ملخص
تعيش مدينة السويداء حالاً من الفوضى والفلتان الأمني وتردي الأوضاع المعيشية، وسط تذمر من الأهالي ومطالبات بحل تحت أي ظرف، وتحييد المدنيين عن الخلافات السياسية.
في أقصى الجنوب السوري، قرب الحدود الأردنية، مدينة سورية ولكنها تبدو خارج الخريطة السياسية والاقتصادية والأمنية للبلاد، السويداء، حيث تسيطر فصائل محلية تابعة للشيخ الدرزي حكمت الهجري، الذي طالب بانفصالها وتحولها إلى دولة مستقلة تحمل اسم "جبل باشان"، وهو مشروع لاقى رفضاً واسعاً عربياً وإقليمياً ودولياً، بل وحتى رفضته شريحة واسعة من أهالي السويداء، بمن فيهم معارضون لحكومة الرئيس أحمد الشرع.
على الصعيد السياسي، يشهد ملف السويداء جموداً في الحل، فلا حوار ولا تواصل بين الفصائل المحلية والحكومة السورية، في وقت يدفع الثمن سكان المدينة الذين يعانون الفقر المدقع وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والفلتان الأمني، فضلاً عن الخلافات بين الفصائل المحلية داخل مدينة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الأساس.
الخيار الأقل كلفة
يقول أبو ليث (اسم مستعار)، وهو موظف حكومي سابق، إن موقفه لا يزال مؤيداً للقيادة المحلية (حكمت الهجري، لكنه لم يعد قادراً على تجاهل حجم التدهور الذي يعيشه الناس يومياً، ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، أنه من الناس "الذين دعموا الهجري منذ البداية، وكنت مقتنعاً بأن وجود مرجعية محلية قوية يمكن أن يحمي السويداء من الانزلاق إلى الفوضى التي شهدتها مناطق أخرى، كنا نعتقد أن هذا الخيار هو الأقل كلفة، وأنه سيمنحنا فرصة لتنظيم أمورنا داخلياً إلى حين اتضاح الصورة على مستوى سوريا ككل، لكن ما يحدث اليوم يجعلنا نعيد التفكير في كثير من الأمور".
ويتابع أبو ليث أن "الوضع المعيشي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، والرواتب شبه معدومة، ومن لديه عمل بالكاد يستطيع تغطية حاجاته الأساس، وأسعار المواد الغذائية تضاعفت مرات عدة، والكهرباء تأتي لساعات قليلة جداً، والمياه أحياناً تنقطع لأيام، نحن نتحدث عن انهيار حقيقي في مستوى الحياة".
ويضيف المواطن الذي لم يخرج من السويداء منذ أكثر من عام، أن "المشكلة الأكبر أننا لا نرى خطة واضحة للخروج من هذا الوضع، هناك إدارة أمر واقع ولكن لا مشروع اقتصادياً، ولا رؤية أمنية متماسكة، الفصائل موجودة ولكن التنسيق بينها ضعيف، وهذا ينعكس على الأرض من خلال حوادث خطف واشتباكات متفرقة، الناس هنا بدأوا يشعرون بأن الأمور خرجت عن السيطرة، أو في الأقل ليست تحت سيطرة جهة واحدة قادرة على فرض النظام".
ويختم حديثه بالقول إنه لا يزال يؤمن بأن "الحفاظ على خصوصية السويداء مهم، لكن هذا لا يعني أن نبقى عالقين في هذا الوضع إلى ما لا نهاية، إذا لم يكن هناك تحسن ملموس، فإن كثراً مثلي سيضطرون إلى مراجعة مواقفهم".
أبسط مقومات الحياة
أما أم رامي، وهي أرملة تعيل ثلاثة أطفال، فتقول في حديثها لـ"اندبندنت عربية"، إنهم تعبوا "من كل هذا الكلام عن السياسة، منذ زمن ونحن نسمع عن حلول قريبة وعن مبادرات، وعن تفاهمات، لكن على الأرض لا شيء يتغير، بل على العكس الأمور تزداد سوءاً، بالنسبة إليَّ كأم كل ما يهمني هو أن أستطيع إطعام أطفالي وتأمين الحد الأدنى من الحياة لهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشرح تفاصيل معاناتها اليومية "أنا لا أعمل وأعتمد على بعض المساعدات وما يمكنني تأمينه من بيع بعض الأغراض من البيت، وخلال الأشهر الماضية اضطررت لبيع أثاث بيتي لأتمكن من شراء الطعام، حتى الأدوية أصبحت عبئاً كبيراً، عندما يمرض أحد أطفالي أشعر بالعجز لأنني لا أملك المال الكافي للعلاج، الأمان أيضاً لم يعد كما كان، في الليل أحياناً نسمع إطلاق نار، ونخاف من الخروج حتى أثناء النهار في بعض المناطق، هناك شعور دائم بالقلق ولا توجد جهة يمكن أن نلجأ إليها إذا حدثت مشكلة، كل شيء يعتمد على العلاقات الشخصية أو الحظ".
وتضيف غاضبة "لهذا أقول إننا نريد أي حل، أي شيء يعيد الاستقرار، لا يهم من يحكم ولا كيف تُدار الأمور سياسياً، المهم أن تتوقف هذه المعاناة، الناس لم يعودوا قادرين على الانتظار أكثر، إذا استمر الوضع هكذا سنصل إلى مرحلة لا يمكن السيطرة عليها".
البحث عن الدولة
في الجهة المقابلة يطرح فادي، وهو تاجر في الأربعينيات من عمره، رؤية مختلفة تقوم على ضرورة إعادة دمج السويداء ضمن مؤسسات الدولة السورية، ولكن بصيغة جديدة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي شهدتها البلاد، ويرى أن "تجربة الإدارة المحلية بالصورة الحالية وصلت إلى حدودها القصوى، ولا يمكن إنكار أن هناك جهوداً بذلت ولكن النتيجة النهائية واضحة، لا يوجد استقرار كافٍ، ولا اقتصاد حقيقياً، ولا مؤسسات قادرة على الاستمرار، وأية منطقة مهما كانت خصوصيتها تحتاج إلى إطار دولة لتنظيم حياتها".
ويضيف فادي لـ"اندبندنت عربية"، أنه "عندما نتحدث عن الدولة، نحن لا نقصد العودة إلى ما قبل عام 2024، لأن ذلك النموذج انتهى، لكن يجب أن تكون هناك دولة جديدة،د فيها نظام قانوني واضح ومؤسسات فاعلة وضمانات لحقوق الناس، من دون ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة من الأزمات، فالتاجر في حاجة إلى بيئة مستقرة ليعمل وإلى قوانين واضحة ونظام مصرفي وإلى طرق آمنة لنقل البضائع، وكل هذه الأمور غير متوافرة حالياً، حتى أبسط العمليات التجارية أصبحت معقدة ومكلفة بسبب الفوضى".
ويتابع التاجر السوري "أعرف أن هذا الطرح لا يحظى بقبول الجميع، وهناك من يخشى تبعاته، لكن مع مرور الوقت أعتقد أن عدد المؤيدين له سيزداد، لأن البديل الحالي لا يقدم حلولاً حقيقية، بل يطيل أمد الأزمة فحسب، وفي النهاية الناس سيختارون الخيار الذي يوفر لهم الأمان والعيش الكريم مهما كانت صورته السياسية".
من جهته، يصف شاب جامعي فضل عدم ذكر اسمه حال الضياع التي يعيشها الجيل الجديد داخل السويداء، في ظل غياب أفق واضح للمستقبل. يقول لـ"اندبندنت عربية"، "كجيل شاب نشعر أننا عالقون في منطقة رمادية، لا نحن جزء فعلي من دولة لها مؤسسات واضحة، ولا نحن كيان مستقل قادر على إدارة نفسه بصورة كاملة، هذا الوضع يخلق حالاً من الإحباط لأننا لا نعرف إلى أين نتجه، كثير من أصدقائي يفكرون في الهجرة بسبب غياب أية رؤية للمستقبل، التعليم تراجع وفرص العمل شبه معدومة، وحتى الأنشطة الثقافية والاجتماعية أصبحت محدودة جداً".
ويتابع الطالب السوري "نحن في حاجة إلى مشروع واضح وقيادة تقدم لنا خطة، سواء كانت باتجاه الاستقلال الإداري المنظم، أو الاندماج ضمن دولة جديدة، لكن البقاء في هذا الوضع الحالي يعني ضياع جيل كامل، وأخشى أن يستمر هذا الجمود لأن نتائجه لن تكون فقط اقتصادية، بل اجتماعية وثقافية أيضاً، وهذا أخطر على المدى البعيد".
حلول مقترحة
من جانبه، يقول المحلل المتخصص في القضايا العسكرية والأمنية عصمت العبسي لـ"اندبندنت عربية"، إن "ملف السويداء يمثل تحدياً استراتيجياً يتطلب رؤية شاملة وعملية على أرض الواقع، ففي ظل الجمود السياسي واستمرار التهديدات الأمنية، يصبح من الضروري تحليل الواقع بموضوعية واقتراح حلول عملية قابلة للتطبيق، وفي السويداء تنعدم السلطة الرسمية في مناطق واسعة، وتتمتع مجموعات مسلحة بموارد وصفات تهدد استقرار المنطقة، هذه المجموعات التي تتنوع بين تجار المخدرات والمرتزقة تستغل الفراغ الأمني لتعزيز وجودها والقيام بأنشطتها غير المشروعة".
ويضيف العبسي أنه بالنسبة إلى سُبل الدولة السورية لحل ملف السويداء "هناك خيارات عدة، منها الخيار العسكري المحسوب، وأيضاً ثمة مجال للخيار السياسي بهدف عودة المناطق إلى سيطرة الدولة السورية من خلال تفعيل الحوار مع العشائر والمجموعات الأهلية المحلية التي ترفض وجود المجموعات المسلحة، وتقديم حوافز اقتصادية واجتماعية للمناطق التي تعود إلى كنف الدولة، وتشكيل لجان متابعة من أبناء السويداء لضمان استمرارية الأمن، وهناك أيضاً الخيار التنموي والشبكي، ويركز على معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة من خلال استثمار مشاريع تنموية تخلق فرص عمل للشباب وتحد من البطالة، وتقديم الدعم المالي والاقتصادي للعائلات المتضررة من الصراع، وإعادة بناء البنى التحتية المدمرة وتأهيل الخدمات الأساس".
ويرى المتخصص في القضايا الأمنية، أن هناك أيضاً "خياراً أمنياً مدنياً مشتركاً يستند إلى الشراكة بين الأجهزة الأمنية والمجتمع المحلي، بحيث تشكل فصائل أمنية من أبناء السويداء المدربين تحت إشراف أجهزة الدولة، وإنشاء لجان أمنية محلية تتعاون مع الأجهزة الأمنية الرسمية، وتفعيل دور الاستخبارات في كشف شبكات التمويل الخارجي للمجموعات المسلحة، لكن الدولة السورية تواجه تحديات عدة في تنفيذ أي من هذه الخيارات، وأبرز التحديات يتمثل في تدخلات خارجية تهدف إلى تفكيك الدولة السورية، ونقص الموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذ الخيارات كافة، لكن باختصار يحتاج ملف السويداء إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز الحلول العاجلة، إذ إن الدولة السورية تمتلك القدرة على استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة، ولكن ذلك يتطلب إرادة سياسية قوية وتنسيقاً دقيقاً بين الأجهزة الأمنية والتنموية، فالنجاح في حل ملف السويداء سيعزز من استقرار سوريا بأكملها".
الوساطة المنشودة
يقول المصرفي السوري الفرنسي آلان مصعب الأتاسي لـ"اندبندنت عربية إن "العامل الرئيس للعرقلة في ملف السويداء هو التشتت المؤسسي والتوتر بين الفاعلين المحليين والسلطات المركزية، مما يحد من تنفيذ سياسات اقتصادية منسقة ويعوق الاستثمارات. وفي هذا السياق، فإن وساطة دولية أكثر نشاطاً كما كانت الحال مع قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا، لا سيما من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، قد تسهل فتح إطار حوار بين سلطات دمشق والمكونات المحلية في السويداء، وكذلك وضع حد للتدخل الإسرائيلي في جنوب سوريا، الذي يقوم بتوظيف ميليشيات حكمت الهجري لخدمة مصالحه الاستعمارية الخاصة، والهدف ليس فرض علاقة قوة، بل بناء آلية تدريجية لإدماج سياسي وإداري أكثر استقراراً".
ويضيف الأتاسي أنه "يمكن أن يشكل تنظيم مؤتمر حوار وطني في السويداء يجمع ممثلين عن المجتمع المدني في جنوب سوريا وليس فقط الفاعلين السياسيين، وسيلة لضمان تمثيل أوسع للسكان المحليين وإدماج مخاوفهم الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويمكن أن يشكل هذا الإطار أساساً لمفاوضات تدريجية مع سلطات دمشق من أجل إدماج مؤسسي أفضل للمحافظة، مع احترام خصوصياتها المحلية، ومن شأن هذا النهج القائم على الوساطة الدولية وإدماج المجتمع المدني أن يقلل التوترات ويعزز الاستقرار المؤسسي، ويفتح في المدى الطويل الطريق أمام عودة الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد في المنطقة".