بعد "منع النقاب"... برلمانية مصرية تثير جدلاً مجتمعياً بقانون "الحشمة"

المشروع يهدف لضبط الذوق العام... والتيارات الدينية تدافع والشارع يستنكر... واجتماعيون: فرقعة إعلامية

برلمانية مصرية تتقدم بمشروع قانون يطالب بارتداء ملابس محتشمة (أ.ف.ب)

بينما تصارع مصرُ طواحين الهواء في محاولة منها للخروج من خطابٍ دينيّ سيطرت عليه الرجعيّة والتطرف والتشدد، وبينما جانبٌ من الأمل منعقدٌ على البرلمان، حيث الأعضاء والعضوات موكّل إليهم مهام التنوير وجزء من عبء التطهير، إذ بنائبة برلمانيّة تخرج بمشروع قانون هدفه "ضبط الذوق العام"، والتأكّد من أن الحشمة سيدة الموقف، وأن العبارات المكتوبة على الملابس ليس من شأنها أن تخدش الذوق العام، أو تعارض العادات والتقاليد، أو تؤذي العين المحافظة.

وحافظت النائبة طيلة فترة نيابتها على مستوى متقدم من الانتشار الإعلامي والاهتمام الشعبي والترند العنكبوتي، لكن هذه المرة تفوَّقت على نفسها، إذ تفجَّرت ينابيع التعليق، وثارت براكين الغضب، ومعها فيضانات الرضا، ليعاود المجتمع تحزباته بين "رجعي متزمت"، و"تقدمي متنور" و"مكتف بالمراقبة الحذرة" من على كنبات بيته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مشكلات حياتيّة

البيوت المصريّة الغارقة حتى أُذنيها بمشكلات الحياة اليوميّة بين تعليمٍ وصحةٍ وسكنٍ ومواصلات وفرص عمل استيقظت ذات صباح على بيانٍ شديد اللهجة عجيب المغزى صادر عن نائبة البرلمان المصري غادة عجمي.

ينصُّ مشروع القانون على أن "الذوق العام مجموعة من السلوكيات والآداب التي تعبر عن قيم المجتمع ومبادئه وهُويته، وذلك حسب الأسس والمقومات المنصوص عليها في الدستور والقانون".

وبموجب المشروع، "يجب على كل من يرتاد مكاناً عاماً احترام القيم والعادات والتقاليد والثقافة السائدة في مصر، ولا يجوز الظهور في مكان عام بأزياء أو ملابس غير محتشمة، أو ارتداء ملابس تحمل صوراً أو أشكالاً أو علامات أو عبارات تسيء إلى الذوق العام، كما لا تجوز الكتابة أو الرسم أو ما في حكمهما على جدران في مكان عام، أو أي مكوِّن من مكوناته أو موجوداته، أو أي من وسائل النقل، ما لم يكن مرخصاً بذلك من الجهة المعنيّة. كما لا يسمح في الأماكن العامة بأي قول أو فعل فيه إيذاء لمرتاديها أو الضرر بهم أو يؤدي إلى إخافتهم أو تعريضهم للخطر".

ضبط الذوق العام

خطورة مشروع القانون المقترح تكمنُ في أنّه يكشف عن مكامن الفكر وبواطن المنطق وجذور الأزمة المصريّة، إذ تداخل وتشابك عوامل اجتماعيّة واقتصاديّة ودينيّة وثقافيّة تشابكاً مفزعاً. جهود النائبة لضبط إيقاع الذوق العام عبر مراقبة من يرتدي ماذا ولماذا ومكتوب عليه ماذا؟ أفضى إلى جدلٍ متنامٍ متصاعد الوتيرة في جنبات المجتمع المصري، فبين متسائلٍ عن علاقة الذوق العام باللبس العام؟ ومثمّن مقترحها رغبةً منه في تعميم معايير لباس بعينه هو لباس العفة ودليل الطهارة، ومندد بالفكرة باعتبارها إمّا فرقعة إعلاميّة وإما غزلٌ مرفوضٌ مع أعضاء حزب النور السلفي وإمّا صيدٌ في مياه المجتمع الملتبسة معاييره والمختلطة مناسيبه، تدور دوائر الجدل بلا هوادة.

الهوادة الوحيدة التي بانت معالمها، واتضحت ملامحها هي هوادة أصحاب وأتباع وأعضاء التيارات الدينيّة، وسبحان مغير الأحوال بين أمسٍ قريب قامت فيها دنيتهم ولم تقعد حين تقدّمت بمشروع قانون لحظر ارتداء النقاب، ويوم آنٍ انفرجت فيه أساريرهم وانبسطت قلوبهم حين تقدَّمت بمشروع قانون لتجريم ارتداء الملابس غير المحتشمة!

 

حظر النقاب

ففي مثل هذه الأيام بالتمام والكمال قبل عامٍ، أدهشت عجمي الأوساط المصريّة باختلاف توجهاتها بتقدمها بمشروع قانون ينصّ على حظر ارتداء النقاب أو البرقع في الأماكن العامة في أي وقت وتحت أي ظرف.

وقتها اقترحت عجمي أن تعاقب كل من ترتدي النقاب في الأماكن العامة بغرامة لا تقل عن ألف جنيه (نحو 62 دولاراً أميركياً)، وفي حال العودة أو تكرار ارتداء النقاب أو البرقع تتضاعف الغرامة الموقعة عليها.

يومها، انفرجت أسارير أصحاب التوجهات الليبراليّة الكارهة الجماعات الدينيّة والعلمانيّة الرافضة تغوّل التفسيرات الدينيّة المتشددة، بينما كشَّر كل من الجماعات الدينيّة وجماعات الإسلام السياسي ومعها الجماعات الحقوقيّة الداعيّة إلى احترام الحقوق الشخصيّة واختيارات الأفراد ملابسهم عن أنيابه.

فرقعة إعلاميّة

وبعدُ الفرقعة الإعلاميّة والهيصة الشعبيّة والهبد والرزع بين العلمانيين والليبراليين من الرافضين النقاب من جهة والإسلاميين والعلمانيين المؤيدين له، سواء من باب المكرمة الدينيّة أو المصلحة الحقوقيّة، تراجعت عجمي عن المشروع "منعاً للانقسامات في المجتمع!".

وقتها تساءل البعض عمّا إذا كانت عجمي تعرَّضت لضغوط سلفيّة أو تضييقات نيابيّة أو انتفاء الفرقعات الإعلاميّة لتصرف نظر عن المشروع المُقترح.

ورغم إنكار عجمي تعرضها إلى ضغوط سلفيّة، فإن التيارات السلفيّة الكثيرة في مصر شنَّت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تنديداً بالمشروع، حاملة هاشتاغات مثل "ادعم النقاب" أو "لا لمنع النقاب" أو "مصر لن تحظر النقاب".

وعكست حملات السلفيين العنكبوتيّة مفاهيم متمكّنة منهم عن وجوب النقاب، واعتباره جزءاً لا يتجزأ من صحيح الدين.

وكما جرت العادة في مثل هذه الأحوال، صعَّدت التيارات السلفيّة ردود الفعل ليبدو مشروع القانون وكأنه "حربٌ ضد الدين"، تهدف إلى تفتيته ونشر الفتنة والفسق والفجور بين المسلمين.

وأخذت الأذرع السلفيّة الناشطة عنكبوتياً على عاقتها مهمة شتم وسب وتسفيه المنتمين إلى التيارات المدنيّة، باعتبارهم "أعداء الله وهادمي الدين"، كما اتهمت التيارات المتشددة مشروع القانون الذي يحظر النقاب بمعاداته الحقوق الشخصيّة وحق المواطن في اختيار ما يودّ ارتداءه في الأماكن العامة.

 

الأيام دول

ولأن الأيام دول، اتخذت التيارات السلفيّة نفسها موقفاً مدافعاً عن مشروع قانون فرض الحشمة، ومؤيداً لفرض ملابس بمقاييس محددة سلفاً، وداعماً لعجمي ومشروع قانونها الجيد جداً.

"مشروع قانون النائبة غادة عجمي جيد جداً. نتمنّى أن يحذو النواب حذوها في سن قوانين تعيد الأخلاق إلى مجتمعنا"، تغريدات عديدة انتهجت النهج نفسه، لكن تغريدات أخرى تساءل أصحابها عن دوافع ربط الأخلاق بالملابس، وعوامل تجاهل التربيّة والسلوك للوصول إلى المجتمع القويم بدلاً من الاعتماد على الملابس والمظهر فقط. فريقٌ ثالثٌ انتهج نهجاً براغماتياً متسائلاً عن الجهات التي ستحدد معايير الحشمة، والتدريب الذي سيحصل عليه المنوط بهم تنفيذ القانون المقترح، وسُبل الترجمة المعتمدة للحصول على المعاني الحقيقيّة للعبارات المكتوبة على الملابس لتحديد إن كانت مخالفة أم مناسبة.

سخريّة ودهشة

"اندبندنت عربيّة" سألت عدداً من الشباب والشابات عن موقفهم من مشروع القانون المقترح، الغالبيّة المطلقة لم تكن سمعت عن المشروع، لكن الآراء تراوحت بين سخريّة جمَّة أو دهشة كاملة أو موافقة، لكن بشروط.

سخر أحمد، 20 عاماً، من الفكرة سخريّة شديدة، قائلاً "هذا يعني أن عليّ المرور بثلاث نقاط تفتيش يومياً: بابا، ثم ماما، ثم الشرطي في الشارع". المثير للضحك فعلاً أن أحمد كان يرتدي (تيشيرت) مكتوباً عليها كلمة واحدة بالإنجليزيّة: (هوت بوكس)، وهي كلمة عاميّة تعني الغرفة المغلقة المليئة بأشخاص يدخنون الحشيش، ويعاودون استنشاق الزفير المعبأ به.

أمَّا زميلته نهى، 20 عاماً، فتتساءل بتهكمٍ شديدٍ إن كان رجال الشرطة سيسيرون في الشوارع مسلحين بقواميس أو "غوغل للترجمة" لفهم العبارات المكتوبة على الملابس، مشيرة إلى أن "نسبة كبيرة من العبارات لا وجود لها في القواميس التقليديّة، لأنها عاميّة ولها معان وإسقاطات عدة، أبعد ما تكون عن معانيها الواردة في القواميس".

وترى دنيا، 22 عاماً، أن فكرة مشروع القانون "جيدة"، لكن تحتاج إلى معايير تجعلها منطقيّة. فمن غير المعقول "أن يمشي رجال الشرطة في الشارع ليدققوا في ملابس الجميع".

وتتساءل، "بالطبع أي حديثٍ عن الحشمة والملابس اللائقة يصب في المقام الأول عند الفتيات والنساء. فهل من اللائق أن يسير رجال الشرطة ليدققوا في أجسام النساء ليطبقوا القانون؟".

الشرطة في خدمة الحشمة

لكن، أستاذة علم الاجتماع الدكتورة نبيلة النجار تقول إن "المجتمع الذي لا يجد إلا في الشرطي وسيلة لضبط الذوق العام مجتمعٌ مريضٌ".

وتضيف، "المقصود بالشرطيّ هنا هو أي جهة رسميّة، وليس رجل الشرطة بالضرورة. الذوق العام أمرٌ لا يمكن فرضه بالغرامة أو الإجبار. ومراعاة الذوق العام مكوّن يأتي ضمن المئات غيره من مكونات الشخصيات السويّة. ومن جهة أخرى، فإن محاولات إلباس المجتمع كله ملابس تخضع لمعايير واحدة، حتى لو كانت هذه المعايير منطقيّة أو حتى قياسيّة هي محاولات فاشلة فشلاً ذريعاً. فالمفروض دائماً يصبح مرفوضاً".

رفضٌ من نوعٍ آخر تطرحه الإعلاميّة التلفزيونيّة نانسي مجدي عبر مجموعة تساؤلات، تقول "ويا ترى ما معايير الحشمة من وجهة نظر النائبة؟ ومن المنوط به تحديد إذا ما كانت المرأة محتشمة أم غير محتشمة؟ وهل التحديد يكون باستخدام العين المجردة أم "المازورة" (آلة قياس مقاييس الجسم) لقياس طول الملابس ومقارنتها بمعايير الحشمة المُعدّة سلفاً؟ وهل سيادة النائبة لديها خبر أن مقترحها لف الدنيا وقيل عنا إننا نسير بسرعة الصاروخ نحو التخلف والرجعيّة؟".

حشمة المرأة وعفة المجتمع

ويبدو أن مشروع قانون ضبط الذوق العام أدَّى كذلك إلى طرح أسئلة حول إذا ما كانت نصوصه المقترحة ستعاقب الذكور كذلك في حال ارتداء أزياء يعتبرها مسؤولو ضبط إيقاع الذوق العام منتهكة له أم لا.

تقول الباحثة في مجال حقوق المرأة إسراء سليمان، "استمرار الربط المقصود أو غير المقصود بين الأخلاق والعفة والذوق العام من جهة والمرأة والفتاة من جهة أخرى هو استمرار لاعتبار المرأة أداة للجنس والشهوة والإثارة، مع اعتبار المظهر المحافظ دليلاً على حُسن السير والسلوك والعكس".

وأضافت، "كما أن هذا النوع من الفكر المنغلق الذي أكل عليه الزمان وشرب منذ عقود هو استمرار وإمعان في تجاهل ما أصاب المجتمع من رجعيّة وانغلاق بسبب فتح الأبواب على مصراعيها أمام جماعات الإسلام السياسي والسماح لها باستلاب العقول ومزاحمة السياسيين والعلماء في تخصصاتهم".

التخصص النيابي ومسؤوليّة النائب ودوره وترٌ آخر يدقُّ عليه المفكر السياسي نادر الشرقاوي، وهو يتساءل عن "العبث" المقصود بما سمَّاه "قانون الحشمة". يقول "تلقيتُ بكثيرٍ من الحزن والصدمة خبر مشروع القانون. فبدلاً من أن تعكف نائبات البرلمان لمنع النقاب، فوجئت بإحداهن تتحدث عن الحشمة، وكأنّ مصر غير محتشمة".

وأضاف، "لكنْ، بحكم عملي السابق أخبرني أصدقاء وصديقات في البرلمان أن ما قامت به النائبة هو نوعٌ من العبث الهدف منه إحداث فرقعة إعلاميّة ليس إلاّ، ما يعني أن مشروع القانون والعدم سواء".

القانون والعدم سواء

وسواء تحوّل القانون من مشروع إلى واقعٍ، أو أصبح فعلياً هو والعدم سواء، يتساءل البعض عن موقف الصور الخارجة التي يمعنُ في لصقها بعض سائقي الشاحنات والميكروباصات على حافلاتهم، وإن كانت ستخضع لقانون ضبط إيقاع الذوق العام. كذلك يتساءل البعض عنن موقف الذكور الذين يرتدون بنطلونات تظهر ملابسهم الداخليّة، أو أولئك الذين يتركون أظافر أصابعهم تنمو دون تقليم، أو من يتجاهلون قيمة الاستحمام أو ما شابه. لكنها تظل أسئلة دون إجابات، لأن مشروع القانون لم ينصّ عليها.