Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لعنة الموارد الجديدة

كيف ستعيد المعادن الحيوية تشكيل الجغرافيا السياسية؟

في موقع لتعدين الكوبالت في سالمون بولاية أيداهو، مايو (أيار) 2024 (كارلوس باريا/ رويترز)

ملخص

قد تبدو اضطرابات عصر النفط أقل حدة إذا ما قيست بما قد يرافق صعود المعادن الحيوية، التي لا تهدد فقط بإحياء لعنة الموارد، بل تضيف إليها مستوى أخطر من التقلب التكنولوجي والجيوسياسي وعدم اليقين في الطلب وسلاسل الإمداد. الخطر لا يكمن في التنافس على الليثيوم والكوبالت والعناصر النادرة وحدها، بل في أن تتحول هذه الثروات نفسها إلى عبء على الدول الضعيفة إذا لم تقرن بحوكمة قوية، وتنويع اقتصادي، وشراكات طويلة الأجل تقلص الارتهان للصين وتقلبات السوق.

أحدثت الصدمات الناجمة عن الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في نهاية فبراير (شباط) الماضي ارتفاعاً حاداً في أسعار النفط، إذ قفز السعر من 64 دولاراً للبرميل قبل عام إلى 106 دولارات للبرميل الآن. وتنضم هذه الواقعة إلى سجل طويل من حظر النفط، والصدمات السعرية، وموجات التأميم، وحروب الموارد، التي جعلت من النفط المثال الكلاسيكي على الاضطراب المدفوع بالسلع الأساسية. لكن أنواع التقلب الاقتصادي والجيوسياسي التي طبعت عصر النفط قد تبدو محدودة إذا ما قورنت بالاضطرابات التي يستعد عصر المعادن الحيوية لإطلاقها.

منذ أواخر القرن الـ19، ومع تصاعد التصنيع في العالم وتراجع الفحم والبخار أمام محرك الاحتراق الداخلي، أصبح الوصول إلى النفط جزءاً لا يتجزأ عن القوة الوطنية. واليوم، يحمل ظهور المعادن الحيوية، مثل الكوبالت والليثيوم والنيكل والمعادن النادرة وعشرات المواد الأخرى الضرورية للتحول في مجال الطاقة والبنية التحتية الرقمية والأنظمة العسكرية المتقدمة، أوجه شبه مع ذلك التاريخ. فهناك طفرة جارية بالفعل: فبحسب وكالة الطاقة الدولية، ارتفع الطلب على الليثيوم في عام 2024 بنحو 30 في المئة، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف متوسط الزيادة السنوية خلال العقد الثاني من القرن الحالي، كما ارتفع الطلب على الكوبالت والغرافيت والنيكل بنسبة تراوحت ما بين ستة وثمانية في المئة لكل منها. أما أسعار المعادن النادرة الثقيلة، مثل الديسبروسيوم والتيربيوم، التي تعتمد عليها المحركات الكهربائية والأسلحة المتقدمة، فقد زادت بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 2020. وتتوقع الوكالة أن يكون الطلب على الليثيوم في عام 2040 أكبر بخمس مرات مما كان عليه في عام 2024، وأن ترتفع الحاجة العالمية إلى الكوبالت وغيره من المعادن النادرة ارتفاعاً حاداً.

يدفع هذا الطلب إلى تكثيف عمليات الاستكشاف في أنحاء العالم النامي، ويثير في الوقت نفسه احتمال ظهور جولة جديدة من لعنات الموارد في بلدان تفتقر إلى المؤسسات القادرة على الإدارة السليمة للطفرة المفاجئة في الثروة المعدنية. وتلوح في الأفق أخطار مألوفة من عصر النفط: استحواذ النخب على الثروة، وفشل التنويع الاقتصادي، وما يُعرف بـ"المرض الهولندي"، وهو مصطلح مستمد من تداعيات طفرة الغاز الطبيعي في هولندا، حين تؤدي الإيرادات المرتفعة من صادرات الموارد إلى رفع قيمة العملة المحلية، بما يضغط على الصناعات التصديرية الأخرى.

لكن القياس على عصر النفط يظل محدوداً. فالبلدان المصدرة للنفط واجهت تحديات كبرى، لكنها كانت تعمل ضمن نظام دولي يقوم على مؤسسات متعددة الأطراف فاعلة، وعملة احتياط مهيمنة، وقوة عظمى مستعدة، ولو بنحو غير كامل، لصون قواعد الاقتصاد العالمي. أما أوجه عدم اليقين التي تكتنف المعادن الحيوية، على المستويات البنيوية والجيوسياسية والتكنولوجية والمؤسسية، فهي أوسع مدى وأشد عمقاً، وتختلف جذرياً في طبيعتها. ولا يبدو أن ثمة من يتهيأ للتعامل معها. لذلك فإن الظن بأن عصر هذه المعادن لن ينتج إلا الأخطار ذاتها التي أفرزتها طفرة النفط، أو أن عالماً تقوده الطاقة المتجددة سيكون بالضرورة أقل اضطراباً جيوسياسياً، ليس إلا تقليلاً خطراً من حجم ما ينبغي للدول أن تستعد له.

قاعدة مستقرة

اتسمت العقود الأولى من عصر النفط بتقلبات حادة. ففي بدايات هذه الصناعة، كان الكيروسين المستخدم في الإضاءة هو السوق الرئيسة لها، لكن اختراع إديسون المصباح الكهربائي في ثمانينيات القرن الـ19 كاد يدفع النفط إلى حافة التهميش، قبل أن يعيد إليه البنزين ومحرك الاحتراق الداخلي أهميته. ثم، مع صعود السيارة، والسفن الحربية العاملة بالنفط، وصناعة البتروكيماويات في مطلع القرن الـ20، استقرت الاستخدامات النهائية للنفط، من النقل والتدفئة إلى البتروكيماويات وتوليد الكهرباء، ضمن منظومة متنوعة وواسعة الانتشار وتتسم بقدر نسبي من الاستقرار.

وحتى في تلك المرحلة المبكرة، وعلى رغم ما كان يثور أحياناً من خلاف حول القواعد التي تنظم إنتاج النفط وتكريره وتسعيره وتوزيعه، فإن الإطار العام الذي حكم هذه الصناعة ظل واضحاً. فقد بسطت حفنة من الشركات الأميركية والأوروبية الكبرى سيطرتها على القطاع، مستندة في ذلك إلى ترتيبات تجارية خاصة وامتيازات تفاوضت عليها مع الدول المنتجة، التي كانت في الغالب تملك هامشاً محدوداً للمساومة. لكن هذا النظام تلقى ضربة كبرى في الستينيات والسبعينيات من القرن الـ20، حين أطاحته منظمة "أوبك" ودول منتجة أكثر جرأة في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر تأميم الاحتياطات وانتزاع سلطة التسعير من الشركات. ومع أن هذا التحول كان مضطرباً، فإن المنطق الأساس للسوق ظل مفهوماً: من يملك الاحتياطات، ومن يحتاج إلى الإمدادات، وما الذي يحدد الأسعار. والأهم أن النظام الدولي كان قد امتلك بحلول ذلك الوقت أدوات لامتصاص الصدمات، إذ وفرت مؤسسات بريتون وودز، وهيمنة الدولار الأميركي، ونظام جيوسياسي مستقر نسبياً تقوده الدول الغربية، شبكة حماية في مواجهة اضطرابات الإمدادات وتقلبات الأسعار.

قامت تجارة النفط على بنية واضحة ومستقرة. فقد كانت معايير التسعير تُحدَّد في لندن ونيويورك وتحظى بقبول عالمي، وكانت النزاعات التجارية تُفصل في المحاكم التجارية الغربية أو عبر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار. أما التنسيق في شأن أمن الإمدادات، فكان يتم من خلال وكالة الطاقة الدولية التي أُسست عام 1974 لهذا الغرض تحديداً. وكان هناك أيضاً ضمان أمني أميركي ضمني يدعم تجارة النفط، إذ حافظ الوجود البحري الأميركي الواضح في الخليج على بقاء مضيق هرمز ممراً مائياً مفتوحاً.

ومع ذلك، لم يوزع عصر النفط مكاسبه بالتساوي. فقد غدت "لعنة النفط" عنواناً لمصير البلدان النامية الغنية بالموارد والضعيفة المؤسسات. إذ غذّت العائدات النفطية الفساد والسعي إلى الريع، ورسخت الحكام المستبدين، وأضعفت القطاعات غير الاستخراجية. كما أسهم التواطؤ بين الحكومات والشركات المتعددة الجنسيات في تكريس ترتيبات خدمت النخب وأعاقت التنمية الأوسع. ففي نيجيريا مثلاً، حيث وفّر النفط نحو 90 في المئة من عائدات الصادرات على مدى نصف قرن، تعاونت الحكومات المتعاقبة مع شركة "شل" وغيرها من الشركات الكبرى لاستخراج احتياطات دلتا النيجر، فيما بقيت المنطقة الأوسع غارقة في الفقر. وفي أنغولا، عملت شركة النفط الوطنية "سونانغول" بوصفها امتداداً للعائلة الحاكمة، ومرّرت الإيرادات عبر كيانات خارجية غير شفافة، بينما ظل نحو ثلث السكان يعيشون في فقر مدقع. أما في فنزويلا، فقد انتهى التعهد الذي أُطلق في منتصف القرن الـ20 باستخدام عائدات النفط لبناء اقتصاد صناعي حديث، بعد أربعة عقود، إلى اقتصاد مدمّر لا تزال الهيدروكربونات تمثل أكثر من 90 في المئة من صادراته. ومع ذلك، وعلى رغم هذه الاختلالات كلها، ظلت الدول المنتجة تعمل ضمن نظام دولي قائم، وتواجه طلباً يتغير ببطء شديد.

ازدهارات وانهيارات

لن يخلو عصر المعادن الحيوية من اختلالات عرفها العالم في عصر النفط، لكنه سيضيف إليها مستوى غير مسبوق من عدم اليقين. فقد قامت لعنة النفط على الارتهان لمصدر دخل يخلّف تشوهات اقتصادية وسياسية، لكنه كان يتمتع بقدر من الاستقرار. أما في حال المعادن الحيوية، فالمشكلة مختلفة: استثمارات ضخمة قد تُضخ في أصول سرعان ما تفقد جدواها إذا تخطاها التطور التكنولوجي.

ولنبدأ من جانب الطلب. فعلى مدى الجزء الأكبر من 100 عام، لم يكن للنفط بديل قابل للتوسع على نطاق مماثل، وكان منحنى الطلب عليه قابلاً للتنبؤ بدرجة كافية لتبرير الاستثمارات الطويلة الأجل التي اعتمدت عليها الصناعة. أما المعادن الحيوية، فتخدم بالفعل مجموعة متداخلة وسريعة التطور من الاستخدامات النهائية، مثل المركبات الكهربائية، وتخزين الطاقة بالبطاريات، وتوربينات الرياح، وأشباه الموصلات، وأنظمة الدفاع. كما تُستخدم معادن مختلفة لأغراض محددة يُرجح أن تظل في حال تغير مستمر. فالنيوديميوم، مثلاً، يُستخدم في مغناطيسات متقدمة توفر الدفع للطائرات المسيرة، والتيتانيوم الخفيف يوسع حدود تصميم الطائرات والصواريخ، ويمكن للغرافيت أن يساعد في خفض البصمة الصوتية للغواصات. لكن المتطلبات المادية الدقيقة لا تزال تتشكل بفعل المنافسة التكنولوجية. وقد تختلف كيمياء البطاريات السائدة في عام 2030 اختلافاً كبيراً عن تلك السائدة في عام 2025. وهكذا يراهن المستثمرون، والبلدان المنتجة، ومخططو سلاسل الإمداد جميعاً على أهداف متحركة.

هذا النمط ليس جديداً تماماً، لكن حجمه هذه المرة غير مسبوق. ففي العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى، كانت حقول النترات في تشيلي تزود العالم بمعظم احتياجاته من الأسمدة وبالقسم الأكبر من متفجراته العسكرية، وكانت النترات، في مرحلة من المراحل، تدر أكثر من نصف إيرادات الحكومة التشيلية. لكن هذه الصناعة انهارت خلال عقد واحد بفعل اختراق تكنولوجي واحد تمثل في تصنيع الأمونيا من النيتروجين الموجود في الغلاف الجوي. غير أن هذا النوع من الإزاحة التكنولوجية لم يعد يهدد سلعة واحدة أو منطقة بعينها فحسب، بل بات قادراً على قلب تجارة مواد كثيرة من بلدان عدة رأساً على عقب، وإرباك صناعات عدة في وقت واحد.

قد تختلف كيمياء البطاريات السائدة عام 2030 اختلافاً كبيراً عن كيميائها عام 2025

 

ولا تبدو صورة العرض في المعادن الحيوية أقل غموضاً. فترسباتها شديدة التركز جيولوجياً، وغالباً بدرجة تفوق تركز احتياطات النفط، كما أنها تقع في كثير من الأحيان في مناطق هشة سياسياً أو متنازع عليها وتعاني نزاعات مزمنة. وينطوي استخراجها، بدوره، على تعقيدات لا تعرفها عملية ضخ النفط الخام. والأهم أن مرحلتي المعالجة والتكرير، اللتين تحولان الخام إلى مواد قابلة للاستخدام، تتطلبان قدرة صناعية متقدمة تهيمن عليها الصين بدرجة لم يبلغها أي طرف منفرد في تاريخ النفط. فنحو ثلاثة أرباع الكوبالت العالمي يُكرَّر في الصين. كذلك تكرر الصين 60 في المئة من الليثيوم، و90 في المئة من المعادن النادرة، و95 في المئة من الغرافيت المستخدم في البطاريات.

وعلى النقيض من ذلك، لا تنتج دول "أوبك" اليوم سوى نحو 35 في المئة من النفط العالمي. وحتى في ذروة قوة المنظمة في سبعينيات القرن الماضي، لم تقترب حصتها السوقية من مستوى السيطرة الذي تمارسه الصين على تكرير المعادن الحيوية. علاوة على ذلك، تُصاغ سياسات "أوبك" من جانب مجموعة غير منضبطة من الحكومات التي تتباين مصالحها كثيراً وبصورة علنية. أما سياسات الإمداد الصينية فتصوغها دولة واحدة شديدة المركزية. وقد يبدو هذا التركيز مصدراً للاستقرار، لكنه يسمح أيضاً بخنق إمدادات المعادن الحيوية، في إطار مناورات جيوسياسية حكومية، بطريقة لم يعرفها النفط قط. فمنذ عام 2023، أظهرت بكين على نحو متزايد استعدادها لتعطيل سلاسل إمداد المعادن الحيوية، من خلال تقييد صادرات الغاليوم والجرمانيوم، وتشديد القيود مراراً على التراخيص التجارية الخاصة بسبعة عناصر من العناصر النادرة. ولم يكن في مقدور أي دولة عضو في "أوبك" أن تنفذ خطوة مماثلة بمفردها.

كثيراً ما وجد قادة الاقتصادات الغنية بالوقود الأحفوري أن التنويع داخل القطاع الاستخراجي، لا خارجه، هو الخيار الأنسب سياسياً واقتصادياً. وقد تبدو المعادن الحيوية امتداداً سلساً للترتيبات السياسية والاقتصادية القائمة: فهي تعد بالريع، وتعتمد على أشكال مألوفة من التعاون بين الدولة والشركات، وتتجنب الإصلاحات المؤسسية الصعبة اللازمة لتنويع صناعي أوسع. غير أن المعادن الحيوية تولد ريوعاً أصغر بكثير وأكثر غموضاً من النفط والغاز، كما أن استخراجها وتكريرها أكثر كثافة في استخدام العمالة، وأسواقها الأساسية قابلة للتحول السريع. ولذلك، لا تستطيع الأنظمة السياسية والاقتصادية التي أدارت النفط أن تتحول ببساطة إلى إدارة الثروة المعدنية.

منافسة بلا قواعد

يكمن الفارق الأهم في السياق الجيوسياسي. فالنظام النفطي القائم على القواعد، الذي تبلور في نهاية المطاف واستطاع تثبيت الأسعار وتسوية النزاعات وامتصاص الصدمات، اعتمد على اضطلاع الولايات المتحدة بدور الضامن النهائي للاقتصاد العالمي، وهو دور تبدو واشنطن اليوم أقل استعداداً بكثير لأدائه. وخلال الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفياتي خصماً عسكرياً، لكنه لم يكن منافساً اقتصادياً حقيقياً، إذ كان النظامان منفصلين إلى حد كبير. أما التوتر الثنائي القطب القائم اليوم بين بكين وواشنطن، فهو مختلف نوعياً. فالصين هي في الوقت نفسه أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في نطاق واسع من السلع المصنّعة، ومنافسها الاستراتيجي الرئيس، والطرف المهيمن على معالجة المعادن التي يحتاج إليها البلدان لمستقبلهما الاقتصادي والعسكري.

إن التفكك الذي سرّعته إدارة ترمب من خلال تصعيد الرسوم الجمركية والدبلوماسية الخشنة ليس اضطراباً موقتاً. فقد بدأ بالفعل في إطلاق عملية إعادة تنظيم هيكلية للاقتصاد العالمي، لا يزال شكلها النهائي مجهولاً على نحو حقيقي. فمن يُعد "صديقاً"؟ وأي سلاسل إمداد يمكن الوثوق بها؟ وأي معايير ستحكم التجارة في هذه المواد؟ في ما يتعلق بالنفط، كانت لهذه الأسئلة بعد عام 1945 إجابات مستقرة نسبياً. أما اليوم، فلا إجابات مستقرة لأي منها.

ألحقت انهيارات أسعار النفط في أعوام 1986 و1998 و2014 أضراراً جسيمة بالدول المنتجة. لكن، بعد تلك الصدمات، عادت مستويات الإنتاج والأسعار إلى متوسطاتها الطويلة الأجل. كان الضرر بالغاً، لكن النفط نفسه لم يتحول إلى أصل فاقد الجدوى. أما ما يميز عصر المعادن الحيوية فهو هذا الاحتمال تحديداً: أن ينهار الطلب على معادن بعينها من دون أن يعقبه استقرار جديد، لأن التكنولوجيا التي أوجدت ذلك الطلب تكون قد تجاوزتها. وهذه هي الحال التي وصفها الاقتصادي فرانك نايت بـ"عدم اليقين بالمعنى الدقيق": ليس الأمر مجرد أخطار يمكن قياسها وتسعيرها، بل هو قدر من المجهول لا يمكن تبديده. فالمسار التكنولوجي غير محسوم، والبنية الجيوسياسية غير مستقرة، والبيئة التنظيمية نفسها غير واضحة: من سيضع المعايير؟ ومن سيفرض قواعد الاستخراج؟ ومن سيفصل في نزاعات الإمداد؟ وكذلك تبقى وتيرة التحول في مجال الطاقة، ومن ثم توقيت الطلب وحجمه، أموراً غير مؤكدة.

وقد بدأت أوجه عدم اليقين هذه بالفعل في تشويه الخيارات الاقتصادية والسياسية للدول. فقد أمضت جمهورية الكونغو الديمقراطية عقداً كاملاً وهي تنظم حساباتها القومية على أساس الكوبالت، وهي تنتج اليوم نحو 70 في المئة من الإمدادات العالمية. لكن الطلب على الكوبالت أعادت رسمه قرارات تتعلق بكيمياء البطاريات اتُّخذت في مختبرات صينية. فقد أدى صعود بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، الخالية من الكوبالت، إلى هبوط أسعار الكوبالت بأكثر من النصف بين عامي 2022 و2024. وفي مطلع عام 2025، علّقت الحكومة الكونغولية الصادرات بالكامل في محاولة لوقف هذا التدهور. أما إندونيسيا، في المقابل، فسعت إلى تفادي لعنة الموارد التقليدية عبر حظر تصدير خام النيكل غير المعالج، والعمل بدلاً من ذلك على بناء صناعة محلية للتكرير ومواد البطاريات. لكنها فعلت ذلك بكلفة باهظة: اعتماد شبه كامل على رأس المال الصيني، والتكنولوجيا الصينية، والأسواق الصينية.

درهم وقاية خير من قنطار علاج

من دون حوكمة قوية، لن تقتصر طفرات المعادن على إعادة إنتاج الأعراض المعروفة للعنة الموارد، بل ستفرز أيضاً أشكالاً جديدة بالكامل من التقلب. ولا يبدو أن هناك قوة واحدة مستعدة لضمان نظام تجاري مستقر. لذلك، ستجد البلدان المنتجة نفسها مضطرة إلى التفاوض على جيل جديد من الشراكات مع حكومات الدول المشترية وشركاتها، تقوم على منح أولوية في الإمدادات مقابل ضمانات لطلب طويل الأجل، وحدود دنيا للأسعار، وتمويل للمشاريع المحلية. وهناك بالفعل اتفاقات آخذة في التبلور يمكن أن تقدم نماذج أولية، وإن كانت لا تزال دون مستوى التحدي. فأوكرانيا، التي تملك رواسب وفيرة من الليثيوم والعناصر النادرة والتيتانيوم، أبرمت اتفاقات مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ويمكن تطوير هذه الاتفاقات بحيث تربط حقوق الاستخراج باستثمارات مشتركة في التكرير وتصنيع المكونات داخل أوكرانيا نفسها، وبعقود شراء تمتد أعواماً طويلة، بما يضمن لكييف تدفقات إيرادات مستقرة. وكذلك تبدو الشراكات الاستراتيجية التي أبرمها الاتحاد الأوروبي أخيراً مع تشيلي وناميبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ولا سيما في مجالات الليثيوم والكوبالت والنحاس، نماذج مفيدة يمكن البناء عليها.

أما البلدان المشترية، فسيكون عليها أن تتعاون إذا أرادت الحد من هيمنة الصين على عمليات المعالجة. فقانون خفض التضخم في الولايات المتحدة، وقانون المواد الخام الحيوية في الاتحاد الأوروبي، وبرامج التخزين في اليابان وكوريا الجنوبية، لن تكتسب فاعلية حقيقية ما لم يجرِ تنسيقها في ما بينها. وتشكل "شراكة أمن المعادن"، التي أُطلقت عام 2022 وتضم 14 اقتصاداً، نواة أولية لهذا التنسيق، لكنها ستظل في حاجة إلى التزامات ملزمة التمويل المشترك، وقواعد متسقة تضمن الشفافية والاتساق في متطلبات المحتوى بين مختلف المعادن، وعقود شراء مشتركة، وهي كلها وظائف كان يمكن لوكالة دولية للمعادن أن تضطلع بها لو كانت موجودة.

ستحتاج الدول المنتجة للمعادن الحيوية إلى التفاوض على جيل جديد من الشراكات

 

ويمثل وضع المعايير تحدياً كبيراً. فالجهود التي تبذلها البلدان المشترية لفرض معايير طوعية على الصناعات الاستخراجية يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً. فقد ساعدت مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، التي أُطلقت في النرويج عام 2003، في مكافحة الفساد وضمان توجيه عائدات الموارد إلى استخدامات منتجة. كما توفر مبادرة ضمان التعدين المسؤول، التي أُطلقت عام 2006، تقييماً مستقلاً قيّماً لمواقع التعدين على النطاق الصناعي، تحت إشراف متوازن يضم القطاع الخاص والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والعمال. كذلك ساعد دليل العناية الواجبة الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2010 الشركات على الحصول على المعادن من المناطق المتأثرة بالنزاعات أو العالية الأخطار بدرجة أكبر من المسؤولية. وينبغي توسيع هذه الأطر لتشمل المعالجة أيضاً، حيث تهيمن القدرات الصينية، وحيث تكون المعايير البيئية والعمالية في الغالب الأضعف. وسيكون إنشاء نظام معايير تتبناه شركات تعدين المعادن الحيوية، ويحترم حقوق الإنسان، ويتعامل بمسؤولية مع مناطق النزاع، ويحافظ على المعايير البيئية والعمالية، خطوة أولى جيدة.

ومع ذلك، لا شيء من هذه التحولات كفيل بتحصين الدول من الخطر الذي يميز المعادن الحيوية عن النفط أكثر من أي شيء آخر: إمكان انهيار منحنيات الطلب فجأة بفعل التطور التكنولوجي. وهنا تبرز الحاجة إلى أدوات مالية ملائمة. وللحد من الاندفاع نحو استثمارات قد يثبت ضعف جدواها، ينبغي للمنتجين والمكررين تجنب العقود القصيرة الأجل، حتى لو لم يكن الطلب الطويل الأجل مؤكداً بعد. وعليهم أن يشترطوا على المشترين التزام عقود طويلة الأجل إذا أرادوا الحصول على الإمدادات من الأساس، على غرار ما فعلته اليابان لعقود لتأمين إمدادات خام الحديد والغاز الطبيعي المسال من أستراليا. كذلك ينبغي تصميم صناديق الثروة السيادية بما يراعي الأخطار الكامنة في سلاسل إمداد المعادن الحرجة، على مثال الصندوق النرويجي القائم على فرضية أن الطلب على الهيدروكربونات آخذ في التراجع.

ومع ذلك، لا تستطيع حتى أفضل العقود تصميماً أن تعوض الحاجة الأعمق إلى بناء محركات نمو خارج القطاعات الاستخراجية. فالثروة المعدنية قد تمنح البلدان وقتاً للاستثمار في التعليم والبنية التحتية والقدرات التنظيمية التي تحتاج إليها القطاعات غير الاستخراجية، لكن ذلك مشروط بأن تتعامل الحكومات المنتجة مع الريوع بوصفها جسراً لا غاية نهائية. وحدهما قوة المؤسسات والتنويع الاقتصادي كفيلان بتأمين صمود طويل الأجل. وسيحدد مدى نجاح الدول في تحقيق هذا التوازن، على امتداد عشرات البلدان المنتجة المختلفة، ما إذا كانت المعادن الحرجة ستصبح قاعدة لاقتصاد عالمي أكثر استقراراً وعدالة، أم مصدراً لهزات جيوسياسية جديدة.


ترجمة عن "فورين أفيرز" 30 أبريل (نيسان) 2026

رباح أرزقي مدير البحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وزميل أول في كلية كينيدي بجامعة هارفارد. شغل سابقاً منصب نائب الرئيس وكبير الاقتصاديين في بنك التنمية الأفريقي، وكبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي.

فريدريك فان دير بلوخ أستاذ الاقتصاد في جامعة أكسفورد وزميل باحث في مركز بحوث السياسات الاقتصادية. وهو عضو سابق في البرلمان ووزير دولة سابق للتعليم والثقافة والإعلام في هولندا.

مايكل روس أستاذ في قسم العلوم السياسية ومعهد البيئة والاستدامة في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء