ملخص
هل يشكل اللقاء غير المعلن مسبقاً بداية عودة العلاقات الجزائرية - الفرنسية لمسارها الطبيعي؟
زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان التي جاءت بعد عودة السفير الفرنسي للجزائر وتوالي زيارات المسؤولين الفرنسيين، تعكس مؤشرات على رغبة متبادلة في تجاوز مرحلة التوتر التي طبعت العلاقات الثنائية منذ عام 2024 وفتح صفحة جديدة قائمة على التنسيق الأمني والقضائي والمصالح المشتركة.
في مؤشر جديد على الانفراج الدبلوماسي بين الجزائر وفرنسا بعد أكثر من عامين من التوتر، أجرى وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان زيارة رسمية إلى الجزائر، التقى خلالها الرئيس عبدالمجيد تبون، في خطوة وصفت بأنها محاولة لإعادة بناء الثقة بين البلدين.
اللقاء الذي دام أكثر من ساعتين ونصف الساعة في قصر المرادية جاء بعد سلسلة اجتماعات عمل مكثفة بين دارمانان ونظيره الجزائري لطفي بوجمعة، شارك فيها كبار القضاة والمسؤولين القضائيين من الجانبين، وتخللت الزيارة مأدبة عشاء رسمية جمعت وفدي البلدين قبل عقد جلسة عمل موسعة في مقر وزارة العدل الجزائرية.
ملفات ثقيلة على طاولة المحادثات
تركزت المحادثات الجزائرية - الفرنسية على إعادة تفعيل التعاون القضائي بين البلدين بعد قطيعة دامت نحو عامين، بخاصة في القضايا الجنائية المرتبطة بالجريمة المنظمة وشبكات الاتجار بالمخدرات. وأكد دارمانان أن الجزائر وفرنسا تواجهان التحديات نفسها في التصدي لشبكات المافيا وتهريب المخدرات الناشطة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
وشملت المباحثات عدداً من الملفات الحساسة، في مقدمتها قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المعتقل في الجزائر والمحكوم بسبعة أعوام سجناً بتهمة "الإشادة بالإرهاب"، بعدما سحب طعنه أمام المحكمة العليا، مما قد يفتح الباب أمام احتمال صدور عفو رئاسي. وتناولت اللقاءات أيضاً ملف "مافيا دي زاد"، وهي شبكة إجرامية متورطة في أعمال عنف وتهريب مخدرات، وتُعد من أبرز القضايا المطروحة في إطار التعاون الأمني والقضائي بين البلدين.
وبحث الجانبان أيضاً سبل تعزيز التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة، من خلال تبادل المعلومات الأمنية والقضائية، فضلاً عن دراسة طلبات تسليم مطلوبين إلى العدالة. وفي هذا السياق، قدمت الجزائر عشرات الطلبات المتعلقة باسترجاع أشخاص ملاحقين في قضايا مختلفة. كذلك عادت قضية الوزير السابق عبدالسلام بوشوارب للواجهة، باعتباره من أبرز المسؤولين السابقين المطلوبين للقضاء الجزائري في ملفات فساد.
ومن بين الملفات التي حظيت باهتمام كبير كذلك، قضية استرجاع الأموال المنهوبة والممتلكات المحولة إلى الخارج، حيث تقدمت الجزائر بما يقارب 100 طلب لاستعادة أموال وعقارات مرتبطة بقضايا فساد تعود للفترة التي سبقت عام 2019.
شراكة أمنية تتجاوز الخلافات
من وجهة نظر المحلل السياسي نبيل شوفان "يمكن قراءة هذا اللقاء في إطار محاولة فرنسية لإعادة ترميم علاقاتها مع الدول الأفريقية، بخاصة الجزائر، فالعلاقات الجزائرية - الفرنسية تتجه إلى استعادة مسارها الطبيعي بعد نحو عامين من التوتر السياسي والدبلوماسي، وسط تحركات في إطار إعادة تفعيل التعاون الأمني والقضائي والهجرة، بعدما أعلنت باريس والجزائر استئناف تبادل المعلومات حول شبكات المخدرات والجريمة المنظمة، خصوصاً في ما يتعلق بملف ’مافيا دي زاد‘، وهي شبكة مهربي مخدرات شديدة العنف تنشط انطلاقاً من مرسيليا، إضافة إلى استئناف التنسيق في ملفات الترحيل والهجرة والتنقل، وسط سعي فرنسي إلى الحفاظ على شراكة تعتبرها ضرورية مع الجزائر في المجالات الأمنية والاستخباراتية".
ورأى شوفان أن "استقبال وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة نظيره الفرنسي جيرالد دارمانان خطوة تتجاوز ملف التعاون القضائي، ليكون إحدى القنوات التي اختارها الطرفان لإعادة بناء الثقة وفتح باب التهدئة التدريجية". وعلى رغم أن الاجتماعات الرسمية ركزت على "التعاون القضائي في المجال الجنائي" ومحاربة الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات والإرهاب، "فإن الرسالة السياسية الأساسية تتمثل في رغبة البلدين بإعادة تطبيع العلاقة الأمنية والقضائية، باعتبارها أقل الملفات حساسية مقارنة بملفات الذاكرة والهجرة والصحراء الغربية، كما أن اصطحاب دارمانان وفداً قضائياً رفيعاً بصورة غير مسبوقة يعكس رغبة فرنسية في إعطاء الزيارة بعداً مؤسساتياً واستراتيجياً".
ويحمل اللقاء أيضاً رسائل متبادلة، فباريس لا تزال ترى الجزائر شريكاً محورياً في قضايا الأمن والساحل والهجرة والجريمة العابرة للحدود، خصوصاً بعد تراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي، بينما تبعث الجزائر برسالة مفادها بأنها لا تزال مستعدة لاستئناف التعاون مع فرنسا وفق قاعدة المصالح المتبادلة والاحترام السياسي، من دون التنازل عن ملفاتها السيادية.
ولفت شوفان إلى أن المحادثات تدور كذلك حول استعادة "الممتلكات المكتسبة بطرق غير مشروعة".
في السياق الأوسع، تبدو فرنسا وكأنها تعيد تموضعها في أفريقيا عبر بوابة التعاون الأمني والقضائي، بعد تراجع فاعلية المقاربة العسكرية التقليدية في الساحل، فالرهان الفرنسي الجديد يقوم على الشراكات الاستخباراتية والقضائية والأمنية مع القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها الجزائر التي تملك موقعاً محورياً في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والمتوسط.
وختم شوفان أن هذا التوجه تؤكده التحركات السياسية، فبالتزامن مع زيارة دارمانان يستعد وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود لزيارة باريس، وستتناول المحادثات ملفات حساسة تشمل أوضاع الجالية الجزائرية في فرنسا، واتفاق الهجرة لعام 1968 واسترجاع الأموال المنهوبة، إضافة إلى قضايا قضائية عالقة مثل ملف الوزير السابق عبدالسلام بوشوارب، والموظف القنصلي الجزائري المعتقل في فرنسا، والصحافي الفرنسي كريستوف غليز".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فرنسا تعيد التموضع تجاه الجزائر عبر بوابة التعاون القضائي
في سياق متصل، أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبدالرحمن هادف أن زيارة دارمانان الجزائر ولقاءه نظيره بوجمعة، ثم استقباله من قبل تبون، "تأتي في ظرف إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تعيش فيه العلاقات الجزائرية - الفرنسية مرحلة إعادة تقييم ومحاولة البحث عن أرضية جديدة للتعاون"، ورأى أن "التركيز على ملفات التعاون القضائي ومكافحة الجريمة المنظمة وتسليم المطلوبين وقضايا الفساد وتحويل الأموال، يعكس وجود إدراك متبادل لدى الطرفين بأن معالجة الملفات الحساسة لم تعُد ممكنة عبر التصريحات السياسية أو المقاربات الظرفية، بل تتطلب قنوات حوار مباشرة ومؤسساتية قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، بما يسمح بإعادة بناء حد أدنى من التفاهم بين البلدين"، معتبراً أن التعاون في قضايا الجريمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية واسترجاع الأموال المنهوبة، "يفرض على الطرفين تجاوز الخلافات الظرفية والانتقال نحو مقاربة أكثر براغماتية وواقعية"، وتابع أن استقبال تبون وزير العدل الفرنسي "يحمل في حد ذاته رسالة سياسية واضحة، مفادها بأن الجزائر لا ترفض إعادة بعث التعاون مع باريس، لكنها تسعى إلى بناء علاقة جديدة تقوم على الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية".
