ملخص
تصاعد التنافس بين الصين والولايات المتحدة في أميركا اللاتينية على خلفية أزمة مرتبطة بالموانئ والسفن في بنما. وأدى النزاع إلى تحرك إقليمي داعم لبنما، وسط اتهامات موجهة لبكين باستخدام أدوات اقتصادية للتأثير في السيادة والتجارة البحرية وإظهار نفسها "كقوة متنمرة"، كما هو معروف عنها في أماكن مثل بحر الصين الجنوبي. وتبرز واشنطن كفاعل رئيس يسعى إلى احتواء النفوذ الصيني عبر تحالفات إقليمية وإجراءات اقتصادية وأمنية، في وقت توسعت استثمارات الصين وشراكاتها في المنطقة خلال العقدين الماضيين.
طوال أكثر من عقدين، استطاعت الصين تطوير علاقات اقتصادية وثيقة مع كثير من دول أميركا اللاتينية، حيث أصبحت ثاني أكثر شريك تجاري لها بعد الولايات المتحدة، مما منحها نفوذاً متزايداً دفع بتصعيد المنافسة في منطقة كثيراً ما اعتبرتها واشنطن فناءها الخلفي.
وأخيراً، استطاعت واشنطن تعزيز تحالفاتها مع دول أميركا اللاتينية لتقليص النفوذ الصيني، من خلال ائتلاف يجمع خمس دول وهي بوليفيا وكوستاريكا وغويانا وباراغواي وترينداد وتوباغو، يدعم بنما في نزاعها مع الصين حول قناتها، حيث وصفت تصرفات بكين بأنها تهديد لمجمل هذه البلدان.
ويتعلق النزاع بإقدام بنما على وضع يدها على ميناءي "بالبوا" و"كريستوبال" اللذين كانت تديرهما سابقاً شركة "موانئ بنما" التابعة لمجموعة "سي كي هاتشيسون" في هونغ كونغ، بموجب عقود امتياز تعود لعام 1997، عقب قرار أصدرته المحكمة العليا البنمية في يناير (كانون الثاني) الماضي. واعتبرت شركة "موانئ بنما" هذا الإجراء "استيلاء غير قانوني"، ومنذ ذلك الحين تواجه بكين اتهامات باحتجاز ناقلات ترفع علم بنما.
تحالف الدول الست
وانضمت الدول الخمس من أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي إلى الولايات المتحدة الثلاثاء الماضي لإصدار بيان مشترك، أكدت فيه أنها تراقب "الضغوط الاقتصادية الصينية الموجهة والإجراءات الأخيرة التي طاولت السفن التي ترفع علم بنما". وجاء ضمن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية أن تصرفات الصين "محاولة واضحة لتسييس التجارة البحرية والتعدي على سيادة دول نصف الكرة الأرضية لدينا"، مضيفاً أن "بنما هي ركيزة أساسية لنظامنا التجاري البحري، بالتالي يجب أن تبقى بمنأى عن أية ضغوط خارجية لا داعي لها"، وأشار إلى أن "أية محاولات لتقويض سيادة بنما تمثل تهديداً لنا جميعاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشكلت السفن التي ترفع علم بنما 91 سفينة من أصل 123 سفينة احتجزتها سلطات الموانئ الصينية للتفتيش في مارس (آذار(الماضي، وفقاً لتحليل أجرته شركة "لودستار" لسجلات صادرة عن 22 سلطة بحرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وفي فبراير (شباط (الماضي، احتجزت الصين 45 سفينة فقط من بينها 19 سفينة بنمية، في حين ردت بكين على البيان الأميركي، مؤكدة أن عمليات التفتيش كانت روتينية ومتوافقة مع القوانين واللوائح.
قناة بنما
وجاء قرار المحكمة العليا تتويجاً لصراع دام عاماً كاملاً حول بنما وقناة بنما، وهي ممر مائي يبلغ طوله 80 كيلومتراً يمر عبره نحو خمسة في المئة من التجارة البحرية العالمية، وازدادت هذه النسبة منذ إغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام معظم السفن التجارية خلال الحرب الإيرانية.
وشيدت الولايات المتحدة قناة بنما بين عامي 1904 و1914، مما وفر طريقاً بديلاً أسرع بكثير بين المحيطين الأطلسي والهادئ مقارنة بالالتفاف حول رأس هورن في جنوب تشيلي، ثم تنازلت عن السيطرة الكاملة عليها لبنما عام 2000.
وأشارت صحف أميركية إلى أهمية قناة بنما بالنسبة للولايات المتحدة التي تعتمد بصورة كبيرة على القناة، إذ تخدم 40 في المئة من حركة نقل الحاويات في البلاد، ويعتمد عليها أيضاً سلاح البحرية الأميركية لنقل السفن بين المحيطين الهادئ والأطلسي.
وحذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومسؤولون آخرون في إدارته مراراً وتكراراً من النفوذ الصيني على القناة، وهو ادعاء نفته الصين وبنما. وفي مستهل إدارته الثانية، طالب ترمب باستعادة قناة بنما، معتبراً أن "سيطرة" بكين عليها تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي، وتعهد بـ"منع منافسين من خارج نصف الكرة الغربي" من السيطرة على "الأصول الحيوية استراتيجياً".
نفوذ الصين في المنطقة
وشهد دور الصين في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي نمواً سريعاً منذ مطلع القرن، فقدم فرصاً اقتصادية واعدة، لكنه أثار أيضاً مخاوف من نفوذ بكين. وتُعد الشركات الحكومية الصينية من أبرز المستثمرين في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والفضاء في المنطقة، وتجاوزت الصين الولايات المتحدة لتصبح الشريك التجاري الأكبر لأميركا الجنوبية.
ووسعت الصين حضورها الثقافي والدبلوماسي والعسكري في مختلف أنحاء المنطقة، وفي مايو (أيار) عام 2025 استضافت قادة من أميركا اللاتينية والكاريبي في قمة ببكين، أعلن خلالها الرئيس الصيني شي جينبينغ عن خط ائتمان استثماري بقيمة نحو 9 مليارات دولار لمصلحة المنطقة.
وبينما اعتبر الرئيس الأميركي السابق جو بايدن الصين "منافساً استراتيجياً" في المنطقة، فإن إعادة انتخاب ترمب شكلت تحولاً في سياسة واشنطن تجاه أميركا اللاتينية، حيث اتسمت باتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر تشدداً. وكتب إنريكي ميان-ميخيا من "المجلس الأطلسي" في مايو عام 2025 أن "الوجود المتنامي للصين يشكل تحدياً مباشراً للهيمنة الأميركية في المنطقة"، محذراً من أن فشل الولايات المتحدة في إعادة ضبط نهجها الدبلوماسي قد يؤدي إلى مزيد من التباعد وتآكل نفوذها الناعم في مجالها التقليدي.
إضعاف علاقات بكين
ويعكس المشهد الحالي مضي واشنطن في سياساتها نحو إضعاف علاقات بكين في المنطقة، ففي مارس الماضي استضاف ترمب قادة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في ناديه للغولف لحضور "قمة درع الأميركتين"، في محاولة لحشد الحلفاء حول مصالح الأمن القومي الأميركي ومواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة.
ووفق "مركز ويلسون للأبحاث" في واشنطن، فإن القمة الافتتاحية مثلت خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ عززت التعاون الأمني بين الولايات المتحدة ومعظم دول نصف الكرة الغربي، وعمقت الروابط الاقتصادية والاستثمارية التي قد تحقق فوائد كبيرة مستقبلاً. وردت الصين على القمة بدعاية مناهضة للولايات المتحدة، مما يشير إلى قلقها المتزايد من عودة النفوذ الأميركي في المنطقة.
ومع ذلك، يشير المركز إلى أن ترمب فوّت فرصة مهمة لطرح استراتيجيات لمواجهة الصين. فعلى رغم أن إعطاء الأولوية لنصف الكرة الغربي بدأ يتحقق، لا يزال من غير الواضح كيف تعتزم الولايات المتحدة مواجهة النفوذ الصيني. ويُعد إخراج روسيا والصين وإيران من المنطقة هدفاً رئيساً ضمن استراتيجية الأمن القومي. وأشار مؤتمر ترمب الصحافي عقب توقيف نيكولاس مادورو إلى هذا التوجه، إلا أن النشاط السياسي الداعم لهذا الهدف ظل محدوداً منذ ذلك الحين.
ووفق الأستاذ لدى كلية الحرب الأميركية إيفان أليس، فإن انضمام دول أميركا اللاتينية إلى البيان الأميركي للاحتجاج ضد السلوك الصيني "يعكس حساسية في مختلف أنحاء المنطقة تجاه انتهاكات سيادة دول أميركا اللاتينية، واستعداداً للتعبير عن ذلك على رغم المخاوف من إغضاب بكين"، وأضاف أنه على رغم أن الولايات المتحدة قد لا تستفيد بصورة مباشرة، فإن ذلك يضع الصين في موقع "تحقق فيه مكاسب أقل". وتابع ضمن تعليقات لمجلة "نيوزويك"، "تظهر الصين نفسها كقوة متنمرة، كما هو معروف عنها في أماكن مثل بحر الصين الجنوبي وفي قمعها للمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ".
وأشاد الرئيس البنمي خوسيه راوول مولينو بالبيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً "أقدر تضامن الدول الصديقة إزاء المشكلة التي تواجهها السفن البنمية في الموانئ الصينية"، وأردف "تستند قراراتنا إلى حكم صادر عن المحكمة العليا بوصفها هيئة مستقلة في الدولة. نحن لا نسعى إلى إثارة الجدل، إذ نحرص على إقامة علاقات قائمة على الاحترام مع جميع الدول".