Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حراك السويداء... "مجلس إدارة الأزمة" بين مصالحة دمشق والاستقلال

يرى مراقبون اتحاد أبناء المحافظة خلف الهجري من أجل بوابة مستقبلية لإعادة رسم توازن داخلي في سوريا

ولدت "اللجنة القانونية" من رحم الفوضى التي أعقبت "أحداث يوليو" في السويداء (رويترز)

ملخص

تمكن الشيخ الهجري من فرض زعامته المطلقة على السويداء، والإمساك بقرار سلمها وحربها ومفاوضاتها، بل وعبر فوق الداخل ليمد الجسور مع إسرائيل التي لم تتوان عن دعمه خلال هجوم دمشق على محافظته، فقامت بقصف أرتالها وكذلك قصف وزارة الدفاع ومبنى الأركان في العاصمة السورية.

أعلن شيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء حكمت الهجري حل "اللجنة القانونية العليا" المشكلة في المحافظة منذ أغسطس (آب) عام 2025، بعد مضي نحو شهر على المجازر العنيفة التي شهدتها المنطقة، إثر اقتتال السلطة والعشائر مع الدروز، مما أفضى إلى سقوط نحو 1500 قتيل، بحسب توثيقات أممية.

كان الهدف من تشكيل اللجنة حينذاك إدارة الشؤون الأمنية والخدمية والإدارية في السويداء بعيداً من الحكومة المركزية في دمشق، وكاستجابة لحالة طوارئ قصوى، وقد جرى حل اللجنة ليحل مكانها مجلس جديد اصطلح على تسميته "مجلس إدارة جبل باشان".

يطرح هذا المتغير اليوم في السويداء بصورة أعمق عما كانت عليه قبل أحداث يوليو (تموز) عام 2025، سؤالاً حول ما يبحث عنه دروز سوريا من موقع جديد في المعادلة المتغيرة داخل سوريا، علاوة عن سؤال آخر يرتبط بمدى فشل اللجنة في دورها.

المرجعية العابرة للعمامة

تمكن الشيخ الهجري من فرض زعامته المطلقة على السويداء، والإمساك بقرار سلمها وحربها ومفاوضاتها، بل وعبر فوق الداخل ليمد الجسور مع إسرائيل التي لم تتوان عن دعمه خلال هجوم دمشق على محافظته، فقامت بقصف أرتالها وكذلك قصف وزارة الدفاع ومبنى الأركان في العاصمة السورية.

الساحات والميادين والمظاهرات كرست الهجري زعيماً أوحداً، وأمكنته من إزاحة شيخي العقل الآخرين عن الواجهة تماماً، يوسف جربوع وحمود الحناوي، والسويداء هي المنطقة التي تنفرد بوجود ثلاث مشيخات عقل متوارثة، اليوم صارت مشيخة واحدة، ومشيختان تعيشان في ظل الأولى، وهذا قرار اتخذه الشارع بنفسه.

 

وبحسب أستاذ القانون الدستوري أحمد محاميد فإن "الهجري تجاوز منطق العمامة الدينية ليملأ الفراغ السياسي والأمني واعظاً ومرشداً وأباً روحياً ومخططاً ومنسقاً ورجلاً لا تعصى له كلمة، كصوت يعبر عن غضب بيئته من دون محاباة، وكظل يستظل به في غياب الدولة وتآكل البنى المؤسساتية، والأهم من كل ذلك أن الشيخ نجح في السيطرة على السلاح وتوحيد البندقية وإنشاء جيش خاص بمدينته (الحرس الوطني)، فزاد في رصيد شعبيته، باختصار بات الهجري مهندس ملف الجنوب، وليس في هذا رفع من أهمية دوره بقدر ما فيه من توصيف مجمع عليه".

وقال "الهجري الذي شكل اللجنة القانونية ومدها بالصلاحيات هو من قام بوأدها بعد أن باتت عبئاً عليه، ولذا استبدلها بمجلس إدارة أزمة أكثر رشاقة وحيوية، وبما يتماشى مع طبيعة مشروع تتشكل فصوله في ظل الفراغ من دون أن ينخرط مباشرة ليقود بنفسه سلطة سياسية تطغى على الدور المرجعي، وبالتالي يحفظ لنفسه مكانة التحكم بالأمرين معاً، السياسة والدين، فيزيد الإطباق على القرار ما دام الشارع هناك ما زال في صفه".

ابنة الفوضى

ولدت "اللجنة القانونية" من رحم الفوضى التي أعقبت "أحداث يوليو"، لتعوض غياب مؤسسات الدولة بشقيها المدني والعسكري، وكبديل ديناميكي لتدارك الانفلات الحاصل والضياع الواقع، كانت "اللجنة" خيار الضرورة الهجين الذي يجمع كل الصلاحيات الممكنة من القضاء إلى التعليم فالعسكرة وإدارة المؤسسات وتأمين الموارد وخلافه، وكان واضحاً منذ البداية للمراقبين أن "اللجنة" هي ابنة الفوضى الموقتة التي ستسد فراغاً مرحلياً لا تستطيع بعده الاستمرار.

لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل حديث مراقبين في دمشق عن تمادي وتعنت الهجري والدروز في الاتفاق مع حكومة الرئيس أحمد الشرع على رغم كل محاولات التهدئة وفتح قنوات تواصل للاتفاق على مسار مشترك بين الطرفين.

يقول المهندس مزيد حاطوم ابن مدينة السويداء إن "اللجنة تشكلت من ائتلاف قضاة ومحامين وفاعلين وبارزين في الشأن المحلي ورأسها القاضي شادي مزيد، وكانت تبت بالقرارات المهمة وتكسبها الصفة الإلزامية، ولكن عملها اصطدم مراراً بعدم القدرة على إيجاد أدوات تنفيذية واسعة، وبالتالي لم تتمكن فعلياً من إحياء روح القانون والمواطنة فأديرت بالسلاح أكثر ما أديرت بالنص والتشريع".

ويشير إلى أن "اللجنة أصبحت جزءاً من المشكلة مع الوقت، إذ لم تستطع وقف التداخل العائلي والعشائري والفصائلي أو الالتزام بحيادها والدور المنوط بها، وصولاً إلى اهتزاز صورتها مع العجز عن مواكبة التطورات المتسارعة والآمال المعقودة عليها، لذا جاء قرار حلها استناداً إلى عدم تمكنها من المضي قدماً، وهو ما كان واضحاً لكثر بأنه مصير حتمي لقاء فشل متنوع في إدارة الملفات المعقدة".

دواعي التغيير

إسقاط "اللجنة القانونية" لم يكن بحسب مطلعين على ملف السويداء محمولاً على خطأ بعينه، بل على عدم القدرة على مواكبة المرحلة وغياب أدوات التنفيذ وتركها في ساحة من الأخطار المفتوحة رافقتها، منذ ولدت في رحم العاصفة. وفي هذا السياق يقول الأكاديمي في شؤون النزاعات خازم نصر إن "المشكلة التي عانتها اللجنة هي هيمنة السلاح على القانون، مما جعل دورها يتراجع بالتدرج، وهو ما تكرس بين ما تقوله اللجنة وما تستطيع تطبيقه، وكان الفرق شاسعاً بين الاثنين، القول والقدرة على الفعل".

 

ويتابع "اللجنة نفسها شهدت على عجزها، الفصائل المسلحة قبل تنظيمها كبلت أي عمل ممكن، بل إنها حتى حاولت تطويعها كجهة جانبية يمكن استشارتها لا الامتثال لقراراتها في مرحلة دقيقة كان يراها الهجري جيداً ويعمل خلالها على توحيد كل الجهود في إطار واحد غير تنازعي، وخلال الأشهر الأخيرة من عمل اللجنة بدا أنها تنحو باتجاه تكريس واقع وسطي رضائي على حساب المشروع العام للمحافظة، وهو ما استغرق من الهجري ثمانية أشهر حتى يتمكن من إعادة تنظيم الصفوف وتلافي الأخطاء والوصول إلى جسد يراه متكاملاً ومبنياً على تجربة قوية عابرة فوق اللجنة القانونية فجاء قرار تشكيل مجلس الأزمة ليحل ما علق من قضايا سابقة".

مجلس إدارة الأزمة... هندسة الموقف

لا يمكن قراءة استبدال "اللجنة" بـ"المجلس" في سياق مراعاة الشأن الدرزي داخل السويداء فقط، بل إن الأمر يتجاوز ذلك نحو إعادة صياغة شكل الحكم الذاتي المحلي وفق ضوابط صارمة تستند إلى الواقعية السياسية والميدانية على اعتبار أن الجنوب يرزح ضمن بيئة أزمة لا موضع استقرار.

يرى الأكاديمي في القانون الدولي علي حازم أن "القصة تبدأ من التسمية نفسها (إدارة أزمة)، وهذا يعني أن المرحلة هناك وفق القائمين عليها باتت تتطلب ديناميات تراعي سرعة القرار والمرونة والتأقلم الواسع مع المتغيرات والتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية والمعيشة والعسكرية لو تطلب الأمر، وبالتالي سيكون دور هذا المجلس إدارة الفوضى ضمن حدودها الدنيا لا تكريسها ثم محاولة فرض القانون فوقها".

ويتساءل حازم "الآن هل هذا المجلس كفيل بالقضاء على أخطاء اللجنة وسيمتلك من الشرعية ما يمكنه من تجاوز الأخطاء، أم أنه مجرد إعادة تدوير لها ما دام أن رئيس اللجنة المنحلة هو ذاته رئيس مجلس الأزمة القاضي شادي مرشد؟ فما أسقط اللجنة لا يبدو أنه اضمحل فعلياً، وبالتالي يجب الانتظار لرؤية ما أعده الهجري من أدوات تنفيذية للمجلس الجديد، فالمشكلة لا يجب أن تكون في التسمية، بل في القدرة على الحركة، وهو ما تحاول دمشق فهمه الآن، وبالأدق فهم الرسالة من خلفه، تصعيد أم تمهيد؟".

بين اللجنة والمجلس ودمشق

بعد أحداث يوليو (تموز) الماضي تغير المزاج الشعبي في السويداء بصورة جذرية، صار الاقتراب من السلطة جريمة أخلاقية كما يراها معظم ساكني المدينة، القضية لم تعد مرتبطة بتحصيل حقوق ومطالب إصلاحية، إنما باتت تنحو نحو قرار نهائي أعلن بوضوح عبر قطيعة كاملة مع العاصمة، ثم تجاوز القرار القطيعة ليطالب بانفصال المحافظة رسمياً عن سوريا، وبالتزامن جرى فتح خطوط تواصل قوية مع إسرائيل عبر شيخ عقل الطائفة هناك موفق طريف، الذي يحظى بمكانة مرموقة ومؤثرة في موقعه.

ويعتقد الحقوقي ماجد سرحان أن "خطابات التعبئة لم تعد مقتصرة على الجسد الديني أو الشخصيات الفاعلة، بل هي مشروع جماعي محمول على مظلمة عاشتها المحافظة ووثقت أدق تفاصيلها الأمم المتحدة عبر لجان تحقيقها الخاصة، ومنها التقرير الأخير في مارس (آذار) الماضي، الذي أوضح هول ما تعرضت له السويداء، وعليه يمكن التمييز بين الأكراد الذين قبلوا الاندماج شكلاً والحكم الذاتي موضوعاً، والعلويون الباحثون عن فيدرالية في ساحلهم من دون غطاء دولي حتى الآن، والسويداء التي ترفع سقف خطابها أعلى درجة ممكنة نحو الانفصال التام، وفي هذا ضغط كبير على سلطة لم تستطع الحفاظ على سوريا الكاملة".

ويستكمل "على رغم ذلك السويداء لم تدخل مرحلة الانفصال، وذلك ليس بالأمر السهل قانونياً ودستورياً ولا يزال بعيداً من القبول الإقليمي والدولي والمحلي بالدرجة الأولى، المحافظة تسعى باحثة عن ترجمة خطابها الغاضب إلى فعل سياسي لم تتبلور عناصر إتمامه حتى الآن، فخطوة بحجم الانفصال يجب أن تبنى على مؤسسات راسخة، وسيادة واضحة، واقتصاد متكامل، واعتراف دولي يسلخها أو يمكنها من اتخاذ قرار الانسلاخ من دون تراجع، وكذلك ثمة ما هو أعقد وهو أن تعداد الدروز في دمشق يكاد يناهز تعداد دروز الجنوب، وهو ما يزيد الأمر تعقيداً ويبرز تناقضاً فادحاً بين ما يقال وما يمكن تطبيقه، فتبقى المحافظة تائهة بين قرارين لا حسم فيهما، العودة لدمشق، او الابتعاد النهائي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدوره يرى المتخصص في الشؤون الدبلوماسية عثمان الشيخ حسن أن "رفع سقف المطالب حدودها النهائية يمكن استغلاله لتحصيل ضمانات فوق المتوقعة في أي إطار توافقي مستقبلي، فلو لم تنجح السويداء في مساعي انفصالها ستكون في الأقل نجحت في فرض شروطها على دمشق واستحصال حكم ذاتي خالص في أضعف الأحوال، وبالتالي يكون تصاعد الخطاب المستمر أداة ضغط سياسي لا مشروعاً تنفيذياً متكاملاً، ومن هنا جاء قرار حل اللجنة وبناء المجلس لإتاحة نتاج جديد من قوى تتمكن من التفاوض الداخلي والخارجي بعد فترة التمهيد الموقت وتدارك الفوضى السابقة، الهجري يدرك جيداً أن وعوداً خارجية حصل عليها سابقاً قد لا تترجم على الأرض، لذلك يمكن لهذا المجلس أن يأخذ الدور المرن في افتكاك الحصار عن المحافظة ضمن شروطها لا ضمن رؤية دمشق، ومن أجل ذلك أعطيت للمجلس صلاحيات كبرى تشمل تطويع القوى العسكرية تحت إمرته، وكذلك السياسية والإدارية والقضائية".

يمكن النظر حتى الآن إلى السويداء على أنها تقبع في المنطقة الرمادية من الحدث السياسي، فالخطاب الرسمي يطالب بالانفصال ويرفض أي شكل من التواصل مع دمشق، لكن الواقع الميداني يفرض الهدوء في اتخاذ أي قرارات، وفي الواقع ذاته يفرض معه رفع سقف المطالب لانتزاع أكبر كم ممكن من المكاسب في حال فشل السبل المعلنة نحو اللا مصالحة مع السلطة بوصفها خصماً، ولكن ولأن السياسة هي فن الممكن يمكن ترجمة تشكيل "المجلس" بديلاً عن "اللجنة"، على أنه قد يكون تمهيداً لمسار جديد مع الخارج، أو مولوداً جاء ليعيد إنتاج العلاقة بالمركز وفق ضوابط يفرضها الجنوبيون.

إدارة التوازن

يلعب الشيخ الهجري ومعه المجلس الجديد اليوم دور الممسكين بإدارة التوازنات القائمة على شارع هائج وغاضب لا يقبل الشراكة مع حكومة دمشق، وقوى عسكرية فاعلة جرى تنظيمها وتوحيدها ضمن قالب واحد، وحضور غير مباشر لدمشق في السويداء عبر وسطاء محليين وخارجيين لاحتواء الموقف المتصاعد شعبياً مع مرور الوقت، وتداخل تلك الأطراف يضيق المساحة على قادة المحافظة نفسها ويجعلهم حاضرين في كل مفصل لمنع انهيار التوازن والانزلاق نحو تفكك يحمل معه نهاية أي مشروع مقبل.

ينقل ابن السويداء يوسف الأطرش نبض الموقف في المحافظة في حديثه لـ"اندبندنت عربية" بقوله "الناس متحدة خلف الهجري، لكنها في الوقت نفسه تشكل عامل ضغط كبير عليه، الأهالي بعد ما حصل لا يريدون مصالحة ولا تقارباً مع دمشق، ويتفق معهم الجهاز العسكري القادر على تفريغ القرارات السياسية المحلية من مضامينها التنفيذية، وذلك يضع شيخ العقل الهجري تحت ضغط شديد محمول على مزاج لا يزال غاضباً، القرار الواضح الآن هو التهدئة المستمرة مع دمشق وفي الوقت ذاته وأقول حالياً في الأقل عدم فتح أي مسار تفاوضي معها، لكن غمزاً في نخب الشارع بدأ يتحدث عن أن استبدال اللجنة بالمجلس قد يكون بوابة مستقبلية لإعادة رسم توازن داخلي سوري - سوري في لحظة سياسية مواتية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير