Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوجبة الترند... هكذا شكلت السوشيال ميديا علاقتنا بالطعام

مشاركة صور الطعام الجذاب أصبحت هدفاً يسبق الاستمتاع بالتذوق والدراسات العلمية تشير إلى أن الفيديوهات "السامة" تشوّه المفاهيم الغذائية

تنتشر ترندات الطعام خلال دقائق عبر العالم من خلال تطبيقات التواصل الاجتماعي (مواقع التواصل)

ملخص

ترندات الأكل تنتشر خلال دقائق عبر العالم، من خلال تطبيقات التواصل الاجتماعي، وتجربة الوصفات التي تجتاح تلك المواقع لسبب أو لآخر تصبح أيضاً محتوى رائجاً بشدة، وهو أمر ليس كله سلبياً، بل على العكس، فكثير من المطابخ البسيطة في البيوت العادية يمكنها أن تنتج وصفات مثالية وتلائم الجميع، ونشر ثقافة الطعام من بلدان مختلفة قد يكون أمراً إيجابياً تماماً أيضاً. 

لذة الطعام تبدأ بالنظر أولاً، والعين تأكل قبل الفم أحياناً، ونأكل أولاً بأعيننا، مقولات قديمة متوارثة من حضارات مختلفة تبدو مرادفاً دقيقاً لما يحدث اليوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ باتت المنصات وكأنها وليمة ممتدة بلا نهاية، الكل يتفنن في إظهار جمال وجبته في شتى أنحاء الكرة الأرضية، إذ أصبحت العين تأكل وحدها وفي أغلب الأوقات الفم غير قادر على التذوق، فما تفعله تلك الصور هو إثارة الشهية تماماً، أو إشعار غير القادرين على امتلاك تلك الأطعمة بالحرمان، بينما قطاع كبير يهتم بالتقليد، فيتفاجأ أن الشكل الشهي للطعام ليس ضمانة أبداً على متعة التذوق.

دراسات متعددة استهوتها العلاقة التي تغيّرت تماماً بين الإنسان ووجبة طعامه، التي كان مفترضاً أن تسد جوعه وتتوافق مع تفضيلاته الشخصية، فيما كان الاستعراض يقتصر فقط على المناسبات الكبيرة. تلك الدراسات تناولت هوس استعراض الأطباق، واستعراض مواهب التذوق ومواهب الطهي، وكذلك نصائح الأكل، التي تجتاح السوشيال ميديا. ففي حين قد يكتسب البعض عادات صحية مفيدة بتعلم عادات مفيدة في المأكل والمشرب، لكن على ما يبدو أن الغالبية يفعلون العكس تماماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا على مستوى البدن، بينما على مستوى الصحة النفسية فالأمر يبدو أكثر تعقيداً، فالتقاط صور الطعام في تجمعات الأصدقاء والمحبين أصبحت هدفاً في حد ذاتها، وتتقدم على الاستمتاع بالوجبة في الصحبة الودودة، فمشاركة علامات السعادة وإثباتات الطعام الشهي عبر المنصات تبدو مثل حمى متصاعدة بعدما كان استعراض الطعام تصرفاً مستهجناً وفق الأعراف القديمة.

لكن، التأثيرات الأكثر تعقيداً تظهر تدريجاً، إذ ارتبطت جودة حياة الفرد في محيطه بجودة الصورة التي ينشرها عن نفسه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والأكل علامة أولية على هذه الجودة التي يجب أن يعترف بها المستخدمون، ومن هنا لم تعود وظيفة المأكل والمشرب فقط الإشباع أو الاستمتاع حتى، إنما عليه أن يؤدي مهاماً أخرى منها ما يتعلق بالطبقية، وإرسال رسائل نفسية واجتماعية معينة، ترضي الآخرين قبل أن ترضي هوى النفس.

الصورة قبل الصحبة

هنا زاوية تصوير طبق اللحوم لها الأولوية على تبادل التحية مع صديق وصل لتوه، وتناول البيتزا الساخنة يأتي في مرتبة متأخرة مقارنة بالتقاط فيديو يظهر مدى جودة الجبن المستخدم بها، والاستمتاع بشرب القهوة لا يساوي شيئاً أمام تحنيط لحظة تصاعد الدخان من الكوب وتسجيلها على الموبايل لتنشر وتحصد إعجابات المتابعين ومتابعي المتابعين، وحتى لم يعد معروفاً هل المشاركة في العالم الافتراضي هدفها المشاركة فعلاً أم التباهي؟! بخاصة أن اختيار الوجبة نفسها أصبح يخضع للصورة الذهنية المستقاة من المحتوى البصري المتدفق، فحتى طريقة التفكير في تناول وجبة ما لم يعد نزيهاً بل مرهون بالأفكار المتراكمة المأخوذة من السوشيال ميديا حول معنى الوجبة الشهية.

وبما أن الواقع يقول إن أكثر مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي عبر العالم هم من في مقتبل العمر، فإن التأثيرات الضارة تلحقهم في وقت حرج للغاية، أي وهم في بداية تشكيل وعيهم الصحي. وفي حين تحتل العلامات التجارية الخاصة بالوجبات السريعة الحصة الأكبر من سوق الطعام، ومن سوق الإنترنت أيضاً، فوفقاً لجامعة أوتاوا الكندية فإن هذه العلامات تسيطر بمفردها على نحو 60 في المئة من سوق منشورات المطاعم الاحترافية والأكثر شهرة، وتؤثر بملايين التدوينات المتضمنة صوراً وفيديوهات على مليارات المستخدمين، وأغلبهم من الأطفال والمراهقين، الذين قد ينجرون وراء أنماط أكل شديدة الضرر تؤثر في صحتهم وتصيبهم بالسمنة، وذلك وفقاً لدراسة محكمة نشرت في مجلة الصحة الرقمية التابعة للمكتبة العامة للعلوم، وهي ناشر أكاديمي عالمي معروف. فإنه ينبغي اتخاذ تدابير لحماية المراهقين من تلك التأثيرات، بخاصة بأن التعود على محتوى الطعام المبهج الضار يزيد من تقبلهم له ويقلل من جدوى أي نصائح صحية كانوا قد تعلموها من قبل.

 

اللافت أن تلك الدراسة أيضاً أشارت إلى أن الرجال أكثر تفاعلاً مع منشورات أطعمة الوجبات السريعة مقارنة بالنساء، إذ إن المحتوى البصري المبهر للطعام يعتبر أكثر جذباً إليهم، بينما النساء على ما يبدو أكثر تعقلاً في تلقي هذه المواد الترويجية.

وفي المقابل فإن النسبة الأكبر من الفود بلوغرز أو نقاد الطعام بالمعايير العصرية المتوافقة مع السوشيال ميديا هم من الرجال أيضاً، إذ تعتمد مهنة الذواقة هذه على تجربة أصناف معينة في مطاعم متنوعة وتصوير فيديوهات ترصد التجربة ورد الفعل الأوليّ على المذاق، ومن المفترض أن تلك المهنة تتمتع بالنزاهة والمصداقية، لكن تعليقات متنوعة تقول إن عدداً من ذواقي السوشيال ميديا تحولوا إلى مروجين لمطاعم بعينها، سواء أكان مستواها يرقى للمعايير أم لا، غير مهتمين بالصدقية مع المتابعين. من هنا دخلت تلك المهنة في دوامة من الخداع والتضليل وفقدت فكرتها الأساسية.

طبقات المكونات المتراكمة قبل الطعم

استحداث مهنة الفود بلوغر أو تطوير وتطويع مهنة ناقد الطعام الذي كان يذهب للمطاعم سراً وينشر تجربته في الصحف، جعل كثيرين ينجذبون إليها، نظراً إلى سهولتها وأصبحت مجالاً مستقلاً بذاته، لكنها أيضاً غيّرت معايير النظر للأكل الجيد تماماً، وأصبحت الوجبة التي تفتح الشهية مرهونة بتفاصيل معتادة تظهر في صور وفيديوهات هؤلاء الذواقة التي يسيل لها اللعاب وتفتح الشهية على الإنفاق على لو كانت التجربة النهائية غير مرضية، وأبرزها المبالغة في كم الجبن المذاب على أي طبق، استعراض صوت القرمشة الصارخ، والحجم الضخم، مع التفنن في وضع طبقات متعددة من المكونات بعضها فوق بعض. فلم يعد هناك مجال للأطعمة العادية البسيطة، فينبغي أن يكون الطبق معقداً ويحمل أسماء ومكونات متراكمة، كي يجذب أعين مستهلكي هذا المحتوى، الذين عادة يتخذون قراراتهم في نزهات الطعام بناء على تلك المراجعات، أو بمعنى أصح هذه البانوراما من الصور والفيديوهات الملونة، وعديد منهم يصدم عند مقارنة الواقع بما شاهدوه فعلياً في التجربة المروجة لها عبر الإنترنت.

تبرز من جديد فكرة التقليد التي تتضح في شكل آخر لا يتعلق بالمطاعم، إنما بتقليد أسلوب النظام الغذائي نفسه، إذ تنتشر من حين إلى آخر ترندات أطعمة ومشروبات كثيرة، وتصبح هوساً وكأنها علامة وحيدة على اللحاق بركب العصرية الغذائية، مثل الماتشا، وذلك على رغم أن عديداً من المصادر الطبية الموثوقة تشير إلى أنها غير ملائمة للجميع، وبينهم الأطفال تحت 13 عاماً على سبيل المثال، وهو ما يؤكده الدكتور طارق محمد، الذي يعمل في مجال المنتجات الغذائية الصحية منذ سنوات، مشيراً إلى أن مسحوق نبات الماتشا مفيد كمضاد للأكسدة، كذلك يحفز حرق الدهون والنشاط البدني أيضاً. لكنه يرى أنه تحول إلى ترند يسارع الكل بتقليده.

 

ويضيف أن صغار السن هم الأكثر إقبالاً على هذا المشروب على رغم أنه غير ملائم لهم أبداً بسبب احتوائه على نسبة عالية من الكافيين، وهم يحاولون محاكاة المشاهد التي يرونها على السوشيال ميديا، كذلك هو غير ملائم لمرضى الضغط والحوامل أيضاً، لافتاً إلى أن الماتشا من المنتجات الأكثر مبيعاً لديه، وعلى رغم حرصه على إيضاح محددات استخداماتها على العبوة بشكل واضح، فإنه يرى أن كثيرين لا يقتنعون بكلامه.

إذاً المأكل والمشرب لم تعد تحركه فقط التفضيلات الشخصية أو الجوع والعطش، ولا حتى القدرة المالية، إنما الرائج والسائد والترند، الصور الجذابة التي يبحث عنها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت تتحكم في ما يتذوقونه، فحتى لو كانت الماتشا غير لذيذة، فالأهم أنها تضع من يمسك كوباً مليئاً بها داخل دائرة الترند.

لكن الأمر قد يتعدى الماتشا وفكرة الطعام الشهي وغير الشهي، إلى ما هو أخطر بخاصة فيديوهات وصفات الطعام التي تعد متناوله بهدف إنقاص وزنهم والتمتع بقوام مثالي أو الالتزام بنظام غذائي يحتوي على سلطات بمكونات لا تمنح الجسم كفاية من الفيتامينات والمعادن، ولا حتى الطاقة. وهو ما جعل باحثين بجامعة فيرمونت الأميركية قبل سنوات يقرون في دراسة استهدفت تحليل 1000 مقطع يتعلق بالأنظمة الغذائية عبر "تيك توك" بأن كثيراً من فيديوهات الأنظمة الغذائية التي يروّج لها عبر هذا التطبيق تعتبر "سامة"، ولا تستند إلى أي معايير طبية، وتفسد علاقة المستخدمين تماماً بالطعام، لأنه كلما زادت قوة الأنفلونسر ودرجة تأثيره في جموع المتابعين، زاد ضرر اعتناق نصائحه من دون مراجعة، إذ أكدت الدراسة أن هؤلاء يعتمدون على جاذبيتهم الشخصية وشهرتهم في نشر ثقافة غذائية غير واقعية بل مشوهة، والأخطر أنها تعتمد لدى فئة غير قليلة من المتابعين، لا سيما أصحاب المعلومات المحدودة حول مفهوم الوجبات المتكاملة، والمعرضين بصورة كبيرة للإصابة باضطرابات الأكل، وهي حالات صحية جادة للغاية قد تؤدي إلى عواقب وخيمة.

