمام محكمة فلسطينية، في ظل وصول الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية إلى مستويات حادة غير مسبوقة.
ودفعت الأزمة الأشد قسوة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية إلى صرفها دفعة مالية بقيمة 666 دولاراً لجميع موظفيها بغض النظر عن درجاتهم ورتبهم الوظيفية، بعد أكثر من ست سنوات على صرفها نحو ثلثي الراتب ثم نصفه. وكغيرهم من العاملين في الوظيفية العامة، تلقى القضاة النظاميون الفلسطينيون هذه الدفعة التي لا تكفي لتأمين ولو حتى جزء بسيط من التزاماتهم المالية. ومع أن معظم الموظفين العموميين أصبحوا يعملون ثلاثة أيام أسبوعياً بقرار حكومي، لكن القضاة لم يشملهم ذلك، إذ يقصدون المحاكم في الضفة الغربية خمسة أيام أسبوعياً.
قاعدة أساسية
لكن الأزمة المالية كسرت قاعدة أساسية في عمل المحاكم تنص على عدم عمل القضاة في المحاكم الواقعة في مناطق سكنهم، إذ أصبحوا يعملون بمحاكم في مناطق إقامتهم على رغم مخالفة هذه القاعدة.
وفي نص حكم أحد القضاة في محكمة في مدينة بيت لحم، أشار إلى أن "العدالة لا تُبني على قلب ملؤه الغصة وفكر شوشه الواقع الاقتصادي المتمثل بأزمة الرواتب المتواصلة، والذي بلغ مبلغاً يحول دون صحة التفكر والتبصر لدى الهيئة الحاكمة في الخصومة المعروضة أمامها".
وأكمل القاضي في حكمه أن هذه الظروف "يُفقد معها صفاء الذهن اللازم للحكم على الوجه المطلوب قانوناً نظراً لانطباق ظروف الغمّ والغصة المذكورة في المادة 1812 من مجلة الأحكام العدلية".
ويبلغ عدد القضاة الفلسطينيين في المحاكم النظامية في الضفة الغربية نحو 245 قاضياً لأكثر من 3.5 مليون فلسطيني، في نسبة لا تستوفي المعايير الدولية التي تخصص قاضياً لكل 15 ألف شخص.
آلاف القضايا
وبحسب مصادر قضائية فلسطينية فإن هناك 465 ألف قضية في دوائر التنفيذ، و110 آلاف في المحاكم، و64 ألف قضية في محاكم التسوية.
وكشفت المصادر عن تقديم أحد قضاة المحكمة العليا الفلسطينية استقالته، وطلب 70 آخرون إجازة بسبب الأزمة المالية غير المسبوقة، وأشارت المصادر إلى أن القضاة "لم يعودوا يمتلكون أجرة المواصلات للذهاب إلى أماكن عملهم، وحتى تأمين حاجات عائلاتهم الاعتيادية من أغذية وأدوية ومصاريف مدارس وجامعات"، مضيفة أن "القضاة أصبحوا يفضلون العمل في مهنة المحاماة أو مستشارين قانونيين لدى الشركات على استمرار العمل في المحاكم."
مرحلة العوز
وروت المصادر ذاتها أن بعض القضاة "باتت شيكاتهم المصرفية ترفض بسبب عدم كفاية الرصيد، وبأن أحد القضاة لم يستطع شراء أدوية لابنته، لقد اضطر إلى الطلب من وزارة الصحة تأمينه".
وحذّر أحد القضاة من "ضياع هيبة القضاة واحترامهم، بسبب تراكم الديون عليهم، وهو ما قد يؤدي إلى المس بهيبة القضاء نفسه بعد وصولنا إلى مرحلة العوز".
ويمنع القانون الفلسطيني القضاة من ممارسة مهنة ثانية أخرى، وهو ما يمنعهم من إيجاد مصدر دخل إضافي.
شكاوى واستقالات
واشتكى القاضي من أنه حتى عندما كانت الرواتب تُصرف بنسبة 60 في المئة أو 70 في المئة فإن ثلثها كان يذهب للأقساط المصرفية. وحذر من "إمكانية تعطيل عمل المحاكم إذا لم يتمّ إيجاد حلول تضمن صرف الرواتب للقضاة والجهاز الإداري في المحاكم"، لكنه قال إن "عدم صرف رواتب الموظفين كاملة تسبب في طول أمد التقاضي، وإلى التوقف عن تعيين قضاة جدد ومحاكم إضافية". وأشار إلى وجود "عزوف من المحامين للتقدم لوظائف القضاة بسبب الوضع المالي، وأن القضاة الجيدين يفكرون في الاستقالة".
الحكم بالعدل
وطالب نقيب المحامين الفلسطينيين فادي عباس الحكومة الفلسطينية بـ "توفير المقومات التي تلبي الحد الأدنى من قدرة القضاة على أداء رسالتهم من دون الانتقاص من حقوق بقية القطاعات". وأضاف أن "القضاة لا يمكن لهم في أي من الظروف العمل بأي عمل إضافي"، وشدد على ضرورة "تحصين الحالة القضائية لأن القضاة مكلفون بتحقيق العدل وطبيعة الرسالة التي يؤدونها تتطلب العمل في حال ذهنية مستقرة". وأوضح أن "الواقع المعيشي يرتبط بشكل وثيق بتحقيق الاستقرار الذهني المطلوب للقدرة على التوازن في أداء هذه الرسالة والحكم بالعدل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واقع لا يحتمل
وعبّرت أكثر من 18 مؤسسة حقوقية وأهلية فلسطينية بينها "الائتلاف الأهلي لإصلاح القضاء وحمايته" عن "قلقها البالغ إزاء الأوضاع الخطيرة التي يعيشها القضاء في ظل استمرار الأزمة المالية الخانقة". وبحسب هذه المؤسسات فإن هذا الوضع يشكل "تهديداً خطيراً لنزاهة واستقلالية القضاء وفعاليته". وأوضحت أن العدالة باتت "مهددة بشكل غير مسبوق، وتجسد صورة القاضي الذي يصدر أحكامه تحت وطأة أزمة مالية وضغط نفسي في واقع لا يُحتمل".
وحذر "الائتلاف" من "انهيار حتمي لمنظومة القضاء، ما سينعكس سلباً على سيادة القانون، ويهدد الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، في حال استمرار هذا الوضع".
وطالب المدير التنفيذي لـ "الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون" ماجد العاروري الحكومة الفلسطينيىة بـ "اتخاذ إجراءات سريعة لإنهاء الأزمة الحالية وصرف رواتب القضاة بشكل منتظم وكامل من دون أي اقتطاعات إضافية". وناشد العاروري المجتمع الدولي التدخل الفوري للضغط على الحكومة الإسرائيلية للإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، "وتقديم الدعم اللازم للقضاء الفلسطيني، باعتباره أساسياً لتعزيز حقوق الإنسان وضمان استقرار النظام القضائي والمجتمع".
كامل أموال المقاصة
وتحجم الحكومة الإسرائيلية منذ سنة عن تحويل كامل أموال المقاصة الفلسطينية التي تشكّل نحو ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، كذلك بدأت إسرائيل منذ أكثر من ست سنوات سياسة الاقتطاع من المقاصة. وبلغ حجم الأموال التي تحتجزها إسرائيل منذ سنوات أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي.