Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هذا ما جنته إسرائيل على نفسها

يصف المؤرخ باتروف في كتاب له ما حدث في غزة بـ"الإبادة الجماعية" ويتحدث عن غياب المجتمع العادل داخل تل أبيب وما حولها

رفض باتروف وصفه بمعادي الصهيونية مؤكداً إيمانه بحق اليهود في تقرير مصيرهم ما لم "يدهسوا حقوق الآخرين" (اندبندنت عربية) 

ملخص

يرى باتروف أنه لو كان بن غوريون قد مضى في طريق دستور وطني ووثيقة حقوق لتحولت الدولة الناشئة إلى البلد الديمقراطي الليبرالي الذي كثيراً ما زعمت أنها تحولت إليه.

ولد المؤرخ والباحث عمر باتروف في إسرائيل، ونشأ في أسرة يهودية، إذ شارك أبواه في حرب 1948 وخدم هو نفسه في الجيش الإسرائيلي أربعة أعوام قضاها في الضفة الغربية وشمال سيناء وغزة إلى أن تولى في نهاية خدمته قيادة فرقة مشاة. ثم ذهب بعد ذلك لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة أكسفورد فأصبح باحثاً متخصصاً في الإبادة الجماعية وهو الآن أستاذ في جامعة براون الأميركية التي يدرس فيها منهجاً في الهولوكوست والنكبة. وفي شأن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، لا يمكن القول إن باتروف مراقب محايد، ولا يمكن الجزم بأن فهمه يفتقر إلى النظرة التاريخية أو الشخصية.

وقد أثار باتروف في الأعوام القليلة الأخيرة كثيراً من الجدل، وتعرض لكثير من الهجوم، بسبب وصفه أفعال إسرائيل في غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) لعام 2023 بـ"الإبادة الجماعية"، وها هو الآن يصدر كتاباً من المتوقع أن يجدد الجدل والهجوم على السواء. صدر الكتاب بعنوان "إسرائيل: ما الخطأ الذي وقع؟" في نحو 240 صفحة عن دار (فارر، شتراوس، أند غيرو).

تكتب جينيفر سالاي في صحيفة "نيويورك تايمز" في الـ22 من أبريل (نيسان) 2023، أن "عمر باتروف نشر خلال نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، أي بعد شهر من هجمات ’حماس‘ الغاشمة في السابع من أكتوبر، مقالاً في ’نيويورك تايمز‘ عن رد إسرائيل العسكري قال فيه ’إنني أعتقد أنه ما من دليل على أن إبادة جماعية تجري حالياً في غزة، على رغم وجود احتمالات كبيرة بوقوع جرائم حرب، بل وجرائم ضد الإنسانية‘. وقد أصر باتروف على التمييز بين الجرائم ضد الإنسانية (المقترفة في حق السكان المدنيين) والإبادة الجماعية (التي تجري بنية القضاء على جماعة وطنية أو قومية أو عرقية أو دينية). ورفض أيضاً ’الانجراف إلى وصف أي واقعة قتل جماعي أو مجزرة بالإبادة الجماعية‘ لما في ذلك من خروج على التعريف القانوني للمصطلح".

وعلى رغم تحفظه الأكاديمي، ورفضه التعجل باستعمال مصطلح "الإبادة الجماعية" قبل الأوان، فقد "جرت عليه مقالته تلك غضباً من بعض زملائه الباحثين في الهولوكوست، فنشرت مجموعة منهم مقالة رأي في ’هآرتس‘ تتهمه بالتهوين من أعمال "حماس" الوحشية وبتجاهل ’أن إسرائيل أقامت ممرات إنسانية‘ وكتبوا أن إلماح باتروف إلى احتمال أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب، ناهيكم بإشارته إلى خطر ارتكابها إبادة جماعية، ينطوي على ’تحريض وخطورة‘".

 

 

"في كتابه الجديد، وفي معرض دراسته لما جرى على مدى العامين ونصف العام منذ بدء تلك الأحداث، ومنذ نشره مقالته، يلمح باتروف إلى أن إنكار منتقديه الآلي لما أعرب عنه من آراء إنما هو مكمن الخطر الحقيقي، لأنه لم يعلن عن مخاوفه تلك إلا لأن العمر الذي قضاه في دراسة أبشع أحداث التاريخ قد علمه أنه من الضروري ’التحذير من إمكان الإبادة الجماعية قبل وقوعها‘ بدلاً من إدانتها بعد فوات الأوان. ويكتب في إشارة إلى مقتل أكثر من 68 ألف فلسطيني حتى الآن، أي ما يصل إلى 3.5 في المئة من أهل غزة، أنه ’من سوء الحظ أن ما حذرت منه في حينه، وما أنكره دارسو الهولوكوست أولئك إنكاراً شديداً، قد تحقق‘".

في استعراض للكتاب على صفحات "الغارديان"، وتحديداً في الـ21 من أبريل الماضي، يذكر أهارون جيل أن باتروف سئل عن السبب الذي جعله يرى في هجوم إسرائيل الضاري على غزة "إبادة جماعية" فقال إن إقامته في الولايات المتحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود "وفرت له المسافة والبعد اللازمين لرؤية محو غزة على حقيقته". وكتب جيل أن باتروف دفع ثمن إعلانه رأيه على رؤوس الأشهاد (وقد حملت مقالته في ’نيويورك تايمز‘ عنوان "أنا باحث متخصص في الإبادة الجماعية وأعرفها حين أراها") ففقد كثيراً من العلاقات الوثيقة "على رغم أن الأحداث اللاحقة لم تؤكد صحة تحليله فحسب، بل أظهرت أيضاً عدم الاكتراث بمعاناة الفلسطينيين الذي بات سائداً في المجتمع الإسرائيلي".

يكتب جيل "لقد كان لصراحته ثمن، ففي إسرائيل يعيش كثير من أقرب أصدقائه، أو من كانوا أقرب أصدقائي حتى وقت قريب في الأقل، ولا أعرف موقفهم الآن، ففي الأمر أيضاً حزن شخصي، لأنني الآن في السبعينيات من العمر، وإنه لشيء لطيف أن يكون لي بعض الأصدقاء القدامى، لكن لعلي أغضبتهم".

"في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024 زار باتروف إسرائيل التي لا يزال يعيش فيها ابنه وأحفاده، ولم تكن رحلة لطيفة"، إذ قال باتروف لأهارون جيل إنه "كان صعباً أن أجلس في مقهى، فأرى الناس جالسين من حولي، يمرحون، ويعيشون حياة طبيعية، بينما تجري إبادة جماعية في آخر الشارع. لم أستطع احتمال ذلك، فمن يكن هناك، يكن متورطاً، ولا حيلة في ذلك، مهما يكن رأيه".

يحاول باتروف في كتابه الجديد أن يفسر حال عدم الاكتراث السائدة في الشارع الإسرائيلي هذه، فيقدم تفاصيل تحول إسرائيل من "بلد واعد تعهدت وثيقة تأسيسه بضمان ’المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيه بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس‘ إلى بلد مصمم على ما يصفه باتروف بـ’الاستعمارية الاستيطانية والقومية العرقية‘".

يرى باتروف، بحسب ما تكتب سالاي، أنه "كان للصهيونية منذ بدايتها وجهان: أحدهما تحرري تعددي، والآخر قومي عرقي. وعلى مدى العقود، تراجع الجانب التحرري، وصعد الجانب العرقي حتى بات الآن ’أيديولوجية الدولة‘، فكانت النتيجة مفارقة صارخة بالنسبة إلى بلد تأسس ليكون ملاذاً من التعصب، إذ يتساءل باتروف: ’كيف لدعوة الإنسانية والتسامح وسيادة القانون وحماية الأقليات وكل ما اتسم به التحرر اليهودي في بدايته أن يكتسب تدريجاً جميع سمات القوميات العرقية العنصرية القاسية التي سعت الصهيونية إلى تحرير يهود أوروبا منها؟‘".

"لعلي لست في حاجة إلى تأكيد الفارق بيننا، أعنى مواطني العالمين العربي والإسلامي وأعني المنصفين في بقية العالم، وبين باتروف، ناهيكم بالفارق بيننا وبين الإسرائيليين عامة واليمين الإسرائيلي بخاصة، فباتروف يرى أن إسرائيل والصهيونية كانتا في الأصل مشروعاً تحررياً عادلاً لكنه ضل طريقه نتيجة ’خطأ ما‘ فتحول إلى العنصرية والأبارتيد، بينما نرى نحن أن إسرائيل نفسها هي ذلك الـ’خطأ ما‘ على وجه التحديد، لكننا موقتاً نغض الطرف عن هذا الخلاف الجذري لنتعرف إلى الخطأ الذي يخصص باتروف له كتابه".

وفي محاولته الإجابة عما أدى بإسرائيل إلى ذلك التحول يستعمل باتروف، بحسب ما تكتب سالاي، "جميع الأدوات المتاحة له، مضفراً بين التاريخ والنوادر الشخصية بل والنقد الأدبي، إذ إنه يطرح قراءة دقيقة لقصيدة معروفة لدى ’كل تلميذ إسرائيلي‘، تناول فيها الشاعر حاييم نحمان أخطار الانتقام، لكنها تعرضت للتحريف وإساءة التأويل لتحقيق أغراض سياسية".

يبدو أن الخطأ الذي وقعت فيه إسرائيل، بحسب ما يرى عمر باتروف، قد وقع مبكراً للغاية، "بعدما أعلنت إسرائيل استقلالها عام 1948" إذ يكتب باتروف أنه "حينما تقرر الدولة ألا تكون دولة طبيعية، فلا يكون لها دستور، ولا ترسم لنفسها حدوداً، ولا تحاول إقامة علاقة طبيعية مع مواطنيها الفلسطينيين، بل ولا تحاول تقديم بادرة لتعويض مع الشعب الذي طردته أو مصالحته، حينما تفعل ذلك كله فإن طبيعتها نفسها تتغير".

لقد كان يفترض بحكومة إسرائيل بعد تأسيسها بحسب ما تكتب سالاي "أن تقنن حماية الحرية الدينية وحقوق الأقليات، لولا أن شخصيات من أمثال رئيس وزراء إسرائيل الأول ديفيد بن غوريون قد عارضت تبني دستور. ويعتقد باتروف أنه كان في شأن دستور أن يغني عن الصهيونية لو نجح في إقامة دولة قادرة على أن تكون ملجأ لليهود، ويمكن للمواطنين فيها أن يفرغوا لإقامة ’مجتمع عادل‘ يرمي إلى ’السلام والحقيقة والمصالحة مع الفلسطينيين‘".

غير أن الأمر لا يقتصر على افتقار إسرائيل إلى دستور مكتوب، فهناك أيضاً استعمال ذكرى الهولوكوست "في خدمة قضايا مناقضة تماماً" لما ينبغي أن تخدمه. لقد قضى باتروف، بحسب ما يكتب أهارون جيل، "عقوداً في دراسة الحرب العالمية الثانية ومعاداة السامية، والتلقين النازي، وفقدان الذاكرة التاريخية، ونشر 10 كتب عن الهولوكوست، ومن ثم فهو ذو مكانة راسخة عندما يقول إن ذكرى الهولوكوست قد استعملت أداة لتحقيق أغراض سياسية فباتت على حد قوله ’ورقة توت هائلة‘ وبات لها ’أثر مؤسف يتمثل في مزيج من تحويل الذات إلى ضحية، والإشفاق على الذات، والاستعلاء، والغطرسة، ونشوة القوة‘".

 

وفي حوار مع أهارون جيل عبر الفيديو، رفض باتروف وصفه بمعادي الصهيونية قائلاً "إنني لا أعرف أصلاً ما معنى هذا"، مؤكداً أنه يؤمن بحق اليهود في تقرير مصيرهم ما لم "يدهسوا حقوق الآخرين" ولكنه يعلن أنه "معارض تماماً وبشدة للصهيونية القائمة اليوم في إسرائيل"، خلافاً بطبيعة الحال للصهيونية التحررية العادلة التي يتصورها.

ويكتب أهارون جيل أن غالب الكتاب يركز على ما يراه باتروف خطيئة إسرائيل الأصلية منذ تأسيسها، وهي رفض إعطاء ثقل قانوني حقيقي للكلمات الواردة في إعلان استقلالها، وعدم قيام المؤسسين بعد ذلك بتبني دستور وطني ووثيقة حقوق. "ولو كان بن غوريون قد مضى في ذلك الطريق لتحولت الدولة الناشئة إلى البلد الديمقراطي الليبرالي الذي كثيراً ما زعمت أنها تحولت إليه" على حد قول باتروف.

يحاول عمر باتروف ألا يكتفي بفضح الخطأ القديم والمستمر، أو وصف الوضع المأسوي القائم، فيتجاوز ذلك إلى عرض بعض الحلول الرامية إلى تحقيق التعايش السلمي بين إسرائيل وجيرانها. فلا يتجاوز ذلك ما يعرف بحل الدولتين، إذ يخصص قسماً في الكتاب ـ بحسب استعراض جيل ـ لـ"خطة كونفيدرالية تناصرها مجموعة من المثقفين الإسرائيليين والفلسطينيين وتحمل اسم ’أرض للجميع‘. وقد نظرت الأمم المتحدة في نسخة من هذه الخطة أصلاً عام 1947، وبموجبها تنشأ دولتان، فلسطينية ويهودية، كل منهما دولة مستقلة وذات سيادة، وتنقسمان وفق حدود ما قبل 1967 تقريباً، ويعيش مواطنو الدولتين ويتنقلان بحرية في كامل أرضهما، على أن يصوت كل شعب في الانتخابات الخاصة ببلده، وذلك غير بعيد من أن يكون مواطن إيطالي مثلاً قادراً على الإقامة والعمل في أي مكان من الاتحاد الأوروبي لكنه لا يصوت إلا في انتخابات إيطاليا".

لكن حتى باتروف يرى هذه الفكرة بعيدة المنال في وقت لا تزال تنتشل فيه الجثث من تحت الأنقاض في غزة ولا تزال إسرائيل تخوض فيه حرباً دموية أخرى، إمعاناً في تفضيلها المواجهة العسكرية على الدبلوماسية، اعتماداً على الدعم الأميركي لها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستبعد باتروف إمكان حدوث تغيير عميق من داخل إسرائيل، إذ يقول في ما تنقل عنه جينيفر سالاي إن القيادة ـ سواء لدى اليهود أم الفلسطينيين ـ غير قائمة، و"أي مبادرة يجب أن تأتي من الخارج، ويثني على الرئيس دونالد ترمب لضغطه على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لكي يقبل خطة النقاط الـ20 المطروحة في الخريف الماضي التي تشير في الأقل ’إلى أفق سياسي جديد‘ (ولعل باتروف كتب هذا قبل فبراير (شباط) الماضي حينما نجح نتنياهو في إقناع ترمب بمساعدته في حرب إيران)، بل إن باتروف يتصور دوراً محتملاً لألمانيا التي يمكن أن تساعد ’إسرائيل وفلسطين في الانطلاق على مسار السلام‘ على سبيل ’التكفير العظيم‘ عن الهولوكوست"!

تشهد سالاي لباتروف بعدم النزوع إلى المبالغة في الخطاب، وبتحري الوضوح والاتزان والتأني، وترى أن كتابه بصفة عامة "محاولة لتبين ما جرى للبلد الذي ولد فيه، والذي لا يزال يعيش فيه كثير من أصدقائه وأهله"، لكنها ترى أيضاً أنه يكون أكثر إقناعاً حينما يتكلم "عن مساعيه هو للتدخل" لا عن حلول كبرى وعامة وتقتضي تدخل دول، وتضيف أنه "من الضروري لمستقبل أكثر سلاماً أن يتوافر مزيد من الفهم والخيال، وهذان على وجه التحديد ما يمكن أن يوفرهما كتاب (إسرائيل: ما الخطأ الذي وقع؟) إن سمحنا له بذلك".

يكتب باتروف "ليس بوسعي إلا أن أرجو لهذا الكتاب أن يسهم في تفتيح الأذهان بأن يجعلنا نفهم كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه في المقام الأول، أو حتى كيف نخرج من هذه الهاوية".

لكن حتى هذا الكتاب، وما فيه من خيال وجرأة بحسب تقدير سالاي، لا ينتظر منه كثير في تحريك المياه الراكدة أو فتح العقول الموصدة، إذ يكتب أهارون جيل أن "كتاب باتروف الجديد صدر في تسع لغات أو عشر، لكن العبرية ليست بينها، فعلى رغم أنه عرض أن يترجمه بنفسه، رفضته دور النشر الإسرائيلية، حتى الدور ذات التوجه اليساري. وفي ذلك يقول باتروف لأهارون جيل ’أعتقد أنهم مستاؤون لأنني لا أتبنى رأياً طيباً في ما يعرف باليسار الإسرائيلي، ولأنني أعبر عن رأيي هذا، هم يشعرون أنني الإسرائيلي المقيم في أميركا، الجالس في غرفة مكيفة، يرشف الإسبريسو، بينما هم يعانون".

وقد يكونون محقين بحسب ما يكتب أهارون جيل "لكن إذا لم يكن الرأي العام الإسرائيلي قادراً على محض قراءة باتروف، فكيف يمكن أن يرى ما تيسر له أن يراه بغاية الوضوح من موقعه البعيد؟".

العنوان: ISRAEL: What Went Wrong?

الكاتب: Omer Bartov

الناشر: Farrar, Straus & Giroux

اقرأ المزيد

المزيد من كتب