ملخص
تدفع الصين والولايات المتحدة سباقاً نووياً متصاعداً تغذيه الشكوك وسوء الفهم المتبادل مما يهدد الاستقرار العالمي، فتعزيز بكين ترسانتها يقابله رد أميركي مماثل، بينما يبقى غياب الشفافية والحوار الفعّال عاملاً رئيساً يقرب الطرفين من حافة مواجهة نووية خطرة
على مدى العقد الماضي دأبت الصين على إعادة تشكيل النظام النووي العالمي بصورة مطردة، ووفقاً لتقييمات الحكومة الأميركية فقد ضاعفت بكين مخزونها من الرؤوس الحربية النووية ثلاث مرات تقريباً منذ عام 2019، وعززت قدراتها النووية بسرعة براً وجواً وبحراً، ووسعت بصورة كبيرة بنيتها التحتية الخاصة بالبحث والتطوير وتجميع الرؤوس الحربية النووية، ويبدو أن بكين لا تُظهر أي نية للتباطؤ أو التوقف عند هذا الحد، ففي منتصف مارس (آذار) الماضي أعلنت أنها ستعمل على "تعزيز وتوسيع" قدرات الردع الإستراتيجي لديها، مؤكدة التزامها بتحسين ترسانتها النووية كماً ونوعاً.
وقد تنبّه المسؤولون الأميركيون بالتأكيد إلى هذا الأمر، فهم يخشون أن يتحول العالم النووي ثنائي القطب، الذي تسيطر فيه موسكو أو واشنطن على معظم الرؤوس الحربية، إلى عالم ثلاثي الأقطاب، واستجابة لذلك فهم يسعون إلى تعزيز ترسانة واشنطن النووية، وفي الوقت نفسه يحاولون التفاوض مع بكين، وفي فبراير (شباط) الماضي مثلاً اختارت الولايات المتحدة عدم تجديد معاهدة "نيو ستارت"، وهي اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، لأنها لا ترغب في الالتزام بقيود لا تُفرض على الصين، ولكن على رغم تزايد الضغوط الأميركية فإن الصين ترفض باستمرار الدخول في مفاوضات للحد من الأسلحة النووية، ويبدو أنها لا تبدي أي اهتمام بتقييد قدراتها.
وهناك سبب وجيه وراء امتناع بكين من التفاوض في شأن قواتها النووية، فالحكومة الصينية تعتقد أن تعزيز الردع النووي لا يولّد المخاطر بل سيسهم في الواقع في استقرار العلاقات مع الولايات المتحدة من خلال إجبار المسؤولين الأميركيين على معاملة بكين كند مساوٍ لها وتجنب المساس بمصالحها الجوهرية، ويبدو أن سلوك الولايات المتحدة الأخير يدعم هذا التوجه، فمنذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلطة أصبحت واشنطن أكثر حذراً في التعامل مع القضايا التي تراها الصين جوهرية، مثل تايوان، وأبدت اهتماماً أكبر ببناء علاقة ثنائية مستقرة من خلال الصفقات التجارية.، وتعتبر بكين هذا دليلاً على جدوى هذا النهج، ولذا لا ترى مبرراً يُذكر لتغيير مسارها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن في الواقع أن رفض الصين المتكرر للدخول في مفاوضات جادة حول الحد من التسلح، وافتقارها إلى شفافية نووية حقيقية، وامتناعها من اتخاذ تدابير أساسية لبناء الثقة، يُقوض الاستقرار إلى حد كبير حتى وفق معايير بكين نفسها، ويؤدي هذا الرفض إلى خيبة أمل وإحباط لدى الولايات المتحدة من الحلول الأمنية التعاونية، ويدفعها إلى توسيع قدراتها النووية وأنظمة الدفاع الصاروخي، وبطريقة موازية فإن تنامي التعاون العسكري الصيني مع روسيا، بما في ذلك في القضايا النووية، قد زاد حدة القلق في أوروبا، حيث يعتقد عدد من القادة أن الصين تُسهل العدوان الروسي، ورداً على ذلك تُعيد فرنسا والمملكة المتحدة بناء ترسانتيهما النوويتين، مما يُقلل أكثر من فرص التوصل إلى اتفاقات متعددة الأطراف للحد من التسلح، والنتيجة هي مشهد دولي أكثر فوضوية يُعزز اعتقاد بكين بضرورة مواصلة تحسين قدراتها النووية.
