Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سوريا تصعد على مؤشر حرية الصحافة... نهج مختلف أم تحول ظرفي؟

هناك من يرى أن الاستقلالية الإعلامية غير المضبوطة مشكلة وليست حلاً لأنها مبنية على الاجتهاد وعدم المحاسبة

يرى صحافيون أن تقدم المراتب قفزة نوعية لا يمكن إنكارها لأنها تراعي ابتعاد السلطة عن تكميم الأفواه في سوريا (أ ف ب)

ملخص

تقرير المنظمة الدولية فتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول فاعلية التحسن وحدوده المهنية، خصوصاً أنه لم يترافق مع نصوص تشريعية ناظمة للعمل الإعلامي بصورته العصرية والحيوية، التي تعبر عن استقرار الرؤية السياسية – الاجتماعية، ومعها تحديد حقوق وواجبات الصحافي.

أحرزت سوريا تقدماً لافتاً وغير مسبوق في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 بعد أن كانت تتربع دائماً في ذيل قائمة الترتيب العالمي، محققة قفزة نوعية بنحو 36 مرتبة، متنقلة من الترتيب 177 إلى 141 بحسب التقرير السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" الدولية، مما يوحي بتحول نوعي وفكري داخل جسد العمل الإعلامي السوري. ولكن هذا الإيحاء لا يكفي النظر إليه كرؤية رقمية رياضية فقط، بل يجب النظر إليه ومقاربته من زوايا أكثر حذراً وإمعاناً في التفاصيل.

ذلك يقود للبحث في طبيعة القفزة نفسها، فهل هي تعكس تحولاً بنيوياً واضحاً ومستداماً وقابلاً للتطور، أم هو مجرد انعكاس لحظي لمرحلة انتقالية غير مستقرة أساساً، تراجعت فيها أدوات الرقابة القمعية ليهيمن الفراغ شبه المنتظم عوض التأسيس القانوني والتشريعي والمؤسساتي لبيئة العمل الصحافي ذاته؟

يقول المخرج الإذاعي صائب محمد: "‘منظمة مراسلون‘ وغيرها عادة تتبع سلسلة مقاييس قبل وضع التقييم النهائي، تراعي فيها المؤشرات السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية والتشريعية ضمن خوارزمية معقدة، مما يعني أن التقدم إن كان محرزاً بتوسع في جانب ما، قد يكون في أسوأ حالاته في جوانب أخرى، فإن كانت المؤشرات السياسية بارتفاع فلا شك أن المؤشرات الاجتماعية في انخفاض، وهكذا".

يرى صحافيون سوريون أن هذا التقدم الكبير يعطي انطباعاً فعلياً عن انفراجات متقدمة تتجاوز مرحلة تكميم الأفواه التي سيطرت عليهم لعقود، لكنها في الوقت ذاته لا تعني أن حرية الصحافة ارتقت لما يجب أن تكون عليه فعلياً. لذا، فالمسار لا يزال غير مكتمل مما يعني أن احتمالات الانغلاق قائمة مستقبلاً بقدر ما إن احتمالات الانفتاح أكثر قائمة.

طفرة الإعلام

حكم حافظ الأسد سوريا بقبضة من حديد على الصحافة، بشار كان أكثر تساهلاً قبل حرب عام 2011، أي بين عامي 2000 و2011. وفي تلك الفترة شهدت سوريا إطلاق أول صحيفة سياسية ساخرة ولاذعة وليس لديها خطوط حمراء في عهد البعث مع مطلع الألفية بموافقة بشار نفسه وكان اسمها "الدومري". وقد كانت طفرة في تاريخ الصحافة السورية، ولكن لاحقاً جرى إغلاقها نتيجة خلافات إدارية بين كوادرها، وقد كتب فيها أبرز "شيوخ الصحافة" السورية آنذاك.

الصحافي علي سليمان كان قريباً من فريق "الدومري" حينها، وينقل لـ"اندبندنت عربية" توجيهات قالها رئيس الحكومة وقتذاك محمد ناجي العطري، لفريق العمل خلال اجتماع خاص، "تعليمات القيادة بخصوص صحيفتكم واضحة، انتقدوني أنا رئيس الحكومة والوزراء والأمن والاقتصاد والقيادة نفسها، ابحثوا في كل شيء وانتشروا في كل مكان والحماية مؤمنة لكم، لكن هناك خطاً أحمر وحيداً طالما أنتم بعيدون عنه ستسمرون في العمل، وهو: مقام رئاسة الجمهورية وشخص السيد الرئيس فقط".

فيما خلا تجربة "الدومري" كانت يد الصحافيين مطلقة بصورة نسبية للبحث وكشف قضايا فساد على مستوى المؤسسات، كانت الخطوط الحمراء بعمومها معلومة ومعروفة، وكان يحظى الصحافي باحترام عز نظيره طالما لم يتجاوز الخطوط الحمراء السياسية، على رغم أن المشهد الإعلامي كاملاً كان محكوماً بقبضة مركزية يتولاها "حزب البعث" ووزارة الإعلام وأجهزة الاستخبارات، فلم يكن المنع والسماح بالنشر مقروناً بالضبط والتوجيه فقط، بل بتشكيل الفضاء العام نفسه ليصبح راسخاً بحكم الأمر الواقع ضمن مفرداته ولغته وسياقاته.

يقول الصحافي مؤنس محمد، "كانت مساحاتنا دائماً محددة للغاية في الإطار السياسي، وغالباً رؤساء تحرير الصحف أو القنوات من محظيي الأمن، لذلك كانت ترسم السياسة بدقة شديدة وكأنها خيط حرير، وبالتالي كانت البيئة التي تبدو مفتوحة هي مكبلة بالأساس ما بين ما هو مسموح وما هو ممنوع. ومع سقوط النظام، تفككت منظومة قفل الأفواه وتكسير الأقلام، لكننا صرنا أمام واقع أكثر تشعباً وغرابة، وهو ما أتاح هذا الهامش الواسع من التعبير والانتشار والانفتاح، وبات تناول قضايا كانت من المحرمات سابقاً، مسموحاً، لكن هذا الإطار غير محمي بتشريع واضح، بل هو أقرب لغض النظر على حساب مجريات أمنية وسياسية أهم".

بدوره يقول الصحافي والكاتب عمر أنس: "يجب التمييز بين ثلاث حقبات في الصحافة السورية، فمرحلة حافظ الأسد كانت الصحافة فيها جريمة، حقبة بشار قبل الحرب بين 2000 و2011 تغير الواقع بشكل كبير وصار هناك انفتاح نسبي وقنوات أجنبية. بعد الحرب 2011 صار الإعلام يدار بالحديد من قبل المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري، الذي كان يجبر الصحافيين على تلقي الأوامر والتعليمات ونشرها وتعميمها".

وأضاف: "اليوم لم ننتقل تماماً من القمع إلى الحرية التامة، لكن تغير النظام نفسه حمل معه سيولة نموذجية في تحديد القيود نحو سقف أكثر تحرراً. وبانتظار تشكيل منظومة متوازنة، يمكن استهلاك الحرية المتاحة قبل أن يجري تأطيرها ضمن ضوابط متوقعة".

تبدل السياسة أم الظروف؟

يسأل صحافيون عن طبيعة التبدل الملحوظ في شكل الإعلام إن كان هو ذاته إعادة صياغة لمفهوم مهترئ بينهم وبين الدولة، أم إنه نتاج ظروف مرحلية تقودها تبدلات عضوية مرتبطة بتوازنات ما بعد الإطاحة بنظام شمولي؟

يقول الكاتب الصحافي علي عيد، رئيس اللجنة الوطنية المستقلة لصياغة مدونة السلوك المهني الإعلامي، التي جرى تسليمها أخيراً لوزارة الإعلام، إن "ترتيب المؤشر نقلة نوعية تظهر نية صادقة لدى الجهات المعنية في سوريا في هذا الملف، وبالتالي الخروج من المنطقة السوداء في هذا التصنيف، ومن الوضعية الخطرة جداً التي كانت تقبع بها لأعوام طويلة جداً. فعندما يتم التصنيف تؤخذ عوامل رئيسة في الحسبان، الاقتصاد والأمن والسلامة المهنية والتشريع القانوني والعاملين السياسي والاجتماعي. وهذه العوامل بعد إجراء تقاطعات لها، قادت إلى هذا المؤشر عبر مسارات أوصلت البلاد إلى تلك المرتبة المتقدمة. وقد قالت المنظمة إنها قفزة غير مسبوقة منذ إنشاء المنظمة قبل 25 عاماً. لا يمكن المرور على هذا الحدث بالنسبة لنا كصحافيين بصورة عابرة، بسبب النضالات الكبيرة لنا من ترك عمل وتهجير وأخطار".

وتابع "لكن علينا ألا نغتر كثيراً بالأرقام، لأن الوصول إلى هذا المستوى يخلق تحدياً آخر هو كيف نتقدم أكثر لا كيف نبقى هنا. بالنسبة لي كصحافي ليس مرضياً أن نكون في هذه المرتبة، أتمنى أن نكون في مراكز متقدمة أكثر، لأن الحرية الصحافية جزء أصيل وفاعل في الحريات العامة. هناك احتياجات للصحافة، وهناك فجوة في القوانين والتشريع، ويجب أن يكون هناك وضوح في مسألة تراخيص المؤسسات الإعلامية أيضاً".

بدوره، يمتلك المحرر الصحافي رائد جزماني رأياً أكثر حدة بقوله: "لننتظر قليلاً حتى تتنفس السلطة وتتفرغ لتشكيل أجهزة الأمن وبعدها سنرى منسوب الحرية أين سيكون؟ الانفتاح الواقع اليوم هو حكم أمر واقع غير مخطط له أساساً لكنه محمول على عدم أولويته الحالية. وبالمناسبة الانفتاح ليس أمراً جيداً دائماً، ولا الحرية كذلك، لأن الحرية حين يساء استخدامها تصبح سلاحاً. في عصر التحول الرقمي، صارت منصات التواصل الاجتماعي جزءاً رئيساً في الإعلام، الجميع اليوم متحرر في الكتابة، وهذه المشكلة. لماذا؟ لأن التحريض وخطاب الكراهية هما الطاغيان، بل إن أوامر القتل باتت تنشر وتعطى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هل هذه الحرية؟ هل نقبل بهذا النوع من عدم المحاسبة مقابل عدم محاسبتنا حين نتحدث عن الفساد الإداري والسياسي والاقتصادي. الإعلام الذي لا تحكمه ضوابط سيتحول انفلاتاً قاتلاً، قاتلاً حرفياً، لأن حرية الإعلام ترتفع مع حرية التحريض حتى على الشاشات وفي الصحف والمواقع الإلكترونية".

مفاهيم التطبيق

تقرير المنظمة الدولية فتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول فاعلية التحسن وحدوده المهنية، بخاصة أنه لم يترافق مع نصوص تشريعية ناظمة للعمل الإعلامي بصورته العصرية والحيوية، التي تعبر عن استقرار الرؤية السياسية – الاجتماعية، ومعها تحديد حقوق وواجبات الصحافي. وهنا يرى صحافيون وإعلاميون أن الحرية غير المضبوطة هي مشكلة وليست حلاً، لأنها قائمة على الاجتهاد وعدم المحاسبة وترك الأبواب مشرعة أمام جميع الأقلام بمختلف توجهاتها ومآربها. فيما يرى صحافيون آخرون أن تقدم المراتب هذا هو قفزة نوعية لا يمكن إنكارها، لأنها أساساً تراعي ابتعاد السلطة عن تكميم الأفواه عنوة، وهو ما كان يسعى إليه صحافيون كثر واجهوا مرارة الاعتقال والتقييد والإلزام بالتوقيع على تعهدات بعدم ممارسة العمل الصحافي.

يقول أستاذ مادة التحرير الصحافي الأكاديمي أدهم زيدان، "اليوم لعبة الأرقام مخيفة، كمثل أرقام مليارات الدولارات المستثمرة في سوريا، التي كانت وهمية، الأهم هو الواقع على الأرض. وفي سوريا لدينا فجوة مرعبة بين النص والتطبيق وهو تحد هائل، المؤسسات المعنية لم تتبلور حتى الآن وضمناً وزارة الإعلام. مشاكل الموارد والاستقرار ووعود بناء مدينة إنتاج إعلامي بأرقام فلكية، كلها ظلت أشياء غير متحققة، إضافة إلى أن الحماية القانونية غير منتظمة، وهناك فرز بين الإعلاميين أنفسهم في الميزات، بين إعلامي ثائر له كل شيء، وإعلامي في مناطق النظام السابق ليس له شيء. نحن نبحث عن نص تشريعي واضح، نبحث عن حرية خارج الثورية تسمح لنا بانتقاد منتجات الثورة نفسها، هل هذا متاح فعلاً؟ إذا كان الإعلان الدستوري نفسه يجرم الحقبة الماضية كاملة برموزها، أليس في المرحلة الحالية رموز فعلت ما فعلته رموز المرحلة السابقة؟ هذه تصبح صحافة انتقائية، وهذا النوع من الصحافة هو ما يجعل المؤشر يقفز هكذا لأن قوامه نفسه غير عادل في الفرز".

على الأرض

في مارس (آذار) الماضي، نشر أحد الصحافيين تدوينة يستذكر فيها مجازر الساحل قبل عام ونيف، استدعي في اليوم التالي إلى إحدى الجهات في دمشق هاتفياً من دون إيضاح السبب المباشر، لكنه كما يخبر، تمكن فوراً من الربط بين تدوينته و"الاستدعاء اللبق" مثلما سماه. وقد فضل الحديث من دون ذكر اسمه قائلاً، "فوراً علمت أن الأمر يتعلق بمنشوري، لا سيما أن منشوري يستذكر تلك الأحداث بإدانة واضحة. كنت أمام خيارين صعبين، ففي حقبة الأسد الذهاب عبر الاستدعاء يعني اللاعودة، وفي الوقت ذاته فإن عدم الذهاب يعني أبواباً من الجحيم. بالمحصلة قررت الذهاب بالموعد، استقبلني شيخ مسؤول هناك، كان لبقاً للغاية، شربنا القهوة وجلسنا قرابة ساعة من دون أن يسألني مطلقاً عن المنشور أو عن كتاباتي. كان الحديث ودياً للغاية، وقال لي: إذا احتجت أي شيء نحن ندعم كل الصحافيين، وبالمحصلة تلك الجملة بحد ذاتها كانت هي المقلقة، الرسالة كانت واضحة، أعيننا عليك، لا تخرج عن الخط المرسوم. هذا الاستقبال أقسى من التنبيه نفسه لو وقع، عدت وأقفلت حساباتي على مواقع التواصل، لأني أعلم أن الاستدعاء الثاني، إن وقع، لن يكون لطيفاً أبداً". لكن في المقابل، هناك صحافيون وناشطون ومدونون أكدوا أنهم عبروا عن رأيهم أكثر من مرة على وسائل التواصل، لكن أحداً لم يتعرض لهم ولم يجرِ استدعاؤهم.

لا يمكن تجاهل حالة التيه التي أحاطت الوسط الصحافي بعد سقوط النظام، لم تعد هناك تشريعات واضحة، لم يعد المسموح والممنوع واضحان، صار يخشى أن يستمر الصحافيون في رفع السقف ثم تكون هناك عقوبات لاحقة. لكن بالمحصلة، فإن هذا التيه في ضبط العمل المهني هو ما أتاح لسوريا بالخلاصة أن تقفز بهذه القوة في مؤشر الترتيب العالمي الذي تذيلته طويلاً.

يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي فضل سامي، إن "تسامح الدولة كنظام مركزي يعزز الانفتاح، وهو ما أدى إلى قفزة حرية الصحافة تلك، لكن على الأرض في المستويات الأضيق هل الصحافة حرة مثلاً؟ هل يمكن لصحافي أن يتحدث بالاسم والوثائق عن شيخ أمني أو سواه يستولي على منازل بالقوة؟ عن فساد مسؤولين معينين بالتحديد؟ عن قيادات ميدانية لديها ممارسات غير صالحة؟ هنا يبرز التعقيد، هناك جهات، ومنها الدولة عامة، تتحمل رفع سقف النقد لكنها لا تتمكن من ضبط ردود الأفعال عليه إذا طال أشخاصاً غير منضبطين أساساً، وهنا العقدة في ما يحصل، وهذا بمطلق الأحوال يحسب للسلطة بانفتاحها".

وأكمل: "مع سقوط النظام تخوف صحفيو النظام السابق كثيراً من الاعتقال، لكن فعلياً ماذا حصل؟ أعتقد أنه جرى اعتقال شخص أو اثنين للتورط بما هو أبعد من الصحافة، وهرب آخرون لتورطهم بملفات حساسة، أما البقية بينهم مراسلو الميدان لم يتعرضوا لمضايقات ولو أنه جرى إقصاؤهم لكن من دون عقوبات. حتى إني أذكر قبل مدة تعرضت صحافية لاعتقال من قبل جهاز أمني، وفوراً تدخل وزيرا الإعلام والداخلية لإطلاق سراحها فوراً، وهذه هي المؤشرات التي نريدها، وهذه المؤشرات التي يمكن أن تظل تسهم في رفع تصنيف معدل الحريات لدينا. إذاً، هي ملفات متشابكة كل منها يقود للآخر، وتقاطعها ضمن حلول حيوية هو ما يعطي النتائج المرادة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين مشهدين

قبل سقوط النظام، كانت تمسك المستشارة الخاصة للأسد لونا الشبل، التي قضت أيضاً قبل السقوط بفترة وجيزة بحادثة سير، بكل خيوط الإعلام داخل سوريا. كانت الأوامر والتوجيهات والترتيبات تصدر عنها، ولم يكن مسموحاً لصحافي أن يمارس المهنة، أو لقناة خارجية أن تفتح مكتباً لها في دمشق، ما لم تنل رضا وثقة الشبل. كانت تدير كل صحافيي البلد عبر مجموعات في تطبيقات "واتساب" و"تيليغرام" وعبر اجتماعات مغلقة دورية. الاجتماعات تلك كانت مخصصة أكثر للصحافيين المشاهير والمؤثرين، ومن خلاله يتلقون تعليمات المرحلة المقبلة، فيما كان يتولى المكتب الخاص للأسد أمور "اللجان الإلكترونية" عبر ميزانية خاصة أتاحت إنشاء آلاف الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وعشرات آلاف الحسابات الشخصية الوهمية لتمرير قرارات ورؤى النظام ودعمه بصورة مستمرة.

اليوم، هناك تشابه نسبي في هذا الأمر وإنما بصورة عكسية، فصحافيو الانتفاضة القادمون من إدلب يحملون ذات الخطاب والفكرة والمعلومة وتوقيت النشر، فيما يترك الصحافيون المستقلون ليمارسوا عملهم بحرية من دون توجيهات. ولكن في الوقت ذاته، يبدو تحيز القبول في العمل واضحاً، فكما منع النظام السابق قنوات من العمل في سوريا، اليوم هناك قنوات ممنوعة من العمل ولم يسمح لمراسليها بالحصول على تراخيص، فجرى إقفال مكاتبهم وقيل لهم، بحسب مصدر خاص لـ"اندبندنت عربية": "نحن لا نضمن سلامة مراسليكم".

