Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صراع الأجنحة في "العمال"... هل ستارمر في خطر؟

رئيس وزراء بريطانيا يثق في قدرته على الفوز بانتخابات 2029 لكن هل يكون في منصبه حينها؟

شعبية رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر تتراجع على نحو مستمر منذ أشهر وفق استطلاعات الرأي (غيتي)

ملخص

الحديث عن استبدال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتردد إعلامياً منذ أشهر، لكن البديل مشكلة تواجه الساعين إلى ذلك ثمة أسماء عدة مطروحة في هذا الصدد، ولكن الخشية من خطوة متسرعة على غرار ما وقع به "المحافظون" قبل أعوام قليلة، تجعل التردد سيد الموقف بين نواب "العمال"، إلى أن تحين الفرصة التي تحسم الأمر باتجاه بلورة الفكرة أو التخلي عنها، وبعد فضيحة ماندلسون ربما تكمن تلك الفرصة في الانتخابات البلدية المقبلة.

في مقابلة حديثة مع صحيفة "التايمز" قال رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر إنه قادر على الفوز في انتخابات البرلمان عام 2029، لافتاً إلى أن "الغالبية الساحقة من نواب حزب العمال ما زالوا يدعمونه، ويؤدون عملهم بصمت بعيداً من الإعلام"، لكن تقارير كثيرة تحدثت أخيراً عن توجهات مختلفة داخل الحزب الحاكم لاستبدال زعيمه، والمشكلة فقط تكمن في البديل.

يواجه ستارمر اليوم غضباً كبيراً بين "العمال" بسبب خطأ اعترف به مرات عدة كانت آخرها في المقابلة مع "التايمز"، فتعيين السفير السابق للمملكة المتحدة لدى أميركا بيتر ماندلسون كان فضيحة بكل المقاييس، ويبدو أن رئيس الوزراء لم يستطع إقناع الشارع وحزبه حتى اليوم، بأنه وقع ضحية قرار جهاز الخدمة المدنية حجب إخفاق ماندلسون في اختبار التدقيق الأمني.

لم ينتهِ تحقيق مجلس العموم في قضية تعيين ماندلسون حتى الآن، وما زالت المعارضة تدفع بتحويل ستارمر إلى لجنة متخصصة تفصل في اتهام موظفي الدولة بتضليل البرلمان. وقف رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون أمام تلك اللجنة فيما يعرف بفضيحة "بارتي غيت"، لكنه اختار الاستقالة من الحكومة والبرلمان قبل صدور نتائجها، أما ستارمر فلا ينوي الاستقالة.

زعيم "العمال" الذي قاد حزبه في الانتخابات العامة الأخيرة إلى الفوز بأكثرية ساحقة في البرلمان، يرفض الاستقالة حتى الآن، مر بأزمات مختلفة خلال الفترة الماضية خرجت على ضوئها دعوات له من داخل الحزب وخارجه، للتنحي وترك منصبه، ولكنه في كل مرة يصر على البقاء، ويعتبر الأمر مجرد زوبعة بفنجان، أو محاولة لصرف النظر عن القضايا الكبيرة.

في قضية ماندلسون أيضاً يعتبر رئيس الحكومة الهجوم عليه محاولة لتجنب الحديث عن تحديات كبيرة تواجهها المملكة المتحدة، وحرب تخوضها على جبهتين، واحدة مع روسيا وأخرى مع إيران، لكن خصومه بين قادة "العمال" يرون في تدني شعبيته وتراجعه عن قراراته إضافة إلى الأخطاء التي يرتكبها، أسباباً منطقية لمطالبته بإفساح المجال أمام قيادة جديدة للحزب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السؤال الكبير الذي يواجهه الراغبون باستقالة ستارمر هو، من البديل؟ وفي الإجابة تتضح ملامح صراع الأجنحة داخل أكبر أحزاب المملكة المتحدة من حيث عدد الأعضاء، قائمة المرشحين تتسع لأسماء عدة وفق تقارير صحافية، ولكن عندما تتبع كل واحد منهم تجده محاطا بمواطن ضعف تجعل حتى مؤيديه يترددون في المجاهرة بتأييده والمطالبة به رئيساً للحكومة.

المرشح الأقوى والمحاط بأكثر الأصوات تأييداً بين نواب "العمال"، هو عمدة مدينة مانشستر أندي برنهام، شخصية قيادية معروفة ومقبولة شعبياً وحزبياً، ولكنه ليس عضواً في البرلمان كما يشترط الدستور في رئيس الوزراء، بالتالي لا يمكن أن يحل محل ستارمر إلا أن دخل مجلس العموم نائباً عن دائرة ما، وهذا ما لم يحدث حتى اليوم، ولا يمكن أيضاً التنبؤ بموعده.

سعى برنهام لخوض انتخابات برلمانية فرعية جرت أخيراً في إحدى دوائر مانشستر، وكان فوزه مضموناً، لكن لجنة ترشيح الأعضاء لذلك الاستحقاق في حزب العمال، رفضت سعيه بحجة خشيتها من خسارة منصب العمدة في المدينة لمصلحة "ريفورم"، لكن تقارير صحافية قالت إن السبب الحقيقي هو حماية ستارمر من منافسة خاسرة مع برنهام بعد دخوله مجلس العموم.

صحيفة "الغارديان" نقلت عن قادة في الحزب إن استبدال عمدة مانشستر بستارمر هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يقبلوا به، وهو في هذا يستفيدون من خطأ ارتكبه المحافظون في ولايتهم البرلمانية الأخيرة، عندما استبدلوا بجونسون أشخاصاً لم يحظوا بإجماع حزبي وشعبي، فانتهى الأمر بالحزب الأزرق إلى هزيمة نكراء في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2024.

ثمة أسباب أخرى قادت "المحافظين" للخسارة في ذلك الاستحقاق، ولكن تأثير تخبطهم في اختيار القائد انعكس على الحزب وبريطانيا ككل، بالتالي يبدو حذر "العمال" في استبدال ستارمر منطقياً وحكيماً، بخاصة أن "العمال" انتظروا نحو 15 عاماً كي يعودوا إلى السلطة في 2024، ومثل هذا النصر يصعب التفريط به، أو المغامرة بإجراء يهدده حتى ولو بعد حين.

بعيداً من برنهام تتردد أسماء عدد من الوزراء والنواب ليخلفوا ستارمر، ووفق تقرير "الغارديان" تلتقي مصلحة هؤلاء في حدوث التغيير بسرعة قبل أن تتاح الفرصة أمام عمدة مانشستر للعودة إلى البرلمان، ومن أبرز الشخصيات المطروحة وزراء البيئة والصحة والداخلية والعدل، إضافة إلى النائبة السابقة لستارمر في الحزب والحكومة إنجيلا راينر.

 

بالنسبة إلى وزير البيئة إيد ميليباند، فقد قاد "العمال" بين 2010 و2015، وهزم أمام المحافظ ديفيد كاميرون. يتمتع ميليباند ببعض النفوذ في الحكومة اليوم، وبخاصة فيما يخص خطط "العمال" البيئية التي اشتعل السجال حولها بعد حرب إيران، ورفض الوزير لتأجيل هدف الحياد الكربوني، والسماح باستخراج مزيد من النفط والغاز عبر حقول بحر الشمال لخفض كلفة الطاقة.

ميليباند فاز في انتخابات زعامة الحزب عام 2010 على برنهام و3 مرشحين آخرين بينهم أخوه ديفيد. تناسب مواقف ميليباند اليوم أنصار البيئة بين "العمال"، إضافة إلى أن رفضه للانتظام في حرب إيران يقربه من اليسار المتشدد في الحزب، ولكن السبيين لا يبدوان كافيين بالنسبة إلى شريحة واسعة من زملائه النواب كي يمنح فرصة لم ينجح في بلوغها بإمكاناته عام 2015.

في قائمة المرشحين يبرز أيضاً اسم وزير الصحة ويس ستريتينغ، الذي اتهم العام الماضي بمحاولة الانقلاب على ستارمر. ليست هذه المحاولة التي أنكرها هي السبب الرئيس لتحفظ نواب العمال على اختياره، وإنما صداقته مع السفير السابق ماندلسون، فهي علاقة ستضعه تاريخه كاملاً تحت مجهر خطر منذ اللحظة الأولى التي يسكن فيها المنزل رقم 10 وسط لندن.

بالنسبة إلى وزير العدل ديفيد لامي فأبرز نقاط قوته هي العلاقة الجيدة التي تجمعه مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ربما يكون ذلك مفيداً في معالجة الخلافات المتزايدة بين ستارمر والرئيس دونالد ترمب بعد حرب إيران، ولكن استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع شعبية لامي، حتى إنه بات مهدداً بخسارة مقعده البرلماني في انتخابات 2029 لمصلحة حزب الخضر.

وزيرة الداخلية شبانة محمود باتت تمثل اليوم يمين الحزب الذي يريد منافسة "ريفورم" في القضايا التي تعزز شعبيته، فتشدد قوانين الهجرة واللجوء وضبط الحدود، وتثير غضب نواب اليسار الذين يرون الخطر الحقيقي يكمن في تمدد "الخضر" الذي ينادي بفتح أبواب البلاد أمام الأجانب، ويدعو إلى خصومة إسرائيل كي يلتف حوله المسلمون والمؤيدون للقضية الفلسطينية.

بالنسبة إلى إنجيلا راينر، فقد كانت حتى الأمس القريب من أبرز المرشحين لخلافة ستارمر، ولكنها تورطت في تهرب ضريبي أجبرها على الاستقالة من ثلاثة مناصب كانت تشغلها، هي نائب رئيس الوزراء ونائب زعيم الحزب ووزيرة الإسكان، ولا يزال التحقيق معها في ذلك التهرب قائماً ويحول دون تقدمها إلى أي منافسة على رئاسة "العمال" في حال خروج رئيس الحكومة.

 

ثمة أسماء أخرى أقل شهرة من هؤلاء الخمسة تستحضر في الحديث عن استبدال ستارمر بعد كل أزمة يمر بها، ولكن الحقيقة هي أنه لا يوجد إجماع بين النواب على شخصية تلتقي فيها الشروط وتواكب المرحلة، فـ"العمال" يحتاج اليوم إلى شخصية وسطية معروفة ومقبولة شعبياً وحزبياً من داخل مجلس العموم، أي مستعد فوراً لخوض السباق الانتخابي على زعامة الحزب.

ولعل غياب المرشح المثالي أو المناسب هو ما يؤجل استبدال ستارمر كما يتردد في وسائل الإعلام المحلية، لكن هذا الغياب يقلم أظافر رئيس الوزراء ويقيد عمله بسبب تصاعد المعارضة الداخلية له، وهذا بحد ذاته يهدد مكانة حزب العمال وينذر بتردي شعبيته أكثر فأكثر، مما يقوده في نهاية المطاف إلى خسارة الاستحقاق البرلماني المقبل، والخروج من السلطة مرة أخرى.

يقول ستارمر في مقابلته مع "التايمز" إن المعركة المقبلة على السلطة ستكون بين حزبي "العمال" و"ريفورم"، وهي "مواجهة لم تعرفها البلاد من قبل بين فريق يريد التنوع والانفتاح والتسامح في المملكة المتحدة، وآخر ينادي بعكس ذلك"، وربما الخشية من هذه المواجهة ستدفع بنواب الحزب الحاكم إلى الاستعجال بإقصاء رئيس الحكومة واستبداله من دون انتظار البديل المنسب.

ثمة محاكاة حقيقية لهذه المواجهة ستحدث بعد 10 أيام، حيث ينافس "العمال" حزبي "ريفورم" و"الخضر" في الانتخابات البلدية المقررة في السابع من مايو (أيار) المقبل، وتقول استطلاعات الرأي إن الحزب الحاكم سيتعرض لهزيمة نكراء لم يعرفها منذ نصف قرن، وسيفقد نحو ألفي مقعد بلدي من رصيده الحالي لمصلحة هذين الحزبين الصغيرين على امتداد المملكة المتحدة.

بين نواب "العمال" من ينتظر هذه الهزيمة بفارغ الصبر ليعلن الحرب على ستارمر، ويطلق صفارة السباق لاستبداله، وبينما يبدو رئيس الوزراء مطمئناً إلى أن غياب البديل سيحميه مرة أخرى من هذا المصير، تتحدث تقارير صحافية عن خطط مبيتة لدى خصومه ربما تحمل في طياتها نهاية لمسلسل يتابعه البريطانيون منذ أشهر، وباتت البلاد في حاجة إلى إسدال الستارة عليه.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل