ملخص
الجولة الحالية من "معركة النقاب" ستخفت قريباً، ثم تعاود الانفجار عقب حادثة تهز الرأي العام، فيتخذ الجميع مواقع، هذا يهجم ترسيخاً لانتشار النقاب، وذاك يضرب دفاعاً عن الدولة المدنية، والمؤسسات الدينية تؤكد أن النقاب ليس من الدين أو العادات، لكنه زينة، ويبقى حرية شخصية، وبرلماني يفكر في التقدم بمشروع قانون يمنع ارتداء النقاب، وآخر يستعد بمشروع قانون يجري قانون منع ارتداء النقاب، وتستغرق الجولة دورتها، ثم تخفت، وهلم جرا.
على مدى أعوام انتشار ارتداء النقاب في مصر، وبصورة متزايدة في الأشهر القليلة الماضية، تحول إلى حلبة صراع مكتومة، وباب خلفي ساخن للشد والجذب، وأحياناً تكسير العظام بين تيار جارف زاعق صارخ يرفع راية "الالتزام" بمعناه الديني، وآخر ساكن هادئ مكتوم لا يرفع رايات خوفاً من الشتم والسب والوصم، مكتفياً بكتابات متناثرة وتصريحات متقطعة، وإبداء آراء جريئة مقدامة مغوارة، لكن في حماية مجموعات الـ"سوشيال ميديا" المغلقة، وندوات وتجمعات حضورها يقتصر على أقران الفكر والتوجه.
تتجدد المباريات على الحلبة بين وقت وآخر، لا بدعوة للنقاش، أو بدافع المراجعة أو البحث، لكن بضغط حدث هز الرأي العام، أو واقعة فرقته، أو جريمة أرقته، يتبادل الطرفان اللكمات يوماً أو يومين، وربما أسبوعاً أو أسبوعين، وتتابع الجموع الغفيرة اللكمات والضربات، هذا يؤيد الطرف الضارب، وذاك يدافع عن المضروب، ثم تنتهي المباراة من دون نتائج معلنة، فقط مواقف مبهمة، انتظاراً لمباراة جديدة وهلم جرا.
المباراة الأحدث تفجرت قبل أيام، وذلك على وقع خطف رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي (التابع لجامعة الأزهر) بعد ساعات من ولادتها، الخاطفة سيدة منقبة لا تعرفها الأسرة، لكنها عرضت حمل الرضيعة إلى أن تعود الأم من دورة المياه، كاميرات الأمن رصدت خروج سيدة منقبة تحمل رضيعة.
وعلى رغم أن وزارة الداخلية تمكنت بعد ساعات من إعادة الرضيعة، والقبض على السيدة التي قالت إنها تعرّضت للإجهاض، وخافت من أن يطلقها زوجها، فقررت "أخذ" الرضيعة، مستغلة أن النقاب لا يظهر ملامح الوجه، إلا أن الواقعة أعادت فتح الملف بعد أقل من شهرين من تاريخ أحدث فتح له.
في مارس (آذار) الماضي شهد المصريون وشاركوا في جولة من جولات عراك النقاب، وذلك في أثناء عرض المسلسل الرمضاني "حكاية نرجس"، اللافت أن المسلسل تعرض لأحداث متطابقة مع واقعة خطف رضيعة "مستشفى الحسين"، إذ لجأت البطلة إلى خطف رضيعة، لأنها حرمت من الإنجاب، وذلك قبل أن تحترف "المهنة"، متسلحة بالنقاب.
طوال أيام عرض المسلسل، وبعدها على مدى نحو أسبوعين، اشتعلت المعركة بين فريق مؤيد لـ"الصحوة" و"الالتزام"، وحرية المرأة في النقاب وحقها في الطاعة والتدين كحق أعداء الدين في كراهية الدين ومعاداة المتدينين، وفريق يهاجم النقاب باعتباره تطرفاً وتشدداً ولا علاقة له بالدين من قريب أو بعيد، ناهيك بضرورة منعه لأسباب أمنية، وكذلك لأن مهناً مثل التدريس والطب والتمريض والمعاملات في البنوك وغيرها لا تستوي من خلف اللثام.
على أجساد النساء
الجولة الحالية من جولات معركة النقاب، التي تدور كالعادة على أجساد النساء، زادت تأججاً بضلوع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وتردد "أقاويل" تناقلتها "السوشيال ميديا"، وتصريحات لأشخاص في جامعة الأزهر تناقلها الإعلام، مفادها بأن الطيب وجه بضرورة وجود سيدات من أفراد الأمن في أقسام النساء والتوليد، وتفعيل دورهن في كل إدارات المستشفيات للتحقق من هوية المترددات لتلقي الخدمات العلاجية.
تحولت الكلمات المنسوبة لشيخ الأزهر إلى مادة للشد والجذب ضمن الجولة الحالية على حلبة النقاب، الفريق المؤيد والمدافع عن النقاب يرى أن كشف وجه المنقبة أمام فرد أمن من النساء جائز وحل معقول، فيما رد الفريق الآخر بطرح عشرات الأسئلة، ماذا عن الطبيبات والممرضات المنقبات؟ وماذا عن النقاب في بقية الأقسام، وليس النساء والتوليد فقط؟ وماذا عن بقية الجرائم والتعديات التي يمكن أن تحدث من خلف النقاب، إضافة إلى خطف الأطفال والرضع؟ وماذا عن النقاب في الحضانات والمدارس والجامعات والمستوصفات وأماكن العمل والمواصلات العامة والنوادي والمتنزهات والمصاعد وغيرها؟ وغيرها من أسئلة لم تقابل إلا بدفاعات هجومية، أبرزها وأشهرها: "تريدون إذاً أن ترتدي النساء في أماكن العمل البيكيني، ولمن تخلى عن دينه ونقاب نسائه نقول إن النقاب حرية شخصية، ولو كان النقاب زياً لارتكاب الجرائم، فماذا عن أطباء بالمعطف الأبيض، أو ضباط بالزي الرسمي، أو غيرهم ممن تصادف وارتكب أحدهم جريمة؟ هل نلغي المعطف الأبيض والزي العسكري؟".
المتأمل الجولة الحالية قد يغرق في تفاصيل المعركة، وأدوات التراشق، لكن تبقى القضية الرئيسة غائبة عن الطرح على الملأ، يخشى أطرافها الخروج لعلن النقاش، وطرح الموضوعات الرئيسة على طاولة الحوار، بدءاً بالجوانب المتعلقة بالأمن والسلامة وعلاقتها بالنقاب ومنها قيادة السيارات والوجود في مكان عام من دون معرفة هوية الشخص، مروراً بأسباب انتشار النقاب في مصر المعروفة بوسطيتها وفنونها وثقافاتها وتاريخها متعدد الروافد وانفتاحها الثقافي والاجتماعي، وانتهاء بلماذا ينتشر النقاب بسرعة الصاروخ، على رغم انتهاء حكم الإخوان، والافتراض الذي صاحب سقوطهم بأن صفحة جماعات الإسلام السياسي، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأجساد النساء، قد تم طيها؟!
ظهور النقاب في شوارع مصر بدأ على استحياء بعد غزو الحجاب في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، تزامنت وتزاملت ملابس "الصحوة" النسائية مع "الصحوة"، تارة بمباركة النظام السياسي المتعاون مع جماعات الإسلام السياسي والمهادن لها، وأخرى اعتماداً على قوة وسطوة هذه الجماعات وانتشارها في بيئة مهيأة لاعتناق كل ما من شأنه أن يمدها بيقين أو هوية أو انتماء.
تتلخص الأفكار التي يعتنقها أو يروجها فريق الصحوة لأسباب انتشار الحجاب، ثم النقاب في مصر، في أنها عودة إلى الله، ونصرة للدين، وانتشار للحق، وتطبيق للشرع، يقتصر المنهج التفسيري على الدين بين أبناء هذا الفريق، وهو عكس ما يجري على الضفة الأخرى، حيث الصحوة المضادة والمطالبة باستعادة الدولة المدنية، يتبحر الباحثون والمفكرون والمهتمون ممن يرون أن ملابس المرأة المصرية أصبحت على مدى ستة عقود أداة سياسية ومرآة اقتصادية ومنصة اجتماعية ونافذة نفسية.
ملخص الأفكار والأسباب التي يدور في فلكها المنتمون للفريق الآخر هي: رغبة جمعية للتقرب إلى الله هرباً من أحاسيس هزيمة 1967، وتراجع المشروع القومي العربي، وتقارب نظام الرئيس الراحل محمد أنور السادات فترة مع جماعات الإسلام السياسي، ثم استخدامه الدين أداة حكم، واستمرار لعبة القط والفأر، وكذلك الشد والجذب بين النظام والإسلام السياسي تارة للمنافع المتبادلة وأخرى يلجأ النظام إلى "قرصة الأذن" لإعادة تعريف الحدود وتأكيد من يملك الكلمة العليا، وهلم جرا.
كل ما سبق كان يتم بينما الشارع متروك بصورة كلية أو شبه كلي للجماعات، تمارس أنشطة "دعوية" تارة، وتلبي مطالب صحية وتعليمية واجتماعية واقتصادية وترفيهية لقاعدة غير قليلة من المصريين، ومعها مكون "ملابس النساء" باعتباره منصة إشهار القوة من دون الحاجة إلى إعلان.
على خطى الحجاب
ومع توسع قاعدة "الصحوة" وأعمدة "الالتزام" بدأت الضغوط الاجتماعية تبذل بصورة كبيرة، حتى أعوام قليلة مضت، كانت غير المحجبة تجد نفسها في خانة الانتقاد، وأحياناً التنمر والضغط، وربما الإجبار لتنضم إلى القاعدة "الملتزمة"، إلى أن أصبح الحجاب يعتلي رؤوس الأغلبية المطلقة من المصريات المسلمات، لا سيما بعد ولادة الجيلين الثاني والثالث لأبناء "الصحوة"، وتناقلها لتتحول من فكرة أو توجه إلى أسلوب حياة، وتمدد ليصل إلى طفلات لا تتعدى أعمارهن السنوات الخمس.
في الأعوام القليلة الماضية بدأ النقاب يسير في الطريق ذاته، ويتم الترويج له باعتباره التطور الطبيعي والمتوقع للحجاب، جهود الرصد والبحث القليلة التي بذلت لرصد انتشار الحجاب يمكن تطبيقها على انتشار النقاب حالياً.
رصدت ورقة "التطور التاريخي للحجاب في مصر" (2020) للباحثة في العلوم السياسية رضوى منتصر الفقي، والمنشورة على موقع "مركز خطوة" للتوثيق والدراسات تطور انتشار الحجاب حديثاً، وهي خطوات ينتهجها النقاب حالياً.
تقول إن الحجاب ظل يتزايد في الشارع المصري في أوائل الثمانينيات، ولم يتأثر بتضييق الدولة على جماعات الإسلام السياسي، والسبب هو أن الحجاب كان قد ترسخ داخل المجتمع وأخذ بعده الديني وليس فقط الثقافي، وذلك بفعل جهود مشايخ الأزهر والدروس والبرامج الدينية التي كانت تبثها الإذاعة والتلفزيون المصرية، وتضيف أن تأثير كبار المشايخ والدعاة وعلى رأسها الشيخ الشعراوي أصبح واضحاً تماماً بزيادة أعداد المحجبات، وهو التأثير الذي تضاعف واتسعت رقعته مع دخول ما يسمى بـ"الدعاة الجدد" من الشباب من أصحاب المظهر غير التقليدي للمشايخ على خط "الصحوة"، لا سيما أنهم ينتهجون نهجاً أقرب ما يكون إلى التنمية البشرية، ولكن برداء ديني، وبدأ هؤلاء يظهرون على شاشات التلفزيون والفضائيات، وتتم دعوتهم في الندوات في الجامعات والنوادي.
لم تتطرق الباحثة إلى أثر دعاة "السوشيال ميديا"، والانتشار الفيروسي للمحتوى بصورة عامة، والديني بصورة خاصة، وأثره الحالي في انتشار النقاب، لكن المتابع للمحتوى العنكبوتي يمكنه رصد الأثر الكبير لدعاة ومروجين ومفسرين وناشرين لأفكار دينية، كثير منها يعاد تدويره وتدويله، ويدق على أوتار أكثر حداثة ومواكبة روح العصر لتوسيع قاعدة النقاب، فبين منقبات مؤثرات يقدمن شكلاً جديداً لـ"المنقبة القوية المستقلة" وكأنها النسخة 2.0 لـ"المحجبة القوية المستقلة"، وكذلك تسويق محتوى لشابات وفتيات منقبات يجرين في الشارع، ويركبن الدراجات، ويمارسن رياضة، ويعشن حياة بالطول والعرض، والهدف على الأرجح هو كسر الصورة النمطية للمنقبة باعتبارها رجعية منغلقة.
ولأن معركة النقاب تحتاج إلى أسلحة وأدوات مختلفة، جميعها يستخدم في الوقت نفسه، فإن لم تصلح هذه الأداة مع هذه الفئة، فيمكن إخضاعها بأداة أخرى أو سلاح مغاير، فإن مهمة آخرين تتلخص في تنظيم أدوات الترويع والوصم والسخرية، وربما السب والشتم والازدراء لمن يحاول أن يفتح باب النقاش أمام منظومة النقاب.
يفتح الباب قسراً عقب كل حدث أو حادثة يرتبط بالنقاب ويفرض نفسه على الرأي العام، فمن تسلل شاب يرتدي النقاب إلى بيت حبيبته ليلقاها سراً، إلى ارتداء لص النقاب ليسهل عمليات السرقة في غفلة من كاميرات المراقبة، إلى خطف الأطفال، أو دخول النوادي من دون اشتراك، وأخيراً مسلسل "حكاية نرجس" في رمضان، الذي تحول إلى قصة حقيقية قبل أيام.
ويضاف إلى تعقد معركة النقاب المعاصرة عوامل تؤدي إلى مزيد من الالتباس، موقف المؤسسات الدينية الرسمية لا يمكن وصفه بالقاطع في ما يختص بالنقاب، يمكن القول إنها ممثلة في دار الإفتاء والأزهر الشريف تبذل جهوداً مضنية للإمساك بالعصا من المنتصف. يبدو هذا جلياً واضحاً في بيانات وفتاوى تمضي من تأكيد أنه ليس فرضاً، إلى التلويح بأنه مكرمة أو مزيد من التقرب إلى الله أو حشمة محمودة، ثم تعود وتؤكد أنه ليس سنة أو عادة، ولكنه حرية شخصية، وهلم جرا.
آخر عهد القول القاطع في شأن النقاب كان في عام 2009 حين أثار شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي الجدب حين غضب لدى رؤية طالبة في المرحلة الإعدادية في معهد أزهري ترتدي النقاب، وأجبرها على خلعه، وقال إن النقاب عادة لا عبادة، وإنه لا علاقة بين النقاب والدين.
وقتها، لم يكن النقاب قد انتشر في شوارع مصر بالشكل الحالي، وارتدعت فصول الدرس لموقف طنطاوي من النقاب لبعض الوقت، لكن على مضض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان لوزارتي الصحة، والتربية والتعليم والتعليم الفني عدد من الصولات والجولات في معركة النقاب في أعوام مضت، فبين قرارات لمنع ارتداء النقاب من قبل الممرضات والطبيبات، ثم الضرب بها عرض الحائط، وكذلك منع ارتداء النقاب في المدارس، تظل يد النقاب وأدواته الترويعية قوية وحازمة.
من جهة أخرى، فإن قرارات منع النقاب على مدى أعوام قوبلت في كل مرة برد فعل عكسي من قبل بعض المواطنين، ليس هذا فقط، بل صبّ بعض هذه القرارات في مصلحة أنصار النقاب، والمدافعين عنه باعتباره صميم الدين، إذ يجري تسويق كل قرار منه باعتباره حرب الظالمين على الدين والمتدينين، وهو ما يدفع البعض من النساء والفتيات إما إلى مزيد من التمسك به، أو ارتدائه، كنوع من عناد السلطة ورفضها، وكأنهن في حرب دينية، ويلمح بعض آخر إلى أن ضبابية موقف المؤسسات الدينية الحاضنة للنقاب فعلاً، التي تدق على وتر "مكرمة لا ملزمة" قولاً، مع الإشارة المتكررة إلى مبدأ "الحرية الشخصية" الذي يغيب في موضوعات أخرى عدة تخص النساء، يعضد من موقف فريق النقاب.
الإرادة الغائبة
الكاتب الصحافي حمدي رزق جاهر بالمطالبة بـ"منع النقاب" في مقال جريء عنوانه "الإرادة الغائبة في قضية النقاب" (أبريل 2026)، بعد ما أثنى على توجيه شيخ الأزهر أحمد الطيب بوجود عناصر أمن نسائية في أقسام النساء والتوليد في مستشفيات الأزهر للتيقن من هوية المنقبات، قال، "ليت كل مؤسسة طبية وعامة تتأسى بهذا التوجيه، كشف النقاب حلٌّ، والحل الأمثل منع النقاب، وكشف الوجوه، الحجاب بديل مجتمعي معتمد". ورأى رزق أن منع النقاب يحتاج إلى إرادة مجتمعية لا تزال غائبة أو مغيَّبة، وأنه "طالما المؤسسات الدينية تحابي النقاب، وتتجنب تحريمه بفصيح القول، سيظل النقاب حالة مجتمعية تقضّ مضاجعنا، تقلقنا بشدة".
ومضى رزق إلى القول بأن "وراء النقاب مخطط ممنهج لاختطاف الوعي الجمعي من قبل جماعات من خارج رحم الدولة لصالح تيارات متطرفة في عملية استلاب ممنهجة لا تزال تعوق مدنية الدولة، وإلباسها نقاباً يجافى قواعدها المستقرة"، مضيفاً أن "اختطاف العقلية المصرية تحت النقاب بعد تحجيبها، كان ولا يزال هدفاً، لهم فيه مآرب أخرى. التدين الشكلاني مسيطر على العقل الجمعي، والتماهي مع ظاهرة النقاب والتسامح معه جد خطير، وموالسة الجماعات على حساب الوطن ما يُخشى منه، إذا عجزت المؤسسة الدينية عن تحريم النقاب فلا حل سوى تجريمه بإرادة الدولة المدنية".
وتساءلت الكاتبة سحر الجعارة في مقال عنوانه "آه يا بلد معاندة أمنها" (أبريل 2026) مستنكرة عن أسباب عدم وضع لوائح محددة لمسألة النقاب في الوظائف التي تتطلب تفاعلاً إنسانياً؟ وتساءلت عن الأسباب التي تحول دون مناقشة البرلمان قانوناً يمنع النقاب في أماكن معينة تستوجب التعرف إلى هوية الشخص؟ مرجحة أن يكون السبب إما الخوف من "كتائب الحسبة" التي تسب وتشتم وتقاضي المطالبين بمنع النقاب من المواقع والأماكن التي تتطلب معرفة هوية الموجودين، أو "المناخ العام الذي أصبح سلفياً، ويزداد تشدداً وتعصباً، ونحن نستسلم له ولا نقاومه".
تجدر الإشارة إلى أنه في كل مرة تتجدد فيها المعركة على "حلبة النقاب"، يظهر المجتمع في أغلبه في حال تناغم ووئام وقبول ورضا، إن لم يكن مبجلاً مقدراً محترماً واضعاً النقاب في مرتبة أعلى من الخمار والحجاب، ليس هذا فقط، بل إن كثيراً من الصور التعبيرية التي تستخدمها صحف ومواقع مع موضوعات عن الشارع المصري مثل التسوق والأسعار وشم النسيم والاحتفال بالعيد والمواصلات والأسواق وغيرها لا تخل من امرأة أو فتاة منقبة باعتبارها جزءاً أصيلاً من الشارع المصري.
في تلك الأثناء، تستمر جهود "سلفنة" (الدفع بالمجتمع نحو التيار السلفي) عبر محتوى ضخم على "السوشيال ميديا"، وتتزايد الضغوط الاجتماعية والثقافية، لا سيما في المدن الصغيرة والريف والمناطق الشعبية في اعتبار النقاب هو التطور الطبيعي لـ"البنت المؤدبة"، وضرورة حتمية للشابة عقب الزواج، وهو المسار نفسه الذي مر به الحجاب قبل ستة عقود، وفي المقابل فإن غير المنقبة أصبحت تجد نفسها إما في خانة الإقصاء والازدراء إلى أن تنتقل إلى المرحلة الأسمى ألا وهي النقاب، أو يتم ترغيبها في النقاب باعتباره فرضاً أو سنة مؤكدة عبر مشايخ ومتخصصي التنمية البشرية المعاصرين على "السوشيال ميديا".
اللافت أنه في الوقت الذي تحاول المؤسسات الدينية الرسمية أن تواكب الشعور العام بأن النقاب ربما يحمل أخطاراً في بعض الأماكن، مثلما حدث في واقعة خطف الرضيعة، وبينما القلة المعارضة للنقاب تبذل جهوداً للمجاهرة بالمطالبة بإعادة النظر في الآثار الأمنية لإخفاء الوجوه والهويات، وكذلك الدعوة إلى دراسة الأسباب التي تؤدي إلى انتشار النقاب بهذه السرعة في دولة وسطية، ومثقفين يحاولون الإمساك بتلابيب آراء دينية رسمية تقول إن النقاب ليس من الدين أو السنة أو حتى العادة، لكنه زينة مثل ارتداء الخاتم، فإذ بداعية أزهري فضائي يقول إن النقاب من الدين، وجزء من الشريعة الإسلامية، وإن المنقبة اختارت الستر، ويجب دعمها، ولم يكتف بذلك، بل قال معلقاً على مطالبات منع النقاب في بعض الأماكن "إذا كنا سنمنع النقاب، فمن باب أولى أن نمنع أدوات المكياج التي تغير الملامح وتجعل فوزي فوزية".
يشار أيضاً إلى أن بقايا قنوات فضائية ومواقع إلكترونية وصفحات على "السوشيال ميديا" التي كانت مخصصة لتوجيه اللعنات والانتقادات للنظام السياسي في مصر عقب إسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين في عام 2013، لا تفوت فرص معارك النقاب إلا ودقت بطريقتها الخاصة متسائلة: هل تمنع مصر النقاب أم تحارب الدين؟ هل يسكت المصريون على منع النقاب أم تنتفض أمة الأزهر؟
الجولة الحالية من "معركة النقاب" ستخفت قريباً، ثم تعاود الانفجار عقب حادثة تهز الرأي العام، فيتخذ الجميع مواقع، هذا يهجم ترسيخاً لانتشار النقاب، وذاك يضرب دفاعاً عن الدولة المدنية، والمؤسسات الدينية تؤكد أن النقاب ليس من الدين أو العادات، لكنه زينة، ويبقى حرية شخصية، وبرلماني يفكر في التقدم بمشروع قانون يمنع ارتداء النقاب، وآخر يستعد بمشروع قانون يجري قانون منع ارتداء النقاب، وتستغرق الجولة دورتها، ثم تخفت، وهلم جرا.