ولن يكون من السهل الخروج من دوامة التصعيد الأمني هذه، لكن ثمة سبل لفرض قيود فعالة، فكل من الصين والولايات المتحدة تتصرفان بدافع القلق من لجوء الطرف الآخر إلى استخدام الأسلحة النووية أولاً، ولا يعتمد أي من البلدين فعلياً على إستراتيجيات الاستخدام الأول للأسلحة النووية، ولكن حين تقترب الدول من مواجهة نووية فلا يهم ما هو حقيقي على أرض الواقع وحسب، بل إن ما تتصوره الدول عن نيات الطرف الآخر وقدراته قد يكون بالأهمية نفسها أو ربما أكثر تأثيراً.
ولتحقيق الاستقرار النووي يجب أن تدرك بكين وواشنطن أنهما تُسيئان فهم بعضهما بعضاً، واقتراح بكين بأن تتبنى الولايات المتحدة سياسة مماثلة لسياسة الصين في عدم الاستخدام الأول، أو أن تتفاوض في شأن هذه السياسة، لن يُفضيا إلى اتفاق يتمتع بصدقية كافية لسدّ هذه الفجوة في التصورات، ولكن إذا استطاعت بكين وواشنطن تعزيز الشفافية على مستويات أكثر تحديداً في شأن القدرات النووية قصيرة المدى مثلاً، وهي الأكثر صلة بالصراع الإقليمي والأكثر إثارة للخوف من احتمال الاستخدام الأول للسلاح النووي، فسيكون بإمكانهما تخفيف أشد الأخطار في ظل تنافس نووي يزداد حدة.
لعبة السلالم والثعابين النووية
بمعنى ما، يُعد برنامج الصين النووي رد فعل على تصوراتها للتهديدات، وفي مقدم هذه التصورات يأتي خوفها من أن واشنطن أكثر قوة، وبالتالي قد تتشجع لاستغلال نقاط الضعف الداخلية في بكين، وليس من قبيل المصادفة أن الصين قدمت أوضح التزاماتها بتسريع توسعها النووي أوائل عام 2021، بعد أن هاجمت إدارة ترمب الأولى نظامها السياسي خلال جائحة كورونا، مما زاد المخاوف في شأن أمن النظام، وكذلك فإن تدخلات الولايات المتحدة هذا العام في فنزويلا وإيران ذكّرت بكين بأن واشنطن لا تزال تعمل على إسقاط الأنظمة السلطوية على رغم ادعاءاتها بخلاف ذلك، وفي نظر كثير من الإستراتيجيين الصينيين فإن التدخل الأميركي يعتمد على الضعف العسكري النسبي للخصم، ونتيجة لذلك يرى كُثر في بكين أن بناء قوة عسكرية متواصل بلا هوادة أمر حاسم للأمن القومي.
وقد يؤثر الرأي العام الدولي أيضاً في عملية اتخاذ القرار النووي في بكين، فالتاريخ يشير إلى أن الصين أكثر استجابة للضغوط الدولية الجماعية والمعايير العالمية مقارنة بمطالب واشنطن وحدها، نظراً لسعيها إلى ترسيخ صورتها كقوة نووية مسؤولة، فقد أبدت مثلاً استعداداً أكبر للنظر في مقترحات الحد من التسلح التي تشمل جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، لكن الآن بات خطر رد الفعل الدولي أقل بكثير، فجميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن يكثفون العمل على تعزيز برامجهم النووية، ومع تخلي واشنطن عن بعض عناصر النظام القائم على القواعد واستخدامها الإكراه لتحقيق مصالحها، أصبحت دول أخرى أكثر تقبلاً للرواية الصينية التي ترى أن الولايات المتحدة، لا الصين، هي التهديد الأكبر للاستقرار العالمي، وإذا بدأت قوى صغيرة ومتوسطة إضافية تنظر إلى القوة العسكرية الصينية المتنامية كثقل موازن مفيد في مواجهة الهيمنة الأميركية، فقد تصبح أقل ميلاً للضغط على الصين لكبح طموحاتها النووية.
ومن غير المرجح أن تسهم البيئة الداخلية في الصين في الحد من توسع بكين النووي، ويعود ذلك أساساً لتضاؤل مساحة الاعتراض على مبادرات الرئيس الصيني شي جينبينغ، فقد كانت قوة الصواريخ المسؤولة عن تشغيل معظم الترسانة النووية الصينية هدفاً رئيساً لحملات التطهير الأخيرة التي قادها شي جينبينغ ضد كبار القادة العسكريين، وأصبح الجنرالات أكثر خوفاً من أي اتهام بعدم الولاء، مما يجعلهم أقل استعداداً لدعم مبادرات تنطوي على أخطار سياسية أو لا تحظى بشعبية، مثل مفاوضات الحد من التسلح.
ومع سعي "جيش التحرير الشعبي" إلى ترجمة قرار القيادة السياسية الصينية في شأن التوسع النووي إلى واقع عملي، فعليه أن يحسم ما إذا كانت الصين ستبتعد بهدوء عن سياستها الطويلة الأمد المتمثلة في عدم استخدام الأسلحة النووية أولاً، ومن المستبعد أن تفعل ذلك، فبخلاف التصورات الشائعة في الولايات المتحدة يعتقد الخبراء وصنّاع القرار المعنيين بالأمن القومي والسياسة العسكرية في الصين أن بلادهم تفتقر إلى القدرة على تبني سياسة الاستخدام النووي الأول بصورة موثوقة، ولا تحتاج إلى ذلك أصلاً، فبكين ترى أن قدراتها التقليدية، مثل السفن الحربية والمدفعية والصواريخ غير النووية مثلاً، بدأت تتفوق على قدرات واشنطن، أقله في شرق آسيا، وهذا يسمح للإستراتيجية العسكرية الصينية في أي صراع كبير مع الولايات المتحدة بأن ترتكز على التفوق في القوة التقليدية، مع الاعتماد على ترسانتها النووية لردع التصعيد النووي الأميركي، ومع ذلك تتوقع بكين أن تظل الولايات المتحدة القوة النووية المتفوقة من حيث التطور والحجم، على رغم تعزيز الصين ترسانتها، وهذا التصور يُثني الصين عن بدء التصعيد النووي لأن ذلك سيصب في مصلحة خصمها.
لقد حان الوقت كي تدرك بكين أن حملتها ضد مبدأ الاستخدام الأول للسلاح النووي تفتقر إلى الصدقية
لكن بكين قلقة من أن واشنطن قد لا تُردع فعلياً، وفي الواقع يخشى المحللون الصينيون من أن تلجأ الولايات المتحدة إلى التصعيد النووي في حال نشوب حرب، تحديداً بسبب تراجع قوتها التقليدية، وقد تَعزّز هذا القلق مع تزايد الاعتراف داخل دوائر صنع القرار الأميركية، بمن في ذلك مسؤول شؤون السياسات في البنتاغون إلبريدج كولبي، بأن الولايات المتحدة قد تضطر إلى الاعتماد بصورة أكبر على ترسانتها النووية لتعويض تراجع مواردها التقليدية، ومن جانبهم يخشى المسؤولون الأميركيون أن تتخلى الصين عن سياستها المتمثلة في عدم البدء أولاً باستخدام الأسلحة النووية في خضم الصراع، حتى لو كان التزامها الحالي حقيقياً، فحتى أكثر التعهدات صلابة قد تصبح غير موثوقة في الأزمات الكبرى، وكذلك فإن المسؤولين الأميركيين أقل اطمئناناً من الخبراء الصينيين في شأن قدرة "جيش التحرير الشعبي الصيني" على استخدام قدراته التقليدية لتنفيذ غزو واسع النطاق لتايوان بنجاح، ويشتبه بعض المحللين الأميركيين، وإن من دون أدلة واضحة، في أن بكين تعتقد أنها تحقق تقدماً في القدرات النووية التكتيكية، وقد تسعى إلى استغلال هذا التفوق من خلال الاستخدام الأول للسلاح النووي.
ومن خلال إبقاء تخطيطها النووي غامضاً زادت الصين من مخاوف الولايات المتحدة، إذ تعمل بكين على بناء عدد كبير ومتزايد من الأسلحة القادرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية يغطي مداها معظم منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مثل صاروخ "دي أف-26" (DF-26) الباليستي، ولم تكشف بكين، حتى بصورة غير مباشرة، عن عدد هذه الأنظمة المخصصة لأدوار نووية، ونتيجة لذلك يفترض الخبراء الأميركيون غالباً أن الصين تصنف معظم هذه الصواريخ على أنها نووية، وهو ما يؤدي إلى تقديرات واسعة لقدرات الصين النووية الإقليمية واستعدادها، وهذا بدوره يعزز المخاوف من احتمال استخدام الصين السلاح النووي أولاً في نزاع إقليمي. ويخشى المسؤولون الأميركيون أن تجد الصين طرقاً للالتفاف على حظر الاستخدام الأول من خلال خطوات لا تُعدّ تقنياً خرقاً له، فبإمكان بكين إجراء تجربة نووية في زمن الحرب، أو إطلاق ضربة استعراضية فوق المحيط، أو حتى تنفيذ تفجير نووي على ارتفاع عال بهدف تعطيل المعدات العسكرية من دون إحداث خسائر بشرية، مع الادعاء بأن ذلك لا يشكل استخداماً أولاً للأسلحة النووية.
ولكن على رغم هذه المخاوف فإنه لا تزال لدى واشنطن دوافع قوية لعدم استخدام السلاح النووي أولاً، حتى في مواجهة التهديدات الصينية، فبداية لا يُعد الاستخدام الأول ضرورياً للدفاع عن الأراضي الأميركية، إذ لا تواجه الولايات المتحدة تهديداً وجودياً حقيقياً من خصومها، بما في ذلك الصين، وكذلك فإن الاستخدام الأول للأسلحة النووية، الذي ينطوي على تصعيد متعمد ومحفوف بالأخطار، لا يشكل بديلاً مستداماً أو موثوقاً لتعويض ضعف القوة التقليدية الأميركية عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الحلفاء والشركاء في مناطق أخرى من العالم، وقد أظهرت واشنطن بالفعل تراجعاً في استعدادها لخوض حرب تقليدية مع الصين حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، اللذين ينظر إليهما المسؤولون الأميركيون بصورة متزايدة على أنهما مهمان اقتصادياً ولكن ليسا ضروريين إستراتيجياً، واستخدام السلاح النووي أولاً في مثل هذا السيناريو سيواجه قيوداً سياسية أكبر في ظل تراجع استعداد الولايات المتحدة لتحمل الأخطار من أجل الآخرين.
وبالتالي ليس لدى واشنطن سبب يُذكر للمخاطرة بدفع بكين نحو توسيع أكبر وأكثر تطوراً لترسانتها النووية، وقد حسّنت الصين بالفعل دقة قوتها النووية قصيرة المدى مما يمنحها خيارات لردود مرنة في حال نشوب نزاع نووي إقليمي محدود، لكن إذا خلص "جيش التحرير الشعبي الصيني" إلى أن واشنطن قد حققت مكاسب ملموسة من سعيها إلى الهيمنة على المستويات العليا من التبادل النووي، فقد يدفع ذلك الصين إلى تطوير ترسانة نووية أكبر وأكثر تنوعاً لمضاهاة القدرات القتالية الأميركية في كل مرحلة من مراحل التصعيد النووي، وهو ما يسميه علماء السياسة إدارة التصعيد، أما المسار الأكثر حكمة الذي قد تتخذه واشنطن، فهو توجيه بكين بعيداً من سباق نووي نحو الهاوية، من خلال تركيز المنافسة دون العتبة النووية.
تجنب الدمار
لقد حان الوقت كي تدرك بكين أن حملتها ضد مبدأ الاستخدام الأول للسلاح النووي تفتقر إلى الصدقية، ويعود ذلك جزئياً لتوسع برنامجها النووي، فازدياد حجم الترسانة الصينية يعزز تصورات التهديد في الولايات المتحدة، وهو ما يدفع إلى إجراءات مضادة أميركية أكثر عدوانية تؤدي إلى زعزعة العلاقات الثنائية وزيادة خطر إشعال سباق تسلّح نووي، ولكن إذا استخدمت واشنطن بياناتها السياسية للتأكيد على منع أي استخدام نووي، بدلاً من إدارة التصعيد بعد وقوعه، فقد يفتح ذلك الباب أمام الجانبين لاستكشاف تدابير متبادلة لضبط النفس، وفي المقابل يمكن لبكين أن تزيد من الشفافية في شأن قواتها النووية القادرة على تنفيذ ضربات إقليمية، وهو ما يقلل مخاوف الولايات المتحدة حيال الاستخدام الأول من جانب الصين.
تُمثل الاجتماعات المرتقبة بين ترمب وشي جينبينغ فرصة للطرفين لمعالجة هذه التوترات، فقد يشير الزعيم الصيني إلى استعداده لاستئناف حوارات أمنية موسعة مع واشنطن في إطار جهوده الرامية إلى تحقيق الاستقرار في العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، ورداً على ذلك ينبغي لترمب أن يقترح مناقشات حول ما يتطلبه التزام موثوق بمنع الاستخدام الأول للأسلحة النووية، وينبغي ألا يكون الهدف هو التفاوض على اتفاق فوري وقريب الأجل ضد الاستخدام الأول للأسلحة النووية، بل البدء بتوضيح الضمانات الملموسة المتعلقة بهيكلية القوات ووضعية انتشارها، والتي يعتبرها كل طرف ضرورية لجعل التزامه والتزام الطرف الآخر ذا صدقية.
يذكر أن تأطير النقاش حول منع الحرب النووية يوفر أفضل فرصة لإشراك شي، وبالتالي البيروقراطية الصينية، في حوار جوهري حول الموضوع النووي، وستكشف هذه الحوارات مدى جدية بكين في التزامها بعدم الاستخدام الأول للأسلحة النووية ومدى حرصها على تجنب الصراع النووي، وإذا أبدت بكين انفتاحاً على المضي قدماً فيمكن لواشنطن اقتراح تدابير أكثر تحديداً، بما في ذلك أن تضع الولايات المتحدة حداً لانتشار أسلحتها النووية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في مقابل أن تفرض الصين قيوداً على أنظمتها قصيرة المدى، وعلى وجه التحديد يمكن لواشنطن أن تربط قراراتها المستقبلية في شأن ضرورة أو نطاق أو تكوين أسلحتها النووية التكتيكية المنتشرة في آسيا، بقيود مشابهة على الأصول الصينية النظيرة.
وإذا نجحت الصين والولايات المتحدة في كبح تنافسهما النووي فإنهما ستكسران نمطاً راسخاً منذ مدة طويلة، فمنذ بداية العصر النووي، وعندما تكون القدرات التقليدية لإحدى القوى النووية أضعف من قدرات خصمها، فإنها تميل إلى التعويض من خلال الاعتماد بصورة أكبر على ترسانتها النووية، فمثلاً اعتمدت الولايات المتحدة بدرجة أكبر على التهديد النووي لردع الاتحاد السوفياتي الأقوى تقليدياً في أوروبا خلال الحرب الباردة، تماماً مثلما زادت روسيا من اعتمادها على ترسانتها النووية لموازنة تفوق حلف شمال الأطلسي في القدرات التقليدية خلال العقود الأخيرة، لكن أمام واشنطن الآن فرصة لإثبات قدرتها على حماية مصالحها من دون اللجوء إلى تهديدات نووية أكبر، ومن شأن ذلك أن يعزز مكانة الولايات المتحدة داخل المجتمع الدولي المعني بمنع الانتشار النووي، مثلما سيعزز أيضاً قدرتها على الردع في مواجهة بكين.
لقد بنت الصين سمعتها العالمية في المجال النووي على التزامها بسياسة عدم البدء أولاً باستخدام الأسلحة النووية، وحافظت على هذا الالتزام حتى في فترات كانت فيها قوتها العسكرية التقليدية أضعف من قوة منافسيها الرئيسين، وستواجه الصين تساؤلات داخلية وردود فعل دولية قوية إذا تخلت عن هذه السياسة الراسخة، حتى لو نجحت الولايات المتحدة في استعادة تفوقها في القوة التقليدية، ومن خلال إعطاء الأولوية الواضحة للردع العسكري التقليدي ورفع العتبة أمام التهديد بالحرب النووية، تستطيع الولايات المتحدة جعل الكلفة السياسية للجوء إلى التهديدات النووية باهظة للغاية بالنسبة إلى الصين، وبالتالي تقليل خطر لجوء بكين إليها.
إن تعزيز الولايات المتحدة ترسانتها النووية قد لا يكون مفيداً فعلياً، وتشير قراءة متأنية في المواقف الصينية إلى أن القدرات النووية الأميركية الحالية لا تزال أكثر من كافية لردع الصين، وأي توسع نووي أميركي إضافي قد يستنزف الموارد التي كان بإمكان المسؤولين الأميركيين استخدامها لتطوير أسلحة وذخائر تقليدية أكثر أهمية، ولذلك فمن مصلحة الولايات المتحدة أن تُظهر بوضوح أن منع الاستخدام الأول للأسلحة النووية هو أولويتها، وأن تسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة مع الصين حول هذا الهدف، وتصريح ترمب الأخير بأنه "لا يُسمح مطلقاً باستخدام سلاح نووي ضد أي طرف" يؤكد هذه النقطة، فكلا البلدين لا يرغب في حرب نووية، وبالتالي يتعين عليهما اتخاذ قرارات مدروسة لوضع حدود لترساناتهما وسياساتهما التشغيلية، فهذا لا يصب في مصلحتهما الإستراتيجية وحسب، بل هو أيضاً مسؤولية تقع على عاتقهما تجاه بقية العالم.
تونغ جاو هو زميل بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 1 مايو (أيار) 2026