ولفت هادف إلى أن "باريس باتت تدرك اليوم أن الحفاظ على علاقة مستقرة مع الجزائر لم يعُد مجرد خيار دبلوماسي، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية تفرضها التغيرات الإقليمية والدولية"، وأكد أن الجزائر عززت خلال الأعوام الأخيرة مكانتها كقوة إقليمية محورية في الفضاءين المتوسطي والأفريقي، سواء عبر نشاطها الدبلوماسي المتزايد أو من خلال دورها المتنامي في مجال أمن الطاقة، مشيراً أيضاً إلى أن التحولات الجيوسياسية الدولية وإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية دفعت فرنسا، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، "إلى إعادة التموضع داخل المنطقة الأورومتوسطية والأفريقية، وتبرز الجزائر كشريك استراتيجي يصعب تجاوزه"، ورأى أن هذه التحركات تأتي أيضاً في ظل التحول الاقتصادي الذي تشهده الجزائر واستعادتها تدريجاً جاذبيتها الاستثمارية، مما انعكس على مستوى التنافس الأوروبي داخل السوق الجزائرية.
وأضاف هادف أن الشركات الفرنسية لم تعُد تحتكر مواقعها التقليدية داخل الجزائر كما كانت الحال في السابق، في وقت عززت الشركات الإيطالية والإسبانية والألمانية حضورها في عدد من القطاعات الاستراتيجية، "كما أن تصدر فرنسا قائمة مستوردي النفط الجزائري خلال أبريل (نيسان) الماضي يعكس حجم الترابط الطاقوي بين البلدين، بخاصة في ظل اضطرابات أسواق الطاقة العالمية وتراجع الإمدادات الناتج من التوترات الدولية المتصاعدة".
في المحصلة، رأى عبدالرحمن هادف أن زيارة وزير العدل الفرنسي إلى الجزائر تتجاوز بكثير الطابع التقني المرتبط بالملفات القضائية، وتحمل في عمقها أبعاداً سياسية واقتصادية واستراتيجية أوسع، وأكد أن "الرسالة الأبرز التي تفرض نفسها اليوم هي أن العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية دخلت مرحلة جديدة تُبنى تدريجاً على أساس الواقعية السياسية والمصالح المتبادلة، بعيداً من منطق التوتر والتجاذبات التقليدية"، وختم هادف أن "باريس أصبحت أكثر إدراكاً بأن تطوير علاقتها مع الجزائر لم يعُد ممكناً عبر أساليب الضغط أو المقاربات القديمة، بل يمرّ حتماً عبر الحوار البناء والاحترام المتبادل والاعتراف بالمكانة الإقليمية والدولية المتصاعدة التي باتت تحتلها الجزائر في محيطها المتوسطي والأفريقي".
زيارة تحمل رسائل سياسية
هل يشكل اللقاء غير المعلن مسبقاً بداية عودة العلاقات الجزائرية - الفرنسية إلى مسارها الطبيعي؟
الزيارة، التي جاءت بعد عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر وتوالي زيارات المسؤولين الفرنسيين، تعكس مؤشرات على رغبة متبادلة في تجاوز مرحلة التوتر التي طبعت العلاقات الثنائية منذ عام 2024 وفتح صفحة جديدة قائمة على التنسيق الأمني والقضائي والمصالح المشتركة.