ملخص
تراجعت المساعدات الخارجية البريطانية بصورة ملحوظة منذ عام 2020، مرة عبر حكومة "المحافظين" وأخرى عن طريق حزب العمال، وفي كل مرة استدعيت أسباب مختلفة وقالت السلطات إن الفعل موقت، ولكن أوضاع البلاد لا تتغير، والضرر في انحسار تلك المساعدات يؤثر في مؤسسات بريطانية ودول عدة حول العالم.
شهدت السياسة البريطانية تجاه المساعدات الخارجية تحولاً كبيراً منذ 2020، مع انتقال المملكة المتحدة من موقع الدولة الرائدة في التزام هدف الأمم المتحدة بإنفاق 0.7 في المئة من دخلها القومي على المساعدات، إلى سياسة تقشف قادها أولاً حزب المحافظين، ثم عمقتها حكومة "العمال" لاحقاً، وأثارت هذه التحولات جدلاً سياسياً وأخلاقياً داخل البلاد وخارجها، بسبب انعكاساتها على نفوذ لندن وبرامج الإغاثة والتنمية في دول فقيرة.
بدأت أولى خطوات التقليص في عهد حزب المحافظين بقيادة بوريس جونسون، حين أعلنت الحكومة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020 خفض الإنفاق على المساعدات الخارجية من 0.7 إلى 0.5 في المئة من الدخل القومي الإجمالي، باعتبار ذلك إجراء موقتاً في مواجهة التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، ودخل القرار حيّز التنفيذ عام 2021، مما أدى إلى خفض يقدر بنحو 3.5 إلى أربعة مليارات جنيه استرليني في المساعدات سنوياً.
وبررت حكومة "المحافظين" القرار حينها بتزايد مستويات الاقتراض العام، والضغط على المالية العامة بعد الجائحة، مؤكدة أن العودة إلى معدل 0.7 في المئة ستتم بمجرد تحسن المؤشرات المالية، ولا سيما وقف الاقتراض لتغطية الإنفاق اليومي، وانخفاض نسبة الدين العام، لكن صعوبة تطبيق تلك الشروط جعلت الموقت أقرب إلى سياسة دائمة.
أثار القرار حينها انقساماً داخل حزب المحافظين نفسه، إذ تمرّد عدد من نواب الحزب الأزرق ضد الحكومة، من بينهم رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، معتبرين أن تقليص المساعدات الخارجية يضر بصورة بريطانيا الدولية ويقوض التزاماتها الإنسانية، ومع ذلك نجحت حكومة جونسون في تمرير القرار داخل مجلس العموم في يوليو (تموز) 2021.
عملياً انعكس الخفض على برامج إنسانية وتنموية عدة، شملت تقليص تمويل مشاريع الصحة والتعليم والمناخ والمساعدات الغذائية في أفريقيا وآسيا ومنطقة الشرق الأوسط، كذلك حذرت مؤسسات بحثية ومنظمات إغاثة حينها من أن سرعة تنفيذ الخفوض أضرت بقدرة الجهات المنفذة على التخطيط، وأدت إلى إغلاق أو تجميد مشاريع حيوية على صعد مختلفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مع وصول حزب العمال إلى السلطة بقيادة كير ستارمر في 2024، توقع كثرٌ عودة بريطانيا إلى مستوى 0.7 في المئة، خصوصاً أن الحزب كان انتقد سياسات "المحافظين" سابقاً، لكن حكومة ستارمر أعلنت العام الماضي خفضاً إضافياً للمساعدات من 0.5 إلى 0.3 في المئة من الدخل القومي بحلول عام 2027، وهو أدنى مستوى منذ أواخر التسعينيات.
السبب الرئيس هذه المرة لم يكُن الجائحة أو الدين العام، بل تمويل زيادة الإنفاق الدفاعي، إذ أعلنت الحكومة رفع الإنفاق العسكري إلى 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية الأوروبية والحرب الروسية- الأوكرانية والضغوط الأميركية على حلفاء "الناتو" لزيادة مساهماتهم الدفاعية، وجرى تمويل جزء من هذه الزيادة عبر اقتطاع مليارات الجنيهات من موازنة المساعدات الخارجية.
هذا القرار فجّر بدوره انتقادات داخل حزب العمال نفسه، وأدى إلى استقالة وزيرة التنمية الدولية أناليز دودز التي حذرت من أن التقليص سوف يؤدي إلى انسحاب بريطاني من دول أفريقية وكاريبية عدة، وإضعاف دور لندن في ملفات المناخ والتنمية الدولية، ونبهت منظمات إغاثية من أن الخفوض قد تؤثر في عشرات الملايين حول العالم، عبر تقليص برامج التطعيم والتعليم ومساعدات الطوارئ، ورأت هذه المنظمات أن بريطانيا تستبدل القوة الناعمة بالإنفاق العسكري، مما يهدد نفوذها الدبلوماسي التقليدي وفق بياناتها الرسمية.
من جهته قال رئيس الوزراء السابق توني بلير إن "بريطانيا قبل 20 عاماً، كانت من دون شك الحليف الرئيس للولايات المتحدة في الأمن، ولاعبا رئيسيا في القوة الناعمة حول العالم، والآن ألغيت الوزارة وتراجعنا لأسباب مالية، وقد يكون من المستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن المملكة المتحدة تنازلت عن نفوذ عالمي استغرق بناؤه عقوداً".
لم تكُن المساعدات الخارجية مجرد عمل خيري، بل كانت أداة دبلوماسية قوية لكسب الثقة وصياغة التحالفات وتأمين القوة الناعمة، مما يجعل تقليصها مشكلة تتجسد في ثلاثة اتجاهات رئيسة، الأول هو خسارة المقاعد القيادية في الأزمات الدولية، إذ إن خفض مساهمات بريطانيا في صناديق متعددة الأطراف مثل الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، أضعف من قدرة لندن على قيادة الأجندة الصحية والمناخية العالمية.
والاتجاه الثاني هو الفراغ الجيوسياسي، فعلى رغم أن قوى مثل الصين وروسيا لا تسد كامل الفجوات التمويلية التي تتركها دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة في المساعدات الخارجية، إلا أن بكين وموسكو تستغلان تراجع دول الغرب في هذا المجال لتقديم نفسهما كشريك أمني واقتصادي بديل وأكثر استقراراً في دول الجنوب العالمي.
ويتمثل الاتجاه الثالث في ما يسمى "ارتداد الأخطار الأمنية"، وهو ما دفع بأكثر من 50 من كبار القادة العسكريين السابقين في بريطانيا إلى التحذير من خفض المساعدات لتمويل الخطط الدفاعية، لافتين إلى أن ذلك سوف يؤدي إلى تعريض الأمن القومي للخطر، فتدمير شبكات المراقبة الصحية ومكافحة الأوبئة مثل تفشي إيبولا الحالي في الكونغو، وإهمال برامج منع النزاعات في الدول الهشة، سيعيدان تصدير الأزمات إلى أوروبا على شكل موجات هجرة وتهديدات عابرة للحدود، مما يجعل التدخل العسكري مستقبلاً أكثر كلفة وصعوبة.
تقليص موازنة المساعدات الخارجية لم يقتصر تأثيره على الدول المستفيدة فقط، بل امتد إلى تشكيل وهيكلة عدد من أبرز المؤسسات البريطانية، على رأسها وزارة الخارجية التي كانت الأكثر تضرراً، حيث تشير خطط الإنفاق الحكومي الممتدة حتى عام 2029 إلى أن القيمة الإجمالية لبرامج الوزارة ستنخفض بنسبة تصل إلى 31 في المئة، وأدى التقليص إلى تسريح أو نقل جزء من الخبراء الفنيين والتنمويين المتخصصين لمصلحة المهمات الإدارية والدبلوماسية التقليدية، كما قاد أيضاً إلى إعادة توجيه بوصلة العمل الدبلوماسي قسراً للتركيز على مناطق النزاع الكبرى فقط مثل أوكرانيا وغزة والسودان، وإهمال الوجود التنموي طويل الأمد في بقية دول أفريقيا وأميركا اللاتينية ومناطق أخرى حول العالم.
ومن المؤسسات المتضررة أيضاً هيئة تفتيش المساعدات المستقلة، ولجنة التطوير الدولي في مجلس العموم، إضافة إلى هيئة الإذاعة البريطانية التي كانت تحصل تاريخياً على تمويلات جزئية مرتبطة بموازنة المساعدات الخارجية والأهداف الاستراتيجية للدولة، لتقديم محتوى بلغات متعددة حول العالم، فتقليص الموازنات يضع الخدمة العالمية للهيئة أمام خيارات صعبة تشمل إغلاق بعض المكاتب الإقليمية، أو تقليص البث بلغات محددة، أو الاعتماد الأكبر على التمويل التجاري، مما يضعف دورها كصوت بريطاني موجه للشعوب.
هناك أيضاً المجلس الثقافي البريطاني الذي يدير برامج تعليمية وثقافية ولنشر اللغة الإنجليزية في الدول النامية، فانخفاض الدعم يجبر المجلس على تقليص المنح الدراسية الدولية وبرامج التبادل الثقافي، وقد كشفت صحيفة «الغارديان» أخيرا أن الحكومة طلبت من المجلس وضع خطط إنفاق ستجبره على إغلاق مكاتبه في ما يصل إلى 60 دولة حول العالم.
الجامعات والمؤسسات البحثية والعلمية مثل أكسفورد وكامبريدج وكلية لندن للاقتصاد، تستفيد أيضاً من ملايين الجنيهات الإسترلينية سنوياً عبر تمويلات بحثية مخصصة لحل مشكلات العالم النامي كالأوبئة والتغير المناخي والفقر، فتسبب هذا التقليص في إلغاء أو تجميد مئات المشاريع البحثية المشتركة بين بريطانيا والجامعات في أفريقيا وآسيا.
ثمة مئات المنظمات غير الحكومية والخيرية تعتمد أيضا على العقود الحكومية المموّلة من أموال المساعدات، وقد أدى التراجع المفاجئ في تمويلها عبر المساعدات الخارجية إلى عجز أجبرها على إغلاق مكاتب ميدانية في الخارج، وتقليص برامج إغاثة طارئة، والاعتماد شبه كلّيا على التبرعات الشعبية للاستمرار في تقديم خدمات الرعاية والتعليم وصحة المرأة.
تدافع الحكومتان، "المحافظة" ثم "العمالية"، عن سياسات تقليص المساعدات الخارجية باعتبارها استجابة لواقع اقتصادي وأمني جديد، فـ"المحافظون" ركزوا على أولوية الاستقرار المالي بعد الجائحة، بينما ركز "العمال" على متطلبات الأمن الأوروبي وإعادة التسلح، كذلك تؤكد الحكومة الحالية أنها ستوجه 70 في المئة من المساعدات الباقية إلى المناطق شديدة الهشاشة والمتأثرة بالصراعات، مع تخصيص 90 في المئة منها لبرامج دعم النساء والفتيات لضمان أقصى كفاءة للمبالغ المحدودة.
وطرحت الحكومة "العمالية" أيضاً رؤية جديدة تسميها "النهج المحدث" للتطوير الدولي، تقوم على فكرة تحويل الدولة من مجرد مانح للمساعدات والمنح المباشرة إلى مستثمر استراتيجي يعتمد على دعم الأنظمة المحلية وبناء القدرات الضريبية والحوكمة بدلاً من تمويل الخدمات اليومية، واستخدام مركز لندن المالي في جذب استثمارات القطاع الخاص نحو مشاريع المناخ والبنية التحتية في الدول النامية.
المشكلة هنا أن مؤسسة الاستثمار الدولي، وهي مؤسسة تمويل التنمية التابعة للحكومة، باتت بعد تبني شعار التحول من "مانح إلى مستثمر"، تحت المجهر، ويُطلب منها تعويض نقص "المنح المباشرة" عبر محاولة جذب رؤوس الأموال نحو استثمارات المناخ والبنية التحتية، وتواجه المؤسسة ضغطاً للموازنة بين تحقيق عوائد مالية وتحقيق أهداف تنموية حقيقية.
ربما يكون تقليص المساعدات خطوة واقعية فرضتها الضغوط المالية الداخلية وحتمية تعزيز الأمن القومي، لكن ثمة ثمن لهذه السياسة تدفعه بريطانيا، فتراجع المملكة المتحدة إلى المركز الخامس أو السادس بين المانحين عالميا، يفقدها ميزة تفاضلية كثيراً ما منحتها صوتاً مسموعاً في المحافل الدولية يتجاوز حجمها الجغرافي والاقتصادي.