Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"السوشيال ميديا" ليست للجميع... فكيف يصمد أعداؤها؟

العودة لمصادر المتابعة الكلاسيكية والاعتماد على تطبيقات تنجز المهام بلا تشتيت والذكاء الاصطناعي بدائل تعوّض الشعور بالوحدة وعدم المواكبة

نحو ثلثي سكان كوكب الأرض يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي (أ ف ب)

ملخص

كيف يمكن أن تنجح خطة مقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي في ظل عالم بات يعتمد عليها بصورة لا فكاك منها؟ التجارب تثبت أن التحرر من تلك المنصات حتى ولو لبعض الوقت كفيل بأن يقلل الضغوط النفسية، ولهذا فإن التجربة على ما يبدو تستحق ولكنها بحاجة إلى آليات وبحث عن بدائل كافية

قبل أيام احتفت النجمة العالمية ساندرا بولوك بأول حساب رسمي لها على "إنستغرام"، إذ تابعها 4 ملايين شخص خلال الساعات الأولى من تدشينه، وقد أنهت بولوك مقاطعتها الطوعية لـ"السوشيال ميديا" بعد نحو 11 عاماً من ظهور موقع الصور والفيديوهات الشهير، فيما لا تزال القائمة تضم عشرات غيرها من زملائها الذين يرفضون ضغوط مواقع التواصل الاجتماعي والابتعاد عن هوس الانتشار الرقمي، وحماية صحتهم العقلية وفقاً لتصريحاتهم، بينهم جورج وأمل كلوني وبراد بيت وكيت وينسلت وجينيفر لورانس وكيت بلانشت وغيرهم كثر. بالطبع لا أحد يمكنه أن يتأكد إن كانت تلك المقاطعة كاملة أم أن لديهم حسابات شخصية سرية يلقون بها نظرة على ما يحدث، لكن في الأقل هم استغنوا عن مساحة كبيرة من الانتشار الرسمي الذي برع فيه كثير من المشاهير، وأصبح مصدراً ثابتاً لتحقيق الثروات.

الاستغناء عن "السوشيال ميديا" ليس قراراً سهلاً أبداً، فبعد مرور نحو 20 عاماً على إنشاء موقعها الأشهر "فيسبوك"، باتت تلك المنصات جزءاً لا يتجزأ من صميم حياة الأشخاص، إذ يتابعون الأخبار ويلقون النكات ويحكون يومياتهم ومغامراتهم ويبعثون بالرسائل وحتى يتناولون وجباتهم، ويعملون أيضاً فنسبة كبيرة من المهن الحديثة تمر عبر تلك المنصات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الثابت أن التواصل الاجتماعي نفسه الذي من المفترض أن تلك المواقع بنيت من أجله يتراجع إلى مرتبة متأخرة، ولهذا هناك فئة ممن يمتلكون القدرة على الصمود اختاروا خصامها لهذا السبب، إذ يعتبرونها سبباً في العزلة، ويفضّلون عليها التواصل الحقيقي، لكن هل تلك المواقع هي السبب هنا أم الاستخدام السيئ لها واعتبارها بديلاً كاملاً عن الحياة الاجتماعية الواقعية هو قرار إنساني فردي بحت؟

الحقيقة أنه من فرط توغل العالم الافتراضي في الحياة الإنسانية بات الأشخاص الذين يعيشون من دون هذا العالم عملة نادرة، والجميع يتساءلون كيف تمر عليهم الأيام من دون الانهماك في المتابعة والملاحقة ومعرفة ما يحدث؟ وهل تكفيهم الوسائل التقليدية للبقاء على الاطلاع؟

"السوشيال ميديا" تحكم ثلثي كوكب الأرض

وفقاً لإحصاءات فإن نحو ثلثي سكان كوكب الأرض يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، بينما كبار السن هم الفئة الأقل استهلاكاً لمحتوى تلك المنصات، فهناك فئة كبيرة منهم يعيشون حياة خالية من "السوشيال ميديا" ليس عن قناعة، إنما عن تعوّد، وبسبب ظروف شخصية، وبينهم كبار السن من قليلي النصيب من التعليم على سبيل المثال.

فيما هناك فئة أخرى من المتقاعدين الطاعنين في السن كذلك فضّلوا الهدوء والابتعاد عن منغصات التكنولوجيا والاكتفاء بـ"واتساب" كوسيلة للتواصل مع المعارف فقط، وهي فئات عددها قليل، لأن حتى هناك ممن تنطبق عليهم شروط المجموعتين الأولى والثانية يجدون طرقاً للوجود بشكل فعّال على تلك المواقع التي قد تسلب لبهم من فرط الإبهار، إذ يبدو إدمان تلك المواقع في هذه المرحلة العمرية شيئاً ملحوظاً ومزعجاً بالنسبة إلى بعض العائلات، نظراً إلى تأثيره الكبير في الأجهزة العصبية والحيوية، وأبرزها حاسة النظر بشدة على سبيل المثال، وبينهم ناظر مدرسة متقاعد اقترب من الـ80 من عمره، إذ يعاني الوحدة بعدما استقل أبناؤه وأحفاده بحيواتهم، بينما هو يعيش بمفرده، ووجد تسليته في موقع "تيك توك"، إذ يرى ابنه الخمسيني أن والده يُستنزف تماماً، فهو يعتمد عليها بصورة كاملة رفيقاً له ومصدراً للأخبار والفكاهة والتواصل، والمعلومات المضللة أيضاً.

لكن بخلاف هذا فإن غالبية الفئات العمرية تلجأ لـ"السوشيال ميديا" لأسباب مختلفة، وفي بعض الأوقات رغماً عنهم بما فيهم التلاميذ الذين يتواصلون عبر المجموعات المغلقة للتشاور في شأن مواعيد الدروس وأيضاً لمتابعة الأنشطة المدرسية، وحتى كبار الموظفين إذا رغبوا في تركها، فهم يصادفون أنها مهمة أيضاً للمتابعة ونشر تحديثات مؤسساتهم أولاً بأول، إضافة إلى معرفة الأخبار، بخاصة الطارئة والعاجلة مثل أنباء الطقس وغيرها مما قد يترتب عليها قرارات يومية دقيقة، إضافة إلى قائمة طويلة من الوظائف التي يكون عملها مرتبطاً بمواقع التواصل الاجتماعي بشكل مباشر، ولا مفر من الوجود عليها.

 

ومع ذلك، لا تزال توجد فئة محظوظة ليس لديها ضغوط مهنية أو شخصية تجعلها مضطرة إلى الظهور عبر تلك المنصات، ولهذا يمكنهم بسهولة الانسحاب إذا ما أرادوا وإذا ما وجدوا أنها غير مناسبة لهم، إلا أن الأمر يبدو أكثر تعقيداً مما يبدو، فخصام عالم بات يتمحور حوله كل شيء، وبات المصدر الأول للمتابعة والمعرفة والتسلية والتواصل بحاجة إلى تأهيل وحيل متفردة، ويمكن أن تكون قصة المواطن إبراهيم ناصر مع مواقع التواصل الاجتماعي مؤشراً كاشفاً.

يلفت ناصر إلى أن "فيسبوك" هو المنصة الأساسية في كل شيء بالنسبة إليه، لكنه يقول إنه أغلق أكثر من 18 حساباً له على هذا الموقع الذي يفضّله بسبب عدم تحمله أي انتقاد حتى مهما كان بسيطاً، حتى لو كان هذا الانتقاد يأتي في إطار المزاح من قبل متابعيه الذين هم معارف وأقرباء بالأساس، مشيراً إلى أنه يعترف أن لديه أزمة في التعامل وتبدو مضاعفة حينما يجد أمامه تعليقاً سلبياً، سواء حول صورة أو رأي كتبه، وبعدها فوراً يقرر غلق الحساب، ثم فتح آخر جديد وهكذا، ويضيف أن الأمر في السابق لم يعد قاسياً إلى هذا الحد، أما الآن فالجميع ينتقدون أي تفصيلة ضارباً المثال بنشر الصور الشخصية، إذ يرى أنه لم يعد مسموحاً بالصور العادية، إذ لا بد أن تظهر بشكل شديد المثالية ومنمقة، وكأنها خرجت من تحت يدي مصور محترف كي تلقى إعجاب المتابعين.

ناصر حالياً مستمر مدة عامين بلا "سوشيال ميديا" نهائياً، مشيراً إلى أنه يعمل في مجال البيع والشراء بالتجزئة، ولا تؤدي تلك المنصات دوراً في مهنته، مؤكداً أنه لا ينقصه شيء إلا التسلية وتبادل الآراء مع قطاع أكبر من الناس، لكن في ما يتعلق بالمتابعة والمعرفة فهو لديه قائمة من مواقع الأخبار التي تعتبر مصدراً موثوقاً للأنباء المحلية والعالمية، معتبراً أن نفسيته باتت أهدأ كثيراً بعد التخلص من تلك الضغوط عبر المواقع الافتراضية.

التصفح السري

هذه القصة مرتبطة كثيراً بنمط آخر من التعامل مع تلك المنصات، وهو التخفي في حسابات بأسماء وهمية، إذ يختار البعض ممن يرفضون الاستسلام للضغوط والمتابعة الحثيثة والتواصل على مدى الساعة عبر "السوشيال ميديا"، أن يعلنوا أنهم لا يملكون بالفعل حسابات، إنما هم يتتبعون ويراقبون كل شيء عبر الحسابات الوهمية، وهو إن كان تصرفاً غريباً، ويثير الشكوك، ويحمل شيئاً من الخداع والتلصص من وجهة نظر البعض، فإنه لأصحابه يبدو حلاً ملائماً تماماً.

من بين هؤلاء إحدى الموظفات التي تعمل في قسم الائتمان بأحد البنوك الشهيرة التي ترى أن حياتها المهنية ضاغطة بما يكفي وليس هناك حاجة إلى أن تتبادل المشاركات مع متابعين عبر منصات "السوشيال ميديا"، لافتة إلى أنها ما دامت تظهر متاحة عبر برامج الدردشة فهي مطالبة بالرد والتواصل بشكل مكثف ولا أحد يتفهم رغبتها في تفريغ ذهنها والتصفح بصمت، واختيار من تريد التحدث معهم بشكل مختصر، ولهذا فقد اختارت طريقة التخفي، حيث لا تعتبر نفسها نشطة على تلك المواقع، وتفضّل أن تتابع كل ما هو ليس له علاقة بمجال عملها.

 

على رغم أن هذا الأسلوب يحرم المتخفين من التواصل الطبيعي والدردشة، إذ يجري الاكتفاء بالمشاهدة من بعيد من دون التورط بالتعليق أو المشاركة، وهذه النقطة بالذات هي أحد أبرز الأعراض الجانبية السلبية للابتعاد عن مواقع التواصل الاجتماعي وفق ما يشير موقع "سيكولوجي توداي" من خلال تحليل بحثي حمل عنوان "سيكولوجية الإقلاع عن وسائل التواصل الاجتماعي"، إذ يرى الموقع أن الشعور بالوحدة والملل أمر شبه حتمي عقب الإقلاع عن تلك المنصات، مشدداً على أن تقليل التوتر نتيجة إيجابية سريعة، إذ يشير التحليل إلى أن الدراسات أثبتت أن نسبة التوتر تنخفض بصورة ملحوظة حتى إذا ما أخذ الشخص فترات راحة قصيرة، لأن هذا يجنّبه التصفح الجنوني العصبي الباحث عن المكافأة، لكن التعامل مع فكرة الانفصال والوحدة تجعل كثيرين يترددون في اتخاذ تلك الخطوة.

أوهام المنصات

إلى جانب الأهمية الظاهرية المعروفة بوسائل التواصل الاجتماعي التي تتفاوت وفقاً لطبيعة كل منصة مثل "فيسبوك" و"إكس" و"إنستغرام" و"ثريدز" و"سناب شات" وحتى "لينكد إن" على رغم رسميته، وحتى منصة دونالد ترمب "تروث سوشيال"، مثل المشاركة وتكوين الصداقات والمعرفة المفيدة ومعرفة ما يجري حولنا وكذلك ممارسة مهن بأكملها من الألف إلى الياء من خلالها والبيع والشراء وتحقيق الدخل، ومتابعة الفنون والهوايات المفضلة، لكن هناك وظائف أخرى متعلقة بالبحث عن المفقودين وإنقاذ الأرواح وتكوين الصداقات وتبادل النصائح الموثوقة والبحث عن الأدوية النادرة وحتى إنقاذ المستغيثين.

لكن الثابت أن "السوشيال ميديا" ليست للجميع، ومن يختارون الابتعاد عنها يحاولون تعويض غيابها بأنشطة بديلة، والبحث أيضاً عن طرق للبقاء على قيد التكنولوجيا وعدم الشعور بأنهم خارج هذا العصر، ومنهم معلم الرياضيات خليل عبدالله، الذي وصف فكرة عدم القدرة على الاستغناء عن "السوشيال ميديا" بـ"الخدعة". لافتاً إلى أن حال الفوضى المعلوماتية تجعل مستخدميها يتوهمون أنهم من المستحيل أن يعيشوا من دونها، ثم يجدون أنفسهم يغرقون في مئات التدوينات والريلز والصور التي يتضح في ما بعد أن غالبيتها مضلل وغير مفيد لحياته أو لمجال عمله، ويرى المعلم لطلاب في المرحلة الإعدادية، أنه يمكنه عن طريق أدوات الذكاء الاصطناعي أن يحصل على ملخص لما يجري يومياً بطريقة بسيطة ومرتبة من دون أي خسائر في الوقت أو المجهود،

 

ويضيف "نحن نختصر شبكة الإنترنت كلها في ’السوشيال ميديا‘، وهذا غير حقيقي، فلا يزال بمقدوري متابعة الأخبار من مصادرها الموثوقة ومواقعها الأصلية وحتى الترندات المنتشرة بين تلاميذي يمكنني أن أعرفها بالطريقة نفسها، والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي بالنسبة إليَّ أيضاً بديل جيد للغاية للمناقشة اليومية، إضافة إلى أن أموراً مثل وصفات الطعام وجديد العلم، وكذلك الكتب سواء كتب صوتية أو ملفات للقراءة التقليدية، ومتابعة الأفلام والبرامج عبر التلفزيون التقليدي، أو تطبيقات الاستماع للأغاني، كل ذلك يحدث من دون إهدار وقت إضافي بلا طائل، إنه لا يمر عبر "السوشيال ميديا"، إذ يتبقى متسع لممارسة أنشطة مثل التنزه والرياضة وزيارات المعارف.

لا شيء يفوتك

التبريرات التي يسوقها من يأخذون هدنات طويلة من "السوشيال ميديا" أو حتى يعادونها تماماً تتلخص عادة في محاولة التخلص من فكرة المراقبة بشقيها سواء مراقبة الآخرين أو مراقبة الآخرين لهم، وحماية خصوصيتهم، وتعزيز الشعور بالأمان لعدم مشاركتهم معلوماتهم مع الغير أو مع الخوارزميات، ولهذا فالتحرر من فكرة أن شيئاً ما يمكن أن يفوت الشخص هو بداية التعامل بشكل اعتيادي في الحياة من دون النظر إلى الهاتف الذكي كل دقيقتين، وكأنه مصدر الماء والهواء.

وهذا النهج هو الذي تتبعه علياء رمضان، التي كانت ضحية لنصائح تجميلية مغلوطة عبر "تيك توك" كادت تفقدها بصرها، إذ تشير إلى أنها كانت تدمن مواقع التواصل الاجتماعي وتعتبرها وسيلة أساسية للمعرفة، لكنها لم تكن تنتقي مصدر المعلومة، إذ كانت ترى أن أي شخص لديه ملايين المتابعين فهو مصدر ثقة، ولن يدلي بفكرة خاطئة مضرة، لكنها تعلّمت هذه الخبرة بالطريقة الصعبة.

 

وتعتقد ربة المنزل والأم لأربعة أطفال، أن كل ما تحتاج إليه في أي مجال يمكن الحصول عليه بطرق أكثر موثوقية حتى لو كانت تقليدية، مؤكدة أن "السوشيال ميديا" سلبتها مهارات الرسم والقراءة والحس الإبداعي والمهارة الاجتماعية الودودة في التعامل البشري، وكانت عصبية بسبب الإرهاق في المتابعة القهرية التي لا تفيد، وعلى رغم أنها واجهت صعوبة في البداية، فإنها بعد ثلاثة أعوام اكتشفت أن البدائل أكثر أماناً وصدقية، وأن الطرق المعتادة للمعرفة صديقة للبيئة وللنفس والجسد والروح.

وعلى رغم أنها كانت تجد بعض السخرية الشبيهة بالتنمر من قبل المعارف الذين يتهمونها بأنها بعيدة من التكنولوجيا وعقلية قديمة، فإنهم يفاجأون بأن معرفتها باتت أعمق، وأنها باتت تمتلك حساً نقدياً في استقبال المعلومات التي يلتهمونها هم بسهولة من دون تريث، مشيرة إلى أنها لم تعد حتى شغوفة بالضغط على الروابط التي ترسلها صديقاتها وتحيلها لفيديوهات أو كوميكس متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تجد أن الحياة العادية صاخبة بما يكفي وليست بحاجة إلى مزيد من اللهاث.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات