Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب أم دولة الرعاية؟ معضلة تمويل الدفاع البريطاني

أظهر استطلاع للرأي أن البريطانيين ينظرون إلى خطر الحرب باعتباره تهديداً يمس الاستقرار أكثر مما يهدد الوجود، وما لم تتمكن الحكومة من إقناعهم بأنها تنفق أموال دافعي الضرائب بحكمة، فلن تحظى بدعمهم لزيادة الاستثمار في الجيش

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يستمع إلى عضو مجلس اللوردات جورج روبرتسون خلال اجتماع مشترك مع وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في 10 داونينغ ستريت في لندن، في 16 يوليو (تموز) 2024 (رويترز)

ملخص

يدرك البريطانيون أن العالم بات أكثر خطورة وأن بلادهم ليست مستعدة بما يكفي للدفاع عن نفسها، لكن هذا الإدراك لا يترجم إلى قبول بدفع ضرائب أعلى أو خفض الإنفاق على الخدمات العامة لتمويل الدفاع. تكشف الفجوة بين الشعور بالخطر ورفض الكلفة عن ضعف في تواصل الحكومة وتراجع عميق في الثقة بالسياسيين، إذ ينظر كثيرون إلى الأزمة بوصفها مشكلة إدارة وكفاءة لا نقصاً في الموارد.

مهما حاول المرء تبرير الأمر أو تجميله، فليس من الجيد أن يتهم وزير سابق في حكومة "العمال"، شغل أيضاً منصب الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي وشارك في إعداد "مراجعة الدفاع الاستراتيجية"، الحكومة بأنها تعاني "تراخياً خطراً"، لكن هذا تحديداً ما فعله جورج روبرتسون، وهناك ما يبرر قوله.

لقد حاولت الحكومة بلا شك أن تروج لفكرة أننا نعيش في عالم جديد أكثر خطورة وأقل أمناً، لكنها فشلت في إقناع الرأي العام البريطاني بضرورة تقديم التضحيات المطلوبة.

ولم يتردد الوزراء في وصف بيئة التهديدات التي تجد المملكة المتحدة نفسها فيها اليوم، فقد ذهب وزير شؤون القوات المسلحة آل كارنز إلى حد القول إن البلاد أصبحت في "وضعية حرب". كما كتب رئيس الوزراء أن حرب إيران تمثل "خطاً فاصلاً"، لأن "العالم اليوم أكثر تقلباً وخطورة مما كان عليه في أي وقت خلال حياتي".

ويبدو أن هذا التصور قد ترسخ بالفعل لدى الرأي العام البريطاني، فقد أجرت مؤسسة "بابليك فيرست" سلسلة استطلاعات حول المواقف من الأمن والدفاع، وخلصت إلى أن 85 في المئة من البريطانيين يعتقدون أن العالم يزداد خطورة. وقال 60 في المئة من المشاركين إنه يمر بأكثر مراحله اضطراباً في حياتهم، فيما رأى نحو نصفهم أن بريطانيا ليست مستعدة للدفاع عن نفسها، في مقابل ثلث فقط يعتقدون العكس.

وحتى هذه النقطة، تبدو الأمور إيجابية بالنسبة إلى حكومة تعتزم، بحسب ما ذكرته "بلومبيرغ"، زيادة الإنفاق الدفاعي بوتيرة أسرع مما كان مخططاً لها في البداية، لكن عند هذه النقطة تحديداً تنتهي الأخبار الجيدة، فعندما يواجه البريطانيون بالخيارات التي قد يفرضها ارتفاع الإنفاق الدفاعي، يتضح أنهم غير مستعدين لتحملها.

فعند سؤال المشاركين في استطلاع "بابليك فيرست" عما إذا كانوا مستعدين لدفع ضرائب أعلى لتمويل الدفاع، عارض 43 في المئة هذه الفكرة، في حين أيدها 28 في المئة فقط. كما رفض 39 في المئة أيضاً فكرة زيادة الإنفاق الدفاعي من خلال خفض الإنفاق على الخدمات العامة، ويبلغ الرفض ذروته عندما يكون الخيار بين مستوى المعيشة والإنفاق الدفاعي، إذ عبر 51 في المئة عن معارضتهم لذلك.

لماذا يحدث هذا؟ جزء من الإجابة يكمن في الطريقة التي يتصور بها الرأي العام معنى "التهديد". فعندما سئل الناس عن أكثر ما يقلقهم في شأن ما قد يفعله العدو للتأثير في حياتهم، جاءت الهجمات السيبرانية التي قد تعطل الأنظمة الرقمية الحيوية في المرتبة الأولى بنسبة 39 في المئة. أما الهجوم العسكري المباشر، بالجنود والطائرات والصواريخ، فلا يعد مصدر القلق الرئيس إلا لدى 29 في المئة. وبعبارة أخرى، ينظر الجمهور إلى التهديد باعتباره معطلاً لا وجودياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمشكلة هنا أن التهديدات لا تبدو قريبة، لا زمنياً ولا جغرافياً. وكما قال لي أحد كبار صناع السياسات الهولنديين قبل أيام، في إشارة إلى "ضريبة الحرية" الجديدة التي تفكر بلاده في فرضها لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي: "أنتم في المملكة المتحدة لديكم ’يوم النصر‘، أما نحن فلدينا ’يوم التحرير‘". أي إن البريطانيين، ببساطة، لا يحملون في ذاكرتهم الحديثة تجربة القتال دفاعاً عن أرضهم أو خوض حرب داخل بلادهم.

ومن الناحية الجغرافية، تقدم بولندا مقارنة لافتة. فما على المرء إلا أن يلقي نظرة على الخريطة ليفهم لماذا أصبحت هذه الدولة الآن الأعلى إنفاقاً على الدفاع داخل "الناتو"، بعدما ضاعفت فعلياً إنفاقها العسكري منذ عام 2022.

لكن جزءاً من المشكلة يعود أيضاً لمسألة التواصل، فبينما يرى 39 في المئة من البريطانيين أن روسيا تمثل أكبر تهديد للسلام، لم يربط الرأي العام بوضوح بين هذا الخصم الذي يخشاه وبين مواطن الضعف الخطرة التي يمكن أن يستغلها. فقطع الكابلات البحرية، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى نتائج كارثية، وهذا يعكس فشلاً من جانب الحكومة في إيصال الصورة بوضوح.

أما الجزء الأخير من الإجابة فهو أكثر إحباطاً، فعلى رغم الإقرار بالحاجة إلى بذل مزيد من الجهد لحماية البلاد، ترى غالبية الناخبين في المملكة المتحدة، أي 54 في المئة، أن الحكومة تمتلك المال بالفعل، وأن كل ما تحتاج إليه هو إعادة تخصيصه. وبعبارة أخرى، ينظر الرأي العام إلى المسألة على أنها مشكلة كفاءة في الإدارة، لا مشكلة نقص في الموارد.

وهنا يظهر الأثر العميق لتراجع الثقة المستمر في السياسة، فالناس يشعرون بأن السياسيين خذلوهم، ولا يثقون في أن قادتهم يتخذون القرارات الصحيحة. وهذا ينعكس حتماً على استعدادهم لدفع مزيد من الأموال لحكومات يعتقدون أنها ستبددها.

وعلى الحكومة أن تفكر ملياً في كيفية قلب هذا الوضع، فخيارات مالية بالغة الصعوبة تنتظرها، وإذا أراد الوزراء إقناع الرأي العام بضرورة هذه الخيارات، فعليهم أن يرفعوا مستوى أدائهم.

 

أناند مينون مدير مشروع "المملكة المتحدة في أوروبا متغيرة".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء