ملخص
ترتسم صورة عامة عن المقاتلين الأجانب في غاية الضبابية لا سيما أن العودة إلى بلدانهم تعني الحكم عليهم بالموت، وهذا ما جعل السلطات السورية الجديدة تتخذ قراراً بإبقاء هؤلاء داخل البلد فضلاً عن منحهم الجنسية، بخاصة أن عددهم تضاءل بنسبة كبيرة في أعقاب عام 2018 وفق دراسة أعدها مركز "جسور للدراسات" عن تراجع عددهم ليصل إلى قرابة 5 آلاف مقاتل.
لم يمض وقت طويل على انطفاء حوادث أمنية عاشها الشارع السوري في إدلب شمالاً أججها مقاتلون أجانب من عدة جنسيات حتى انفجر توتر جديد في المدينة ذاتها بعد تصعيد استدعى وصول أرتال عسكرية لفك حصار أحكمه مسلحون من الجنسية الأوزبكية على مبنى الأمن الجنائي بقوة السلاح المتوسط والخفيف للإفراج على مقاتل محتجز.
وتسود حال من الهدوء الحذر في مدينة إدلب أحد أكبر معاقل المقاتلين الأجانب، وفق مصدر ميداني، تحدث إلى "اندبندنت عربية" عن تصعيد خطر في أعقاب مشاجرة تحولت سريعاً إلى توتر عاشه الأهالي يترقبون فيه تداعيات، بعدما تجمع عشرات من المقاتلين بأسلحتهم أمام المقر الأمني للمطالبة بالمقاتل الأوزبكي.
وبدا لافتاً حدوث مفاوضات مع وصول شخصية رسمية من العاصمة دمشق، تمكنت من حل الخلاف، ومن المرجح تسليم المقاتل الأوزبكي الذي يتبع إلى وزارة الدفاع الفرقة 84، وهذه الفرقة جل المقاتلين العاملين بها من الأجانب في سوريا.
وبدأت الحادثة إثر تصادم بين سيارة تتبع لـ"الشرطة العسكرية" ومركبة المقاتل الأوزبكي، وتطور الخلاف إلى عراك تخلله إشهار السلاح الفردي، وبحسب ما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان عن وصول قوة أمنية دهمت منزلاً في بلدة كفريا بريف إدلب وأقدمت على اعتقال المقاتل الأوزبكي. وتشير معلومات متداولة عن مطالبة الفصيل الأوزبكي بعدم اعتقال أي من أفرادها إلا بعد إعلامهم بشكل مسبق.
حكاية لم تنته
وفي غضون ذلك ومع انطفاء شرارة معركة كادت تندلع يبرز للواجهة مجدداً ملف المقاتلين الأجانب، ومدى حضورهم الفاعل، وغير المنضبط رغم اكتمال خطة دمجهم ضمن الجسم العسكري الرسمي. وفي تصريح خاص للناشط الحقوقي والسياسي أحمد السيد عمر حذر من تكرار هذه التصرفات غير المنضبطة من قبل المقاتلين الأجانب، وضرورة الانتقال بهم من عقلية الفصيل المسلح إلى المرجعية الحكومية.
وأشار في الوقت ذاته إلى أنه ليس بالوقت البعيد شهدت مدينة حارم في ريف إدلب معركة استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة بين القوات الحكومية والأفريقي (يحمل جنسية فرنسية) عمر أوميسن بعد تحصنه بمعسكره، واليوم الأوزبك يحاصرون مركزاً أمنياً من أجل إطلاق سراح معتقل.
وتابع "من المؤكد أن للمقاتلين الأجانب دوراً مهماً وبارزاً في نجاح الثورة والقوة الدافعة لها، إذ لا يمكن أن ننسى مشاركتهم بقوة في معارك جسر الشغور الحاسمة عام 2015 لاستعادة المدينة من القوات الحكومية، لكن هذه الحوادث تعكس صورة سلبية على الوضع الأمني والاستقرار، وعلى الصورة التي تعمل الحكومة جاهدة على تصديرها، وترسيخها بسيادة القانون، ليس مناسباً أن تتحول هذه المجموعات إلى قنابل موقوتة تنفجر مع كل حادثة".
الوفاء للإيغور
إزاء هذا التطور وخلال الـ24 ساعة تحول الشارع السوري بين مؤيد لتوقيف المقاتل الإيغوري ومحاسبته العادلة إذا ما كان مذنباً في دولة جديدة تبسط سيادة القانون على الجميع، في حين يرى فريق ما حدث إهانة لـ"المجاهدين المهاجرين" الذين تركوا بلادهم "نصرة لسوريا"، بحسب قول أحد الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي في سياق تعليقه على الحادثة.
ويعلق أحد النشطاء على ذلك بقوله، "الأوزبكي الذي قاتل ضد نظام بشار الأسد أهم وأفضل وأكثر فائدة من السوري الذي ولى الأدبار، وهرب لتركيا أو أوروبا وعددهم بالملايين، فهؤلاء الأوزبك أشرف بكثير من ملايين السوريين الذين لا يزالون هاربين ولا يريدون العودة لسوريا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع تنفيذ الخطة الأميركية في سوريا في تأطير المقاتلين الأجانب بوجهة رسمية وقانونية تتبع للجيش السوري بات الحديث يدور عن وظيفتهم ومهامهم المستقبلية لا سيما أنهم لا يزالون يحملون الفكر الجهادي، وهذا ما تخوف منه ناشطون طالبوا في الوقت ذاته بإعادة دمجهم على كامل فرق الجيش السوري، أو وضعهم خارج المدن أو الداخل في مواقع قتالية متقدمة منها قتال تنظيم "داعش" المتمركز في البادية.
تضاؤل الحضور
وترتسم صورة عامة عن المقاتلين الأجانب في غاية الضبابية لا سيما العودة إلى بلدانهم يعني الحكم عليهم بالموت، وهذا ما جعل السلطات السورية الجديدة تتخذ قراراً بإبقاء هؤلاء داخل البلد فضلاً عن منحهم الجنسية، بخاصة أن عددهم تضاءل بنسبة كبيرة في أعقاب عام 2018 وفق دراسة أعدها مركز "جسور للدراسات" عن تراجع عددهم ليصل قرابة 5 آلاف مقاتل. ويعزو متخصصون هذا الانخفاض إلى تدني حدة المعارك وشبه انعدام العمليات القتالية بحكم صعود المسار السياسي ـ أو ما يسمى "مسار أستانا" خفض التصعيد.
وكان المقاتلون الإيغور دخلوا البلاد مع اشتعال الثورة المسلحة، وتحول الحراك السلمي إلى مسلح إثر استخدام نظام بشار الأسد (2000 ـ 2024) العنف المفرط في قمع المحتجين والمطالبين بإسقاط حكمه وحكم عائلة الأسد الممتد لما يناهز خمسة عقود، واشتهر الأوزبك حينها بما يسمى "كتيبة الإمام البخاري" في ريفي إدلب وحلب شمال البلاد.
وبالحديث عن المقاتلين الأجانب لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة إلا أن أعدادهم تقدر بـ8 آلاف مقاتل، وسعت الحكومة السورية إلى تأطير هذه المجموعات وجعلها أكثر تنظيماً وانضباطاً منذ عام 2025 منعاً لاحتكاكها أو تسببها بمشكلات مع المواطنين، ورغم ذلك اتهمت منظمات إنسانية وحقوقية هؤلاء المجموعات بارتكاب مجازر وانتهاكات في أحداث الساحل في الثالث من مارس (آذار) عام 2025.
ومع هذا جزم مصدر ميداني عن إلزامهم قواعد سلوك منها عدم ظهور على الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، والتعامل اللائق مع المواطنين، ورغم هذا أوقفت القوات الأمنية كلاً من "أبو دجانة التركستاني" و"أبو إسلام الأوزبكي" في السجن بوقت سابق من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025 لتسبب أحدهما بخرق التعليمات، عدها مراقبون بداية التضييق على المقاتلين الأجانب.