جائحة الوصفات

ترندات الأكل تنتشر خلال دقائق عبر العالم، من خلال تطبيقات التواصل الاجتماعي، وتجربة الوصفات التي تجتاح تلك المواقع لسبب أو لآخر تصبح أيضاً محتوى رائجاً بشدة، وهو أمر ليس كله سلبياً، بل على العكس، فكثير من المطابخ البسيطة في البيوت العادية يمكنها أن تنتج وصفات مثالية وتلائم الجميع، ونشر ثقافة الطعام من بلدان مختلفة قد يكون أمراً إيجابياً تماماً أيضاً. فعلى سبيل المثال، أصبحت كثير من ربات البيوت يعتمدن وصفات أكثر يسراً لوجباتهن المعقدة، اكتشفوها من الطهاة الذين يتابعونهم عبر تلك المنصات سواء كانوا محليين أو عالميين، كذلك أصبحت الوصفات نفسها يسيرة للغاية بعدما كانت تعتبر سراً أسرياً تتداوله الأجيال عبر الجدات والأمهات من خلال مكونات مكتوبة في أوراق مهترئة.

إضافة إلى أن المطابخ العالمية باتت متأثرة ببعضها بعضاً، فالوصفات الخليجية باتت تنتشر إقليمياً، وبالعكس الأطباق المصرية التقليدية أصبحت ضيفة على الولائم في كثير من المطابخ محلياً وعالمياً، وفي حين كان زيت الزيتون ينتشر بصورة واسعة فقط في سيناء المصرية بشمالها وجنوبها بحكم طبيعة أراضيها التي تنمو فيها تلك الشجرة، أصبحت كثير من البيوت في بقية المحافظات تعتمد عليه أيضاً في أطباقها بعديد من الوصفات، وهذا كله بفعل ملايين الوجبات التي يتابعها الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

تقول خديجة إيهاب، التي تعمل في توريد منتجات غذائية لعديد من المتاجر الكبرى، إن الطلب على زيت الزيتون أصبح مضاعفاً خلال السنوات الأخيرة، لافتة إلى أنه قد يكون زيادة عدد الجاليات العربية في مصر في السنوات الأخيرة أحد الأسباب، لكنها لمست بنفسها تأثيرات فيديوهات مواقع التواصل الاجتماعي على هذا الأمر. مشيرة إلى أن الأمر نفسه أيضاً مع بعض الأعشاب والتوابل والمكسرات كخيارات صحية، ففي حين أنها أصناف شائعة وموجودة بشكل طبيعي في المتاجر، امتد الإقبال عليها لطبقات أكثر ومناطق لم تكن تعتمدها في نظامها الغذائي ولا وصفاتها المعتادة.

لكن ترندات الطعام الأكثر وضوحاً جاءت مع جائحة كورونا في 2020، حيث كان العامل مجبراً على البقاء في المنازل لشهور طويلة، وكان الناس يتفننون في مساعدة أنفسهم على تخطي هذا الظرف القاسي، فحاولوا تدليل معدتهم أملاً في تهدئة عقولهم ونفسيتهم، فكان صناع المحتوى يعلمون متابعيهم كيفية صنع وجبات الشارع ووجبات المطاعم الاحترافية بأسرارها في المنزل بطرق سهلة تناسب الجميع، والأمر امتد إلى جميع أنواع الوصفات تقريباً، من لحوم وأطباق رئيسة إلى مخبوزات وحلويات، إضافة إلى المشروبات التي تعزز المناعة، إذ يجد قطاع لا بأس به من المستخدمين أنفسهم في المطبخ يحاولون تنفيذ ما شاهدوه في تلك الفيديوهات لإسعاد عائلاتهم، إذ أسهمت جائحة الوصفات هذه في تهوين الوقت بعض الشيء في أثناء الحظر المنزلي الإجباري، وخففت ترندات الطعام بعض الشيء من أخبار تفشي الفيروس التي خيّمت بكآباتها على التايم لاين آنذاك.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات