ملخص
مع اقتراب موعد انتهاء مهمتها في نهاية عام 2026، يتصاعد القلق من مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، إذ يطرح غيابها المحتمل أسئلة جوهرية حول من سيتولى ضبط إيقاع الجنوب، وما إذا كانت التوازنات الحالية قابلة للاستمرار من دون هذا الغطاء الدولي. بين واقع ميداني متفجر ومستقبل غير محسوم، يقف الجنوب اللبناني على مفترق طرق حساس، حيث تختلط المخاوف بالترقب، وتبقى كل السيناريوهات مفتوحة على احتمالات يصعب التنبؤ بها.
على إيقاع الغارات المتواصلة والتوتر المتصاعد على طول الحدود الجنوبية، يعيش لبنان مرحلة أمنية دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالهواجس السياسية، فيما يبدو الجنوب تحديداً ساحة مفتوحة على احتمالات شتى، من التصعيد المحدود إلى الانزلاق نحو مواجهة أوسع لا يمكن ضبط إيقاعها. وفي قلب هذا المشهد الضبابي، تتزايد الأسئلة حول مآلات الوضع الأمني، في ظل غياب أفق واضح لاحتواء التوتر، وتبدل قواعد الاشتباك التي لم تعد تشبه ما كانت عليه في الأعوام الماضية.
في موازاة ذلك، يبرز دور قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل" كعنصر أساس في معادلة الاستقرار الهش، إلا أن هذه القوة نفسها باتت جزءاً من المشهد المتوتر، بعد تعرضها في الآونة الأخيرة لاستهدافات مباشرة، كان أبرزها مقتل ثلاثة عناصر فرنسيين بعد تعرضهم لاعتداء في منطقة الغندورية الواقعة في قضاء بنت جبيل، مما أعاد طرح علامات استفهام جدية حول مستوى الحماية المتاحة لها، وحدود قدرتها على أداء مهامها في بيئة أمنية تزداد تعقيداً.
ومع اقتراب موعد انتهاء مهمتها في نهاية عام 2026، يتصاعد القلق من مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، حيث يطرح غيابها المحتمل أسئلة جوهرية حول من سيتولى ضبط إيقاع الجنوب، وما إذا كانت التوازنات الحالية قابلة للاستمرار من دون هذا الغطاء الدولي. بين واقع ميداني متفجر ومستقبل غير محسوم، يقف الجنوب اللبناني على مفترق طرق حساس، حيث تختلط المخاوف بالترقب، وتبقى كل السيناريوهات مفتوحة على احتمالات يصعب التنبؤ بها.
كل هذه الملفات وسواها حملناها في حوار مطول مع المتحدث باسم "اليونيفيل" في لبنان داني الغفري، سعينا من خلاله إلى استيضاح تقييم البعثة للوضع الأمني الراهن، وحدود دورها في ظل التصعيد المتواصل، فضلاً عن قراءتها لمستقبل الجنوب اللبناني مع اقتراب نهاية مهمتها، والسيناريوهات المحتملة.
نبدأ حوارنا بتقييم عام للوضع الأمني في لبنان وتحديداً في الجنوب، فيقول الغفري، إنه منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي، شهدنا تصاعداً كبيراً في أعمال العنف ضمن منطقة عمليات "اليونيفيل"، مع إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وقصف إسرائيلي وغارات جوية إسرائيلية في منطقة عملياتنا، إضافة إلى اشتباكات بين الجيش الإسرائيلي و"حزب الله" أيضاً ضمن نطاق عملياتنا. وبطبيعة الحال، هناك وجود لجنود الجيش الإسرائيلي شمال الخط الأزرق، داخل منطقة عملياتنا، ويؤكد "كل ما ذكرته يشكل خروقات جسيمة للقرار 1701، وقد طلبنا منذ بداية هذا التصعيد الأخير من جميع الأطراف العودة إلى وقف الأعمال العدائية ووقف إطلاق النار فوراً".
وتابع "منذ إعلان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 17 أبريل (نيسان) الماضي، شهدنا تراجعاً نسبياً وملحوظاً في الأعمال العدائية، لكن لا يمكننا القول إن هناك وقفاً كاملاً لإطلاق النار. ففي الأيام الأخيرة، لا نزال نشهد موجة من الغارات، ووجوداً مستمراً للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى تدمير في البنى التحتية المدنية والمنازل. ورصدنا في بعض الأحيان إطلاق صواريخ من الجانب اللبناني نحو الجانب الإسرائيلي".
"اليونيفيل" في مرمى النيران
عند سؤالنا عن الاعتداءات التي طالت قوات "اليونيفيل"، يقول الغفري "لا شك أن عناصرنا منتشرة في كامل منطقة عمليات قوات الطوارئ، ويبلغ عددهم نحو 7500 جندي من 47 دولة. وهم موجودون على طول الخط الأزرق، وكذلك في كامل منطقة العمليات، أي بين نهر الليطاني والخط الأزرق. هؤلاء العناصر يتمركزون في مواقعهم التي تحيط بها، في بعض الأحيان، أعمال قتالية واشتباكات وقصف متبادل. كما تتعرض بعض مواقعنا، أو المناطق القريبة منها، إلى قصف أو سقوط قذائف".
وعن طبيعة التهديدات، يكشف أنه يوجد حالياً صعوبة في تحرك عناصر "اليونيفيل" بسبب القصف الذي كان قائماً، وبسبب القنابل غير المنفجرة، وكذلك الألغام المزروعة في المنطقة لإعاقة الحركة، و"يضاف إلى ذلك وجود الجيش الإسرائيلي داخل منطقة عملياتنا، حيث نتعرض في بعض الأحيان لإعاقة لتحركاتنا. وهنا نغتنم الفرصة لتذكير جميع الأطراف بضرورة ضمان سلامة عناصر حفظ السلام، ولكن أيضاً ضمان حرية حركتهم من أجل تمكينهم من القيام بالمهام التي كلفهم بها مجلس الأمن وفق القرار 1701".
نتوقف مع المتحدث باسم "اليونيفيل" عند الحادثة الأخيرة التي شهدتها منطقة الغندورية في قضاء بنت جبيل في الجنوب، والتي قتل خلالها جنديان فرنسيان من قوات "اليونيفيل"، فيرد "للأسف، يتعرض حفظة السلام للأذى بسبب هذا النزاع القائم. هناك نحو 30 اعتداء مباشراً على حفظة السلام منذ الثاني من مارس الماضي. وللأسف، سقط لدينا ستة قتلى من حفظة السلام، أربعة من إندونيسيا واثنان من فرنسا. نقدم تعازينا الحارة لعائلاتهم وزملائهم. وهناك أكثر من 25 جريحاً سقطوا أيضاً خلال هذه الفترة، بعضهم لا يزال في المستشفيات يتعافى من إصاباته".
وأضاف "في ما يتعلق بالتحقيقات حول مسببي هذه الاعتداءات، لا شك أن هناك اعتداءات من الطرفين أو هجمات تعرض لها حفظة السلام من الجانبين (في إشارة إلى الحزب وإسرائيل). لقد أصدرنا بيانات حول عديد من الحوادث التي تعرضنا لها، وسمينا الجهات التي قامت بها عندما كانت لدينا معلومات كافية. وفي أوقات أخرى، كنا نعلن أن تحقيقاً سيُجرى لتحديد أسماء الفاعلين أو الجهات المسؤولة".
وتابع أنه في ما يتعلق بالحادثة الأخيرة في بلدة الغندورية، فقد حصلت عندما كانت دورية فرنسية تحاول فتح طريق للوصول إلى مركزين لقوات "اليونيفيل" في المنطقة. وقد تعرض العناصر الذين كانوا يقومون بإزالة المتفجرات من الطريق، وهم من فوج الهندسة، لإطلاق نار من أسلحة خفيفة. وتشير التقديرات الأولية وفق التحقيقات التي أجريناها، إلى أن الفاعلين ينتمون إلى جهة غير حكومية لبنانية، ومن المرجح أن تكون "حزب الله". لكن الدولة اللبنانية مدعوة، ونحن ندعوها ونحثها على الإسراع إلى إجراء التحقيق وإنهائه بشكل سريع لكشف كل الملابسات وتقديم الفاعلين إلى العدالة.
حفظ السلام ليست مهمة سهلة
نسأل "كيف أثرت هذه الخسائر أو هذه الاعتداءات الدموية التي تكثفت في الفترة الماضية على عمل البعثة ومعنويات الجنود؟"، فيؤكد الغفري أن حفظ السلام ليست مهمة سهلة، وحفظة السلام يدركون الأخطار المرتبطة بعملهم. وبالنسبة لنا، فإن الأولوية القصوى هي الحفاظ على حياة وسلامة حفظة السلام، من مدنيين وعسكريين، ونحن نتخذ كل الإجراءات اللازمة لذلك.
ومع تصاعد أعمال العنف منذ الثاني من مارس الماضي، كثفت "اليونيفيل" أنشطتها العملياتية من أجل رفع مستوى الحماية لعناصرها في ظل الأخطار التي يعملون فيها، بما يشمل تقليل عدد الدوريات وتأمين محيط مقراتها والتركيز على تسهيل وصول قوافل المساعدات الإنسانية وعمل المنظمات الإنسانية لمساعدة السكان المحليين، وهنا يشدد الغفري على أن حفظة السلام لا يزالون في مواقعهم كافة، يقومون بواجبهم ويرسلون التقارير إلى مجلس الأمن.
عند الحديث عن المهام التي تقوم بها القوات الأممية جنوب لبنان، نتوقف في حوارنا عند ما وصفه كثيرون بأنه "إخفاق" هذه القوات في عدم انتشار السلاح في الجنوب وتحديداً سلاح "حزب الله" بعد حرب عام 2006، فيما كانت انتشرت في الأشهر الماضية صور لما قيل إنها أنفاق ومخازن أسلحة للحزب قرب أبراج مراقبة تابعة لـ"اليونيفيل"، فيجيب الغفري "مهمتنا هي مساعدة الأطراف على تنفيذ القرار 1701. نحن قوة مساعدة لضمان التزام إسرائيل ولبنان بما نص عليه القرار. نحن هنا لمساعدة الجيش اللبناني والدولة اللبنانية على بسط سلطتها داخل منطقة عملياتنا. وقد قمنا بعمل كبير مع الجيش اللبناني الذي يقوم أيضاً بدور كبير جداً في المنطقة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردف "منذ تفاهم وقف الأعمال العدائية الذي بدأ في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رصدنا أكثر من 420 موقعاً أو مخبأ للأسلحة خلال الأشهر الماضية، وتمت إحالة هذه المواقع إلى الجيش اللبناني وفق الإجراءات المعتمدة. وأبلغت اليونيفيل مجلس الأمن بكل ما رصدته من خروقات من الجانبين، بما في ذلك الخروقات الجوية الإسرائيلية ووجود الجيش الإسرائيلي في بعض المواقع. وكل هذه المعلومات نُشرت في التقارير الرسمية التي يرفعها الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن. إنما المسؤولية في تنفيذ القرار الأممي تقع على الدولتين (لبنان وإسرائيل)".
في ما يتعلق بالتنسيق، يؤكد أنه لا يوجد أي تنسيق مباشر أو غير مباشر مع "حزب الله"، وأن "اليونيفيل" تتعامل مع الدولة اللبنانية والسلطات الرسمية والجيش اللبناني، ولدينا علاقة ممتازة معهم، وننسق بشكل يومي وعلى مدار الساعة، وعما بات يطلق عليه الخط الأصفر أو المنطقة الصفراء، فيؤكد الغفري أنهم لا يتعاملون مع هذه المفاهيم، بل يعملون ضمن إطار القرار 1701 ومنطقة العمليات المحددة بين جنوب الليطاني والخط الأزرق.
خروج "اليونيفيل" عام 2027
بحلول نهاية عام 2026 يُفترض أن تبدأ مهمة خروج قوات "اليونيفيل" من جنوب لبنان وقد تراجع بالفعل عديد هذه القوات إلى نحو 7500 حالياً من 10 آلاف في السابق. وهنا يقول المتحدث باسم "اليونيفيل" إن "هناك عنصرين يجب التحدث عنهما. أولاً، تخفيض العديد من نحو 10 آلاف إلى 7500 عنصر، هو بسبب الأزمة المالية العالمية التي تؤثر في الأمم المتحدة، والتي أدت إلى خفض عدد قوات اليونيفيل بنحو 25 في المئة. هذا الموضوع مختلف كلياً عن إنهاء العمليات في نهاية عام 2026. أما في ما يتعلق بإنهاء المهمة، فإن مجلس الأمن الدولي، في قراره 2790 الصادر في 28 أغسطس (آب) 2025، مدد ولاية القوات الأممية لمرة أخيرة حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، وطلب من اليونيفيل الاستمرار في جميع المهام التي تقوم بها وفق القرار 1701 حتى هذا التاريخ، حيث تتوقف عمليات البعثة، وتبدأ اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني) 2027 عملية انسحاب تدريجي".
ويتابع أن "اليونيفيل" كانت، قبل الثاني من مارس الماضي، تقوم بكل التحضيرات اللازمة لعملية الانسحاب التدريجي خلال عام 2027، بالتنسيق مع الدولة اللبنانية، "لأننا نفترض أن نسلم أنشطتنا ومواقعنا إلى الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية، وذلك أيضاً بالتنسيق مع الدول المساهمة بقوات، من أجل جدولة عملية انسحاب هذه القوات، وكذلك مع الجانب الإسرائيلي لإبلاغه بكل التطورات على الأرض. بطبيعة الحال، سيستمر هذا الموضوع عندما تسمح الظروف الأمنية والمعطيات على الأرض بالعودة إليه. ولا يزال قرار مجلس الأمن قائماً".
وعن أية احتمالية لتأجيل انسحاب القوات الأممية من الجنوب، يقول الغفري "اليونيفيل تعمل بناء على تفويض من مجلس الأمن، ونحن نعمل وفق القرار 1701. وقد جدد مجلس الأمن ولايتنا وفق القرار 2790 حتى نهاية عام 2026. وإذا تغير قرار مجلس الأمن، فإننا ننفذ القرار الجديد. وحتى الآن، لا يوجد أي تعديل على هذا القرار. والنقطة الثانية المهمة هي أن مجلس الأمن، في القرار 2790، طلب من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم خيارات بحلول يونيو (حزيران) 2026 حول كيفية الاستمرار في تطبيق القرار 1701 بعد خروج قوات الطوارئ، وكيفية تأمين وحماية الخط الأزرق، وكذلك كيفية الاستمرار في مساعدة السكان المدنيين، وهي كلها مهام كانت تقوم بها اليونيفيل في منطقة عملياتها. سيقوم الأمين العام بتقديم هذه الخيارات، وسيقوم مجلس الأمن بدراستها واتخاذ القرار المناسب".
وتابع "ما سيجري في منطقة عملياتنا بعد خروجنا، فلا يمكنني التعليق عليه الآن، ولا يمكنني التكهن به. كنا نحضر ونضع الخطط، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، من أجل البدء بتسليم بعض المراكز للجيش اللبناني، ومن ثم تسليم كل الأنشطة والمواقع تدريجاً. هذه أرض لبنانية، والدولة اللبنانية هي صاحبة السيادة عليها، وهي التي تقرر ما إذا كانت ستسلم هذه المواقع لقوة جديدة أو لجيش آخر".
مستقبل الجنوب بعد "اليونيفيل"
في الختام، نتحدث مع الغفري عن مستقبل الجنوب بعد "اليونيفيل"، وقدرة الجيش اللبناني على ضبط الوضع في كامل المنطقة الجنوبية، وهنا يؤكد أنه كانت هناك تحضيرات لتسليم المهام إلى الجيش اللبناني، الذي انتشر في مئات المواقع بعد تفاهم وقف الأعمال العدائية. كما طُلب من جميع الدول مساعدة الجيش اللبناني من أجل رفع مستوى جهوزيته، من حيث الإمكانات والعديد والعتاد، لكي يتمكن من استكمال السيطرة الكاملة على منطقة العمليات بعد خروج "اليونيفيل".
إنما "مع الأعمال العدائية الأخيرة التي شهدناها، تغيّر الوضع بشكل كبير، لا سيما مع وجود الجيش الإسرائيلي داخل منطقة عملياتنا في جزء كبير منها، وهو ما يشكل خرقاً جسيماً للقرار 1701 وانتهاكاً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه".
نسأل "هل تخشون على جنوب لبنان بعد خروجكم؟"، فيجيب "الخشية موجودة في ظل الوضع الحالي. فالمدنيون يدفعون الثمن اليوم في منطقة عملياتنا وفي كل لبنان، حيث نشهد دماراً كبيراً في البنى التحتية والمنازل، وخسائر كبيرة في الأرواح. لذلك دعت قوات الطوارئ منذ اليوم الأول جميع الأطراف إلى وقف هذا المسار، ووقف أعمال العنف، والعودة إلى وقف الأعمال العدائية، وفتح نافذة للحل. الحل لن يكون عسكرياً، بل سيكون سياسياً، من خلال الجلوس إلى طاولة الحوار والتوصل إلى حلول مستدامة. القرار 1701 لا يزال قائماً وصالحاً، ويشكل إطاراً دولياً لهذا الحل، ونحن مستعدون للمساعدة في أي مجال ممكن".