Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اتهامات تضع مدارس أجنبية في تونس أمام مطالب بالرقابة

مواقع التواصل تشتعل جدلاً بعد تدريس نص فرنسي "يحرض على الإلحاد والمثلية" ودعوات إلى تعزيز الرقابة التربوية

صور خاصة للمدرسة الفرنسية بتونس على صفحتهم الرسمية بـ"فيسبوك" (مواقع التواصل)

ملخص

قال متخصصون تربويون إن اعتماد برامج تعليمية أجنبية يمثل فرصة لإثراء المنظومة التربوية الوطنية، شريطة أن يكون ذلك ضمن إطار مضبوط يخضع لرقابة تربوية وإدارية صارمة.

باتت المدارس الأجنبية في تونس مادة لجدل واسع في الأوساط التونسية، بعد ما أثير أخيراً حول إحدى المدارس الفرنسية بولاية صفاقس، وتدريسها نصاً لتلاميذ السنة السابعة أساسي بعنوان "العنف والنور"، قيل إنه "يحرض على الإلحاد والمثلية وعقوق الوالدين، ويصور من يمارس هذه السلوكيات في صورة البطل والمستنير".

وانفجرت حال من الغضب بين التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي ودعت منظمات تعليمية وتربوية إلى تعزيز الرقابة البيداغوجية (التربوية) والإدارية على جميع المدارس الأجنبية من دون استثناء، مع إلزامها باعتماد جزء من البرامج التعليمية الوطنية، بما يضمن الحد الأدنى من الانسجام التربوي.

من جهتها طالبت المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط، في بيان لها، بإجراء زيارات تفقد دورية ومفاجئة داخل هذه المؤسسات التعليمية، للتحقق من طبيعة المضامين المقدمة داخل الأقسام، كما شددت على ضرورة تمكين الأولياء من حق الاطلاع على البرامج والأنشطة داخل هذه المؤسسات، وإرساء إطار قانوني واضح يضبط حدود الحرية الأخلاقية، بما يحفظ هوية المجتمع وثوابته.

ودعت المنظمة وزارة التربية إلى تحمل مسؤولياتها في متابعة هذه المؤسسات، وعدم تركها خارج الرقابة، إلى جانب طلب توضيحات من السفارة الفرنسية في شأن الحادثة.

في المقابل، أكدت المنظمة أهمية الانفتاح على اللغات والثقافات الأجنبية، لكنها شددت على ضرورة أن يكون ذلك في إطار يحافظ على الخصوصية الثقافية والتربوية للمجتمع التونسي، معتبرة أن بعض هذه المؤسسات بدأت تميل، وفق تعبيرها، نحو منطق تجاري أكثر من كونه تربوياً.

«اندبندنت عربية» اتصلت بالمدرسة الفرنسية في تونس، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد بشأن الحادثة. وعلمت «اندبندنت عربية» من مصادر موثوقة أن أوامر صادرة عن جهات رسمية فرنسية وُجِّهت إلى المدارس الفرنسية خارج أراضيها بضرورة اتباع المنهج الدراسي الوطني نفسه.

رئيسة منظمة حماية أطفال المتوسط ريم بالخذيري قالت إن "المدرسة  تحرض على المثلية والإلحاد والعقوق"، وتابعت "منذ الاستقلال وإلى وقت غير بعيد كانت المدارس الأجنبية في تونس منارة للعلم وتقدم تجارب تعليمية مهمة، وأسهمت في تكوين أجيال، ولئن كان لهذه المدارس أنظمتها الخاصة فإن المدارس الفرنسية التي هي الأكثر انتشاراً في بلادنا كانت الأقرب إلى التونسيين وبرامجها غير بعيدة من المناهج التعليمية الوطنية، لكن يبدو أنها بدأت تحيد عن أهدافها وباتت مؤسسات تجارية أكثر منها تعليمية وتربوية".

ونبهت ريم بالخذيري بما لاحظته المنظمة، وهو "ضعف الرقابة الإدارية على هذه المؤسسات وعدم انخراطها ولو بجزء بسيط في البرامج التعليمية التونسية، مما يجعلها أماكن مغلقة لا يعرف ما يدور داخلها ولا ما يلقن للتلاميذ فيها"، وقالت إن "حادثة صفاقس ليست بمعزل عما يدور في جل هذه المؤسسات من انحرافات وتلقين التلاميذ ثقافة غريبة عن مجتمعنا".

انفتاح ضروري أم انفلات مقلق؟

رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم سليم قاسم يقول إن ملف المدارس الأجنبية في تونس يطرح اليوم بإلحاح، باعتباره من القضايا التربوية الحساسة التي تتقاطع فيها اعتبارات الجودة مع رهانات الهوية والسيادة الثقافية.

وأوضح أن وجود هذه المؤسسات ليس جديداً في تونس، بل يعود لعقود، غير أن ما تغير بصورة لافتة بعد عام 2011 هو نسق انتشارها واتساع تأثيرها، في ظل تراجع نسبي لجودة التعليم العمومي، وتزايد إقبال أولياء الأمور على منظومات تعليمية أجنبية يرون فيها فرصة أفضل لمستقبل أبنائهم، بخاصة من حيث مواصلة الدراسة أو الاندماج بالخارج.

وأشار إلى أن هذا التوسع لا يمكن فهمه فقط من زاوية الطلب الاجتماعي، بل يرتبط أيضاً بعوامل أخرى، من بينها ما يعرف بسياسات "التأثير الناعم" التي قد تعتمدها بعض الدول، إضافة إلى البعد الاستثماري التجاري الذي أصبح يطغى على عدد من هذه المؤسسات.

وبين قاسم أنه كان من الممكن أن يمثل اعتماد برامج تعليمية أجنبية فرصة لإثراء المنظومة التربوية الوطنية، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار مضبوط يخضع لرقابة تربوية وإدارية صارمة. غير أن الواقع الحالي، وفق تقديره، يشير إلى وجود نقائص في المتابعة والإشراف، بما يجعل بعض هذه المدارس خارج دائرة التقييم الفعلي من وزارة التربية.

وأضاف أن الربط الآلي بين التعليم الأجنبي والجودة يحتاج إلى مراجعة، ملاحظاً أن بعض البرامج الأجنبية تثير بدورها جدلاً في بلدانها الأصلية، بخاصة في ما يتعلق بمضامين ذات أبعاد قيمية وثقافية حساسة. واعتبر أن الإشكال لا يقتصر على المحتوى، بل يشمل أيضاً التأثير التراكمي لهذه المؤسسات في تشكيل وعي الأجيال الصاعدة.

وحذر من أن "غياب التأطير قد يؤدي على المدى البعيد إلى بروز تباينات في المرجعيات الفكرية داخل المجتمع، بما قد يمس بالانسجام الثقافي الذي شكل أحد مكاسب المدرسة الوطنية بعد الاستقلال". وأكد في المقابل أن الحل لا يكمن في الانغلاق أو رفض الانفتاح على التجارب الدولية، بل في تنظيم هذا الانفتاح عبر إطار قانوني ورقابي واضح وفعال، يضمن توافق هذه المؤسسات مع الثوابت الوطنية، مع الاستفادة من النماذج التربوية الناجحة عالمياً.

كما دعا إلى استلهام تجارب دول نجحت في تحقيق توازن بين التحديث والحفاظ على الخصوصية الثقافية، مشدداً على أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في إدماج المدارس الأجنبية ضمن رؤية وطنية شاملة للتعليم، تجعل منها رافداً للإصلاح والتطوير، لا عاملاً للتفكيك أو الانقسام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وختم تصريحه بتأكيد أن إصلاح المنظومة التربوية العمومية يظل المدخل الأساس لاستعادة الثقة، والحد من الإقبال المتزايد على البدائل الأجنبية.

ويهيمن النظام التربوي التونسي على مختلف المدارس الابتدائية الخاصة، إلا أن ما يلاحظ هو  تزايد اعتماد النظم التعليمية الأجنبية وبخاصة الفرنسية.

وبحسب أرقام وزارة التربية، يتم اعتماد ستة أنظمة تدريس أجنبية إضافة إلى النظام التربوي التونسي. ويأتي النظام التربوي الفرنسي على رأس القائمة بـ13 مؤسسة تربوية ابتدائية تعتمده، ويليه النظامان الأميركي والبريطاني بأربع مؤسسات لكل منهما، ثم النظام الكندي بمؤسستين تربويتين ومدرسة ألمانية واحدة.

وحتى بالنسبة إلى المدارس الخاصة التي تعتمد النظام التربوي التونسي، فإنها تركز في مناهجها على تدريس اللغات الأجنبية، وبخاصة اللغتان الفرنسية والإنجليزية.

يشار إلى أن المدارس الأجنبية في تونس ظهرت بالتوازي مع دخول الاستعمار الفرنسي، وكانت تعتمد النظامين التعليميين الفرنسي والإيطالي، وكانت في بداياتها مغلقة في وجه التونسيين، حتى من الميسورين منهم، ثم فتح المجال لاحقاً أمام جنسيات أخرى.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير