ملخص
يحذر خبراء بارزون من أن بريطانيا غير مستعدة لمواجهة حرب هجينة تقودها روسيا، وتعاني ضعفاً في مقومات الصمود أمام الأزمات الكبرى. ويتفقون على أن غياب التخطيط والتشريعات والاستثمار يجعل البلاد متأخرة أمنياً عن حلفائها الأوروبيين، في ظل تصاعد التهديدات العالمية.
حذرت مسؤولة حكومية أميركية سابقة بارزة، فضلاً عن محللين بارزين، من أن بريطانيا تفشل في جهودها لمواجهة حرب هجينة مع روسيا وأنها غير مستعدة لخوض صراع عالمي واسع النطاق.
في ظل الحرب الدائرة في إيران وإغلاق مضيق هرمز، وما يخلفانه من تداعيات ثقيلة على العالم، تتمثل في ارتفاع أسعار النفط والوقود والغذاء والأسمدة، ومع استمرار الصراع في أوكرانيا، لا يجري التخطيط الأساس لحماية المملكة المتحدة كما ينبغي.
في هذا السياق، تصف فيونا هيل، المديرة السابقة للشؤون الأوروبية والروسية في مجلس الأمن القومي في الإدارة الأولى لدونالد ترمب، خطط الطوارئ البريطانية للتعامل مع الاضطرابات الحالية والمستقبلية بأنها "غير متناسبة مع التهديد".
وبصفتها إحدى المشاركات في إعداد "المراجعة الاستراتيجية للدفاع في المملكة المتحدة 2025"، ستلقي الدكتورة هيل هذا الأسبوع خطاباً في متحف الحرب الإمبراطوري يهدف إلى حشد استجابة بريطانيا للتهديدات التي تستهدف بنيتها التحتية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي مقابلة صريحة مع صحيفة "اندبندنت"، حذرت هيل قائلة: "في المملكة المتحدة، أنظمتنا غير مصممة للتعامل مع الاضطرابات الكبيرة. يقع على عاتق القيادة وضع خطة لأن ما هو متاح حالياً غير مناسب للغرض المطلوب".
وتضيف: "شهدنا تأثير نقاط الاختناق [المعابر الاستراتيجية] في الخليج، واضطرابات النقل. لا تستطيع هيئة الخدمات الصحية الوطنية التعامل مع أعداد كبيرة من الإصابات، ونحن في حاجة إلى بناء إمدادات غذائية وأنظمة للتعامل مع الاضطرابات في الواردات. ليس لدينا أرشيف للخرائط الرقمية، ولا تتوافر أنظمة تقليدية يمكن اللجوء إليها في حال انهيار الأنظمة الرقمية. هذا نقاش وطني ملح يجب أن يحصل فوراً".
وفي ظل عدم وجود وزير واحد يتولى مسؤولية الصمود الوطني في أوقات الأزمات، تقول الدكتورة هيل، مستشارة جامعة دورهام [منصب فخري]، إنه لا مؤشرات إلى أن الحكومة تتخذ خطوات فعلية.
ويأتي تصريحها بعدما اتهم اللورد روبرتسون، الأمين العام السابق لحلف "الناتو" وأحد المشاركين في إعداد "المراجعة الاستراتيجية للدفاع، الحكومة" بـ"تراخٍ قاتل" على خلفية ما وصفه بالفشل في تنفيذ التوصيات الـ62 التي خلصت إليها المراجعة.
وسلطت انتقاداته الضوء إلى حد كبير على المعضلة السياسية التي تواجهها الحكومة، وهي المقايضة بين الإنفاق على مجالات مثل الرعاية الاجتماعية مقابل الحاجة إلى توسيع القدرات العسكرية.
وفي هذا الإطار، سبق لمسؤولي الأمن البريطانيين أن حذروا بصورة متزايدة من أن البلاد تعيش منذ فترة صورة من صور الحرب الحديثة. وقالت بلايز مترويلي، رئيسة جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (أم أي 6)، العام الماضي: "نحن نعمل الآن في مساحة فاصلة بين السلم والحرب".
ويتقاطع هذا مع تقييم قادة الجيش والبحرية والقوات الجوية البريطانية الذين رأوا في روسيا التهديد الرئيس، بيد أن الحرب الهجينة التي يشنها فلاديمير بوتين لا تقتصر على الأهداف العسكرية وحسب، إذ تشمل أيضاً قرصنة إلكترونية واستهداف سلاسل الإمداد وشبكات الطاقة وحتى الأمن الغذائي.
تقول الدكتورة هيل إن "هناك كثيراً من الأهداف السهلة في جميع أنحاء المملكة المتحدة لدرجة أنه يستحيل حصرها"، مشيرة إلى أن الدولة لا تملك نظاماً فعالاً حتى لمراقبة الطائرات المسيرة الصغيرة التي يمكن تسليحها "للطيران عبر نوافذ المباني الشاهقة".
وتبدو المملكة المتحدة عاجزة إلى حد كبير عن الدفاع ضد الهجمات الصاروخية بعيدة المدى أو المسيرات، وتعد عرضة لهجمات تستهدف كابلات الاتصالات البحرية العسكرية والمدنية وخطوط أنابيب الغاز وشبكات الاتصالات الكهربائية مع أوروبا.
تجدر الإشارة إلى أنه خلال العامين الماضيين، ارتفعت عمليات المراقبة الروسية لبعض خطوط الاتصالات والإمداد الاستراتيجية الأكثر حساسية تحت سطح البحر بنسبة 30 في المئة.
في هذا الصدد، حذر الدكتور سيدهارث كوشال، كبير الباحثين في مجال القوة البحرية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة من أن "التحضير لعمليات التخريب يستغرق سنوات طويلة، وهذا ما نشهده".
كشفت البحرية الملكية وحلفاؤها في "الناتو" أخيراً عن عمل الغواصة الهجومية الروسية "أكولا" Akula وقاربين للتجسس تحت الماء يقومان بمسح الكابلات البريطانية وغيرها من البنية التحتية الحيوية.
وتبين أن هذه العمليات استمرت لعقود، بقيادة المديرية الرئيسة الروسية لأبحاث أعماق البحار، والمعروفة باسم "غوغي" Gugi، ولا يمتلك حلف الناتو منظومة موازية للتجسس البحري لمضاهاتها.
وفي المملكة المتحدة، تشمل نقاط الضعف الأخرى أخطار على غرار انقطاع إمدادات الغاز من النرويج في أوقات الحرب. ويسلط كل من الدكتورة هيل والدكتور كوشال الضوء على الهجمات التي تستهدف خطي أنابيب لانغلد وفيسترليد، اللذين يزودان البلاد بنسبة تراوح ما بين 60 و80 في المئة من حاجاتها من الغاز.
إضافة إلى الأخطار التي تطرحها عشرات الآلاف من الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الحيوية للمملكة المتحدة كل يوم، حذر الدكتوران من أن البلاد لديها قدرة ضئيلة على التعامل مع هذه الأخطار.
وجاء في "المراجعة الاستراتيجية للدفاع" التي نشرت في يونيو (حزيران) الماضي، أنه ينبغي على المملكة المتحدة "بناء قدرة وطنية على الصمود في وجه التهديدات التي يقل مستواها عن هجوم مسلح صريح من خلال جهد جماعي منسق يشمل، من بين أمور أخرى، قطاع الصناعة والقطاع المالي والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والتعليم والمجتمعات".
وحذرت الدكتورة هيل من أنه على رغم أن بعض الشركات الخاصة تبني القدرة على الصمود في أنظمتها، فإن البلاد تفتقر إلى برنامج وطني، ناهيك بكونه إلزامياً، للنجاة من كارثة أو هجوم من النوع الذي استعدت له النرويج والسويد وفنلندا. وأردفت بالقول إنه على المملكة المتحدة تفويض بعض الصلاحيات للحكومات المحلية لتعزيز قدرتها على التعامل مع الكوارث التي قد ترخي بظلالها على البلاد وتربكها. وفي هذا الصدد، شكلت أوكرانيا نموذجاً يحتذى في قدرتها على التصدي لغزو واسع النطاق.
وشرحت أنه على رئيس بلدية كل مدينة أن يتحمل مسؤولية تنسيق خدمات الطوارئ. ويتحمل كل محافظ إقليمي مسؤولية الإدارة الشاملة وتوفير الموارد اللازمة لبقاء المدنيين في مواجهة الهجمات الروسية المتواصلة، ويعمل بتنسيق وثيق مع الجيش.
في خاركيف، عرض رئيس البلدية إيهور تيريخوف لصحيفة "اندبندنت" مخبأً سرياً، حيث عملت جميع الاستجابات المدنية للطوارئ من الطاقة إلى خدمات الإطفاء جنباً إلى جنب مع الضباط العسكريين الذين يديرون أنظمة الإنذار المبكر بما يضمن الجاهزية للاستجابة عندما تكون الطائرات المسيرة والصواريخ في الجو - حتى قبل وصولها إلى هدفها.
لا تملك المملكة المتحدة أي نظام مماثل حتى الآن.
وفي هذا الإطار، يقول ستيفن أرونديل، نائب رئيس جمعية التخطيط للطوارئ، وهي الهيئة المهنية للخبراء في هذا المجال إنه "عندما نأخذ في الحسبان التطورات الخارجية على المستوى العالمي، والأخطار المعقولة لاندلاع حرب تقليدية واسعة النطاق على البر الأوروبي - إذا قررت روسيا إطلاق هجوم شامل - يصبح الأمر بالغ الصعوبة بالنسبة إلى المملكة المتحدة. فنحن بصراحة لم نستثمر في الأمور التي تعزز القدرة على الصمود والمقاومة لأننا مررنا بفترة طويلة ومستمرة من السلام".
ودعت المراجعة الاستراتيجية للدفاع إلى استجابة شاملة من المجتمع لمواجهة التهديدات والهجمات الهجينة والمستقبلية التي تواجهها المملكة المتحدة. وقد أيد السير كير ستارمر هذه الفكرة، داعياً إلى بذل المزيد من الجهود في هذا المجال، بيد أن الخبراء جميعهم يتفقون على أن المملكة المتحدة متأخرة كثيراً عن حلفائها الأوروبيين، وأن السياسيين يفشلون في الدفع بالعجلة قدماً لزيادة الإنفاق على تدريب وتجهيز السلطات المحلية ووحدات الدفاع المدني - فضلاً عن تجنبهم للتشريعات التي من شأنها أن تجبر القطاع الخاص على تعزيز دفاعه الخاص.
وفي السياق رداً على القضايا المطروحة، أعلنت وزارة الدفاع في بيان لها: "لدينا الموارد اللازمة لحماية المملكة المتحدة من الهجمات، سواء على أراضينا أو في الخارج. المملكة المتحدة على أهبة الاستعداد على مدار الساعة للدفاع عن نفسها، وبصفتنا عضواً مؤسساً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإننا نستفيد من قدرات الدفاع الجماعي للحلف، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة".
وأضاف البيان: "أولت هذه الحكومة الدفاع الجوي والصاروخي أولوية قصوى بعد سنوات من نقص التمويل. ولذلك، أعلنا في يونيو (حزيران) الماضي، عقب ’المراجعة الاستراتيجية للدفاع‘، عن تخصيص ما يصل إلى مليار جنيه استرليني كتمويل جديد لتعزيز دفاعاتنا والحفاظ على أمن المملكة المتحدة. ويعزز هذا الاستثمار مساهمة المملكة المتحدة في حلف (الناتو)، مما يضمن قيامنا بدورنا في حماية حلفائنا وأنفسنا على حد سواء".
© The Independent