ملخص
تبدو حكومة علي الزيدي حتى الآن، أقرب إلى مشروع تسوية سياسية منها إلى مشروع إصلاحي متكامل. فالتوازن بين إرضاء القوى السياسية وتلبية مطالب الشارع سيظل العامل الحاسم في تحديد مسارها.
في لحظة سياسية مثقلة بإرث الانسداد وتداعيات مرحلة ما بعد الانتخابات، لا تبدو مهمة رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي مجرد استحقاق دستوري لتشكيل حكومة جديدة، بقدر ما هي اختبار حقيقي لطبيعة النظام السياسي نفسه، وحدود قدرته على إعادة إنتاج توازناته التقليدية من دون أن يفقد ما بقي من ثقة الشارع. فالمشاورات التي تنطلق من داخل "الإطار التنسيقي" لا تجري في فراغ، بل ضمن شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، حيث تتقدم حسابات الكتل على حساب معايير الكفاءة، ويعود الجدل حول المحاصصة بصيغة أكثر صراحة ووضوحاً.
وبينما تتكثف اللقاءات السياسية وترسم خرائط أولية لتوزيع الحقائب الوزارية، يواجه الزيدي معادلة دقيقة، تتضمن كيف يمكنه إرضاء القوى التي جاءت به، من دون أن يتحول إلى مجرد مدير توازنات تحت مصير تجربة حكومية جديدة تأتي في وقت تتزايد الضغوط الاقتصادية والتحديات الأمنية والتوقعات الشعبية في العراق.
خريطة أولية... وأوزان تفاوضية ثقيلة
تشير المعطيات الأولية إلى أن ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة محمد شياع السوداني يتجه للحصول على الحصة الأكبر داخل الكابينة الوزارية، مستنداً إلى تقدمه في نتائج الانتخابات بنحو 46 مقعداً، مما يمنحه ثقلاً تفاوضياً واضحاً، ووفق التسريبات قد يحصل الائتلاف على خمس وزارات.
في المقابل، يحتفظ "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي بحضور مؤثر، مع توجه لمنحه إحدى الوزارات السيادية فضلاً عن حقيبة خدمية، بما يعزز نفوذ هذا التيار داخل مفاصل الدولة الاقتصادية والخدمية. وضمن هذا السياق، تبدو قوى "الإطار التنسيقي" حريصة على الحفاظ على ثقلها داخل الحكومة، ليس فقط من خلال عدد الوزارات، بل أيضاً عبر نوعيتها.
وهذه الخريطة لا تعكس مجرد توزيع حقائب، بل تعبر عن موازين قوى سياسية تحاول تثبيت مواقعها في مرحلة حساسة، إذ ينظر إلى الحكومة المقبلة على أنها امتداد لتفاهمات ما بعد الانتخابات أكثر من أنها قطيعة معها.
السنة والكرد... تثبيت التوازنات لا كسرها
على مستوى المكونات الأخرى، تبدو الصورة أقرب إلى تثبيت قواعد اللعبة التقليدية، إذ تشير التفاهمات إلى منح وزارة التعليم العالي لحزب "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، مقابل حصول تحالف "العزم" على وزارة الدفاع، في إطار توزيع يعكس التوازن داخل البيت السني.
أما على الصعيد الكردي، فتتجه الأنظار إلى الإبقاء على حقيبتي الخارجية والعدل ضمن حصة "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، مقابل منح "الاتحاد الوطني" وزارتي البيئة والثقافة.
ويعكس هذا التوزيع استمرار التفاهمات الثنائية بين الحزبين الكرديين، إضافة إلى تمسك بغداد بدور أربيل كشريك أساس في إدارة ملفات حساسة، وعلى رأسها السياسة الخارجية.
وفي هذا السياق، يبرز موقف القيادي في "ائتلاف دولة القانون" عبدالرحمن الجزائري الذي شدد على أن وزارة الخارجية "استحقاق كردي لا يمكن المساس به"، لافتاً إلى ما وصفه بـ"نجاح الدبلوماسية الكردية" في إدارة هذا الملف. وهذا الطرح يعكس قناعة متجذرة لدى القوى السياسية بأن بعض الحقائب باتت شبه ثابتة ضمن حصص مكونات محددة، مما يحد من هامش المناورة أمام رئيس الوزراء المكلف.
نظام النقاط... هندسة دقيقة للمحاصصة
وتعتمد مفاوضات التشكيل على آلية "نظام النقاط"، وهي صيغة تفاوضية تمنح الوزارات أوزاناً مختلفة بحسب أهميتها، تراوح عادة ما بين 10 و16 نقطة. وضمن هذا النظام، لا تقاس قيمة الوزارة بوظيفتها الخدمية أو تأثيرها المباشر في حياة المواطنين، بل بثقلها السياسي والاقتصادي، مما يحولها إلى "عملة تفاوض" بين الكتل، بحسب متابعين.
هذا الأسلوب الذي يوصف أحياناً بأنه "هندسة دقيقة للمحاصصة"، يسمح بإجراء مقايضات معقدة مثل الجمع بين حقيبة سيادية وأخرى خدمية لتحقيق توازن في النقاط. ووفق ما يطرحه النائب حسن الخفاجي، فإن توزيع الوزارات يجري أيضاً وفق مبدأ "تدويرها" بين المكونات، فتُمنح التربية للمكون الشيعي مقابل التعليم العالي للسني، مع بقاء الخارجية للكرد.
كذلك يبرز مقترح استحداث أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء، بواقع اثنين للمكون الشيعي وواحد للسني وآخر للكردي، مما يعكس محاولة توسيع مظلة التمثيل السياسي داخل السلطة التنفيذية، لكن على حساب فاعليتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحركات مكثفة
بالتوازي مع هذه التفاهمات، يواصل الزيدي سلسلة لقاءاته مع قادة "الإطار التنسيقي"، في مسعى لتسريع عملية التشكيل وتذليل العقبات.
وتشير مصادر سياسية إلى أن هذه اللقاءات لا تقتصر على توزيع الحقائب، بل تشمل أيضاً الاتفاق على الخطوط العامة للبرنامج الحكومي، وإن كان ذلك يجري ضمن سقف التوافقات السياسية.
وشدد عمار الحكيم على أهمية تمكين الكفاءات والتركيز على أولويات اقتصادية مثل إصلاح القطاع المصرفي وتنويع مصادر الدخل، في حين أكد كل من هادي العامري ونوري المالكي دعمهما لتشكيل حكومة تحقق الاستقرار. لكن هذا الدعم، وإن بدا علنياً وغير مشروط، يبقى عملياً مرتبطاً بمدى التزام الزيدي التفاهمات التي أفضت إلى تكليفه.
فبينما يعلن عن منح رئيس الوزراء المكلف "حرية اختيار كابينته"، تظهر الوقائع أن هذه الحرية محكومة بتوازنات دقيقة، تجعل من الصعب تجاوز إرادة القوى الكبرى.
بين المحاصصة والاستقلالية
ويرى محللون أن ما يجري لا يخرج عن كونه إعادة إنتاج لنموذج الحكومات التوافقية، إذ توزع الوزارات وفق الاستحقاق الانتخابي لا وفق برنامج حكومي متكامل. ويعتقد الباحث السياسي أحمد المياحي بأن التحدي الأكبر أمام الزيدي يتمثل في قدرته على التوفيق بين هذه التوازنات وبين الحاجة إلى تشكيل فريق حكومي قادر على العمل بفاعلية.
أما المحلل علي الشمري، فيلفت إلى أن عودة الجدل حول الحصص تعكس أزمة ثقة عميقة بين القوى السياسية، إذ تسعى كل كتلة إلى ضمان موقعها داخل الحكومة قبل انطلاقها، مما يعزز منطق المحاصصة ويضعف فرص بناء حكومة منسجمة.
ويذهب الشمري إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في توزيع الحقائب، بل في تعدد مراكز القرار داخل الحكومة، مما قد ينعكس سلباً على قدرتها على تنفيذ سياساتها، خصوصاً في الملفات الحساسة التي تتطلب قرارات سريعة وحاسمة.
تحديات ما بعد التشكيل
حتى في حال نجاح الزيدي في تجاوز عقبة التشكيل، فإن التحدي الأكبر سيبدأ بعد ذلك. فالحكومة المقبلة ستكون أمام ملفات ثقيلة، في مقدمتها إصلاح الاقتصاد ومعالجة اختلالات القطاع المصرفي وتوفير فرص العمل، إضافة إلى إدارة التوازنات الإقليمية والدولية.
كذلك لن يكتفي الشارع العراقي الذي بات أكثر حساسية تجاه قضايا الفساد وسوء الإدارة بمتابعة توزيع الحقائب، بل سيراقب الأداء الفعلي للحكومة ومدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، مما يضع أية حكومة تقوم على أساس المحاصصة أمام اختبار مضاعف.
وتبدو حكومة علي الزيدي، حتى الآن، أقرب إلى مشروع تسوية سياسية منها إلى مشروع إصلاحي متكامل، فالتوازن بين إرضاء القوى السياسية وتلبية مطالب الشارع سيظل العامل الحاسم في تحديد مسارها.