جودة الحرية

يرى أكاديميون أن غياب القيود المهنية لا يعني بالضرورة إنتاج إعلام متوازن ورصين، وعلى رغم أن غياب هذه القيود في الحالة السورية قد يدفع سوريا ضمن مرتبة المئة الأوائل في مؤشر صحافة العام المقبل، لكن ذلك يظل كبناء جميل من الخارج من دون أساسات من الداخل، وذلك ما سينتج أنماطاً إعلامية تصبح عرفاً سائداً، وهي تفتقر بالضرورة لأدنى مقومات مواثيق "الشرف المهني".

"علينا البناء على ما حققناه واستغلاله لتطويره رؤية ومشروعاً"، يقول الناشط الحقوقي عمر صبان، رابطاً مؤشر حرية الصحافة بمختلف مؤشرات الحرية المعروفة، مضيفاً: "هناك أناس ستسخف هذا التقدم، لكن منظمة ’مراسلون’ لا تحابي الدولة بهذا التصنيف، وفي الوقت ذاته لديها منهجية صارمة في التقييم، لذلك علينا أن نفرح لهذا الإنجاز لأنه يمهد لإنجازات لاحقة. كنا في آخر ترتيب الحريات الصحافية، اليوم نقفز للأمام، ما الذي يمنع جواز سفرنا أن يقفز في اللاحقة أيضاً؟ نحن نسير في الطريق الصحيح، فقط نحتاج الوقت، الدول تبنى عبر سياقات خاصة على رأسها التعليم والقضاء والصحافة، وكل تطور سينعكس على البقية، والبقية ستسحب المؤشر على كل الجوانب الأخرى، ومن هنا تأتي أهمية الإنجاز".

حدود حرية الصحافة

عضو اتحاد الصحافيين السابق أشرف الخطيب يشرح أن "ثنائية التقدم أو التراجع لا يمكن عزلها عن سياق أوسع وأكبر بكثير من مجرد رقم يجري تداوله مهما بني على مؤشرات، طالما أن تلك المؤشرات بنيت على مسار متحرك في مفصلية انتقالية غير ثابتة، وبالتالي هي راعت المانشيت العام لكل مؤشر، درسته ولم تخض في تفاصيل الخبر نفسه، أي يوميات الناس والممارسات الواقعة عليهم وهل تمكنت الصحافة من تغطيتها بمهنية؟ أعتقد أنه من الأفضل ألا يكون جرى إدراج سوريا في المؤشر إنما يمكن تصنيفها ضمن بند إعادة التشكيل".

بالمحصلة، لا شك أن صعود المؤشر اللافت هذا منطلق إيجابي يبنى عليه في ظل حالة من الرمادية المحيطة بالحقائق المطلقة، وكما أي قضية سورية أخرى تباينت آراء المتخصصين، بين مباركين ومهللين لإنجاز غير مسبوق، وبين متخوفين يبحثون من خلال التفاصيل عن ضمان التقدم الفعلي لا شكله الرقمي. وفي خضم هذا التباين، يبقى اليقين مرتبطاً بالحدود النهائية لاختبار حدود حرية الصحافة على أرض الواقع في ملفات أبعد من النقد العام نحو جعل الصحافي شريكاً في الحدث والمعلومة والوثيقة على قاعدة أن "النقد في مكانه يبني ولا يهدم"، من دون أن تتم أدلجته في سياق الولاء الأعمى، وبالتالي إعادة تكرار دورة أزمنة سابقة من شأنها أن تعيد سوريا لآخر ترتيب المؤشر.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير