Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يصعب كسر قبضة الصين على المعادن الحيوية؟

العناصر الأرضية النادرة.. سلاح بكين الصامت في الاقتصاد العالمي

تخطط واشنطن لإنشاء صندوق بقيمة 12 مليار دولار يهدف إلى تكوين مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية (رويترز)

ملخص

أطلقت إدارة ترمب حزمة من الإجراءات لبناء سلسلة توريد بديلة، شملت الاستثمار المباشر في شركات التعدين والمعالجة المحلية، وتوفير التمويل لمشروعات تمتد من البرازيل إلى أستراليا، والسعي لتشكيل تحالفات دولية في مجال المعادن الحيوية.

في قلب التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا منخفضة الانبعاثات، تمسك الصين بخيوط مواد لا غنى عنها للعالم الصناعي الحديث، فهي المورّد الأبرز للمعادن الأساسة التي تدخل في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، ومغناطيسات توربينات الرياح، وغيرها من تقنيات المستقبل.

ومع تسارع نمو هذه الصناعات، باتت هيمنة بكين مصدر قلق متزايد للدول الساعية إلى المنافسة وتأمين سلاسل إمداد مستقلة.

وقد بلغ هذا القلق ذروته في عام 2025، حين بدأت الصين تقييد صادرات العناصر الأرضية النادرة رداً على الرسوم التجارية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مما حوّل المعادن الحيوية من مورد صناعي إلى ورقة ضغط جيوسياسية، وأشعل سباقاً عالمياً لكسر قبضة الصين على هذه الموارد الاستراتيجية.

وأطلقت إدارة ترمب حزمة من الإجراءات لبناء سلسلة توريد بديلة، شملت الاستثمار المباشر في شركات التعدين والمعالجة المحلية، وتوفير التمويل لمشروعات تمتد من البرازيل إلى أستراليا، والسعي لتشكيل تحالفات دولية في مجال المعادن الحيوية.

كذلك تخطط لإنشاء صندوق بقيمة 12 مليار دولار يهدف إلى تكوين مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية، على غرار الاحتياط النفطي الاستراتيجي الأميركي.

ما هي المعادن الحيوية؟

سعت الدول منذ زمن طويل إلى تأمين إمدادات المواد التي تعتبرها أساسة لقدراتها الصناعية والعسكرية، وقد استوفت نحو 50 عنصراً معدنياً وخاماً هذه المعايير في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، من بينها الليثيوم، والغرافيت، والكوبالت، والمنغنيز، والعناصر الأرضية النادرة وهي عناصر تتمتع بخصائص كيميائية فريدة تجعلها لا غنى عنها في تصنيع بعض المنتجات الكهربائية والإلكترونية والمغناطيسية والبصرية.

وقد جرى اختيار معظم المعادن الحيوية لدورها في بناء البنية التحتية اللازمة لخفض انبعاثات الكربون المسببة لتغيّر المناخ، وهي مهمة تحظى بدعم مئات المليارات من الدولارات عبر الإعانات والحوافز الضريبية، كذلك تُستخدم بعض هذه المعادن في أشباه الموصلات خصوصاً بالاتصالات المدنية والعسكرية.

لماذا يُعدّ تأمين المعادن الحيوية تحدياً؟

على رغم من أن توافر عديد من المعادن الحيوية بكميات كبيرة في حالتها الخام في أنحاء العالم، فإن استخراجها وتنقيتها إلى شكل قابل للاستخدام عملية معقدة تقنياً، كثيفة الاستهلاك للطاقة، وملوِّثة للبيئة وقد نجحت الصين في الهيمنة على سلاسل القيمة لعديد من هذه المنتجات.

وحتى في حالة المعادن الأكثر وفرة مثل النحاس، فإن النمو الهائل في الطلب يعني احتمال عدم كفاية المعروض، ففي عام 2023، صنف الاتحاد الأوروبي النحاس والنيكل لأول مرة ضمن المواد الخام الحيوية، على رغم توافرهما في مناطق عديدة حول العالم.

أما في ما يتعلق بالعناصر الأرضية النادرة، فعلى على رغم تراجع حصة الصين من إجمال الإمدادات خلال العقد الماضي، فإنها لا تزال تسيطر بصورة شبه كاملة على عمليات معالجة هذه المواد، لا سيما العناصر "الثقيلة" الحيوية التي خضعت لقيود تصدير، وحتى عام 2025، كانت الصين تُنتج تقريباً جميع مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة في العالم.

لماذا يشكل الاعتماد على الصين في المعادن الحيوية مشكلة للدول الغربية؟

يسعى المصنعون عادة إلى تجنب الاعتماد المفرط على دولة واحدة في التوريد، لأن ذلك يعرضهم لأخطار في حال تعرض الإنتاج الصناعي في تلك الدولة لاضطرابات ناجمة عن نقص الطاقة أو الأوبئة أو الاضطرابات الاجتماعية.

وفي حالة الصين، تبرز أيضاً أخطار انقطاع الإمدادات بسبب التنافس الاقتصادي أو الخلافات الدبلوماسية.

فقد نجح الرئيس شي جينبينغ العام الماضي في تسليح قبضة بلاده على إمدادات العناصر الأرضية النادرة لدفع ترمب إلى مفاوضات تجارية أسفرت عن هدنة لمدة عام واحد، وجاء ذلك بعد قيود سابقة على مواد أخرى متخصصة لكنها مهمة، مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون والتنغستن والغرافيت.

وفي الرابع من أبريل (نيسان) 2025 بعد أيام قليلة من أكبر هجوم تجاري شنّه ترمب فرضت بكين ضوابط تصدير على سبعة عناصر أرضية نادرة، مما أثار حالة من الذعر بين المصنعين حول العالم.

ومع اقتراب المفاوضات التجارية من ذروتها، كشفت الصين عن خطط لقيود أشد، شملت السعي لفرض ولاية قضائية "عابرة للحدود" على المنتجات المتداولة عالمياً التي تحتوي حتى على كميات ضئيلة من مواد ذات منشأ صيني.

وبموجب هدنة التجارة التي استمرت عاماً واحداً مع ترمب، علق شي تلك الإجراءات النووية وتعهد الحفاظ على إمدادات كافية من المعادن الأخرى الخاضعة للرقابة، مقابل خفض ترمب للرسوم الجمركية وتخفيف القيود على بعض الشركات الصينية.

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، إن تدفقات العناصر الأرضية النادرة تسير كذلك هو متوقع بموجب ذلك الاتفاق.

كيف أصبحت الصين مهيمنة إلى هذا الحد في مجال المعادن الحيوية؟

في وقت مبكر يعود إلى عام 1992، ومع تسارع النمو الاقتصادي، بدأ الطلب على السلع الصناعية يتجاوز بكثير الاحتياطات المحلية.

وردت الحكومة باستثمارات ضخمة في أصول التعدين خارج البلاد، ونجحت تدريجاً في الهيمنة على عمليات التكرير والمعالجة لعديد من السلع الصناعية، إضافة إلى مجموعة من المنتجات الثانوية النادرة ومع دخول الصين بقوة، انسحبت الشركات الغربية، مفضلة الاستعانة بمصادر خارجية للإنتاج.

وتُعدّ الصين اليوم، المنتج الأكبر لـ20 مادة خاماً حيوية، استناداً إلى حصتها من الإنتاج العالمي سواء في التعدين أو التكرير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حالة عنصر الديسبروسيوم الأرضي النادر، المستخدم في الإضاءة وأشعة الليزر، تتحمل الصين مسؤولية 84 في المئة من الإمدادات المستخرجة و100 في المئة من الإنتاج المكرر، وفق تحليل للاتحاد الأوروبي.

كذلك تُعد البلاد أكبر منتج للأشكال المكررة من الكوبالت والنيكل، واستثمرت الشركات الصينية بكثافة في مناجم هذين المعدنين في دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وإندونيسيا.

وبحسب البيت الأبيض، تعتمد الولايات المتحدة بنسبة 100 في المئة على الواردات لما لا يقل عن 15 معدناًحيويًا، فيما يأتي 70 في المئة من شحنات العناصر الأرضية النادرة الأميركية من الصين.

ماذا يفعل المنافسون الاقتصاديون للصين حيال ذلك؟

لم تبدأ الجهود الرامية إلى الحد من هيمنة الصين على سلاسل توريد المعادن الحيوية مع أحدث جولة من النزاع التجاري بين واشنطن وبكين.

فقد تحرّكت اليابان قبل أكثر من عقد لتقليل اعتمادها على العناصر الأرضية النادرة الصينية، بعد أن فرضت بكين حظراً فعلياً على صادرات هذه المواد إلى طوكيو.
كذلك سعى "قانون خفض التضخم" الذي أقره الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إلى تقليص الاعتماد الاقتصادي على خصوم أجانب.

لكن خطوة شي في ملف العناصر الأرضية النادرة العام الماضي، إلى جانب سياسة ترمب التجارية "أميركا أولاً" الهادفة إلى تعزيز الصناعة الأميركية، سلطتا الضوء على أخطار الاعتماد على سلاسل توريد هشة كذلك لم يحدث من قبل.

وأرجأ ترمب فرض رسوم جمركية على المعادن الحيوية بينما يسعى لإبرام اتفاقات مع دول أخرى لتأمين إمدادات طويلة الأجل والحماية من المنافسة الصينية منخفضة الأسعار.

وفي أوائل فبراير (شباط) 2025، أعلن البيت الأبيض عن "مشروع فولت"، وهو برنامج لتخزين المعادن الحيوية بقيمة 12 مليار دولار، مع تعهد شركات صناعية عملاقة بالمشاركة، من بينها "جنرال موتورز" و"بوينغ" و"ألفابت" المالكة لــ"غوغل"، إضافة إلى بيوت تجارة كبرى، وتتخذ حكومات أخرى بعض الخطوات أيضاً، وإن كانت أقل شمولاً من الولايات المتحدة.

فخطة الاتحاد الأوروبي تتضمن إنفاقاً بنحو 3 مليارات يورو هذا العام إلى إنهاء الاعتماد على المواد الخام الصينية، وإنشاء هيئة جديدة للإشراف على الاستثمارات وبناء المخزونات، كذلك أطلقت الهند بدورها جهوداً لتطوير مواردها المحلية.

كذلك أن أسواق بعض المعادن الحيوية صغيرة إلى حد أن إضافة قدرات إنتاجية جديدة محدودة قد تكون كافية لتعزيز الإمدادات وتلبية الطلب، لكن أسواقاً أخرى أكثر تعقيداً.

وتُعدّ هيمنة الصين شبه الكاملة على العناصر الأرضية النادرة الثقيلة والمغناطيسات تحدياً كبيراً، نظراً لندرة المواد الخام القابلة للاستغلال، ومحدودية قدرات المعالجة، وغياب الخبرات الصناعية المتراكمة في أماكن أخرى.

اقرأ المزيد