ملخص
في السابق، كانت ضوابط مكافحة الفساد تقتصر على دخل الموظف الحكومي وزوجته، فإذا تجاوزت معاملة مالية كبيرة مجموع دخل الزوجين الرسمي لمدة ثلاثة أعوام، كان المفتشون يثيرون تساؤلات، أما الممتلكات والأموال المسجلة باسم الأطفال القصر فكانت تعتبر "منطقة رمادية" - ثغرة، مثلما أقر واضعو التعديلات، استغلت بنشاط.
وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قانوناً مثيراً للجدل يوضح آلية مراقبة نفقات الموظفين الحكوميين المدنيين وأفراد أسرهم. وأقر وثيقة توضح قواعد حساب إجمال دخل الموظف المدني، بحيث يتم أخذ دخل الزوج أو الزوجة الذي جرى الحصول عليه أثناء الزواج فقط في الاعتبار عند تحديد إجمال دخل الموظف.
وبموجب هذا القانون لن تتحكم السلطات الروسية بعد الآن في المعاملات التي يبرمها المسؤولون قبل تعيينهم في منصب وظيفي رسمي، وكذلك المعاملات التي يبرمها زوج الموظف المدني قبل تسجيل الزواج.
تشديد الرقابة على المداخيل
بموجب هذا القانون الجديد، أدخل الرئيس الروسي تعديلات عدة على قواعد الإفصاح عن دخل موظفي الحكومة، هذه التعديلات التي وقعها بوتين السبت الـ25 من أبريل (نيسان)، تنص على أنه سيطلب من موظفي الخدمة المدنية الآن تقديم معلومات ليس عن الدخل الفردي لكل فرد من أفراد الأسرة، بل عن دخلهم المجمع، دخلهم ودخل أزواجهم وأبنائهم القصر، وقد نشرت الوثيقة ذات الصلة على بوابة التشريعات.
ويعفى الموظفون الحكوميون من الإفصاح عن دخل الزوج أو الزوجة قبل الزواج، إلا أنه لا يزال بإمكانهم إدراجه كمصدر تمويل للمعاملات. علاوة على ذلك، لن تقوم الدولة بعد الآن بمراقبة النفقات الرسمية للمعاملات التي أجروها هم وأزواجهم وأبناؤهم القصر قبل تعيينهم في وظائف عامة.
لا يجوز نقل ملكية الممتلكات المكتسبة من خلال المعاملات المذكورة أعلاه إلى الدولة، حتى ولو ثبتت تهم فساد على الموظف الذي يقتنيها، ويسري هذا القانون اعتباراً من الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل.
محاولة مثيرة للجدل لمكافحة الفساد المستشري
في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وقع بوتين حزمة قوانين تعفي موظفي الخدمة المدنية وأعضاء البرلمان من تقديم إقرارات الدخل والممتلكات السنوية. مع ذلك، المسؤولون ملزمون تقديم هذه الإقرارات عند انضمامهم للخدمة، أو تعيينهم في منصب جديد، أو نقلهم، أو إدراجهم في الاحتياط، كذلك يلزم موظفي الخدمة المدنية الإبلاغ عن بعض التغييرات في وضعهم المالي، مثل امتلاك ممتلكات تتجاوز قيمتها دخل الأسرة لثلاثة أعوام.
وتلزم قوانين مكافحة الفساد المسؤولين الروس بالإفصاح عن دخلهم سنوياً منذ عام 1995. وفي فبراير (شباط) 2023 صدر قانون يلزم نشر معلومات دخل وممتلكات النواب وأعضاء مجلس الشيوخ في شكل "ملخص" فحسب، من دون ذكر الأسماء أو المبالغ المحددة أو قوائم العقارات. ولا يتاح للجمهور سوى معلومات حول ما إذا كان النائب قد قدم إقراراً ضريبياً وما إذا كان يحوي أي أخطاء، من دون أي ذكر لحجم ثروته وممتلكاته ومصادرها.
أما المحاولة الجديدة للرقابة على مداخيل الموظفين وأزواجهم أو زوجاتهم وأبنائهم، فجرى تسجيل مشروع القانون بهذا الشأن في مجلس النواب الروسي (الدوما) منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022، ونوقش مطولاً لا سيما أنه أثار جدلاً واسعاً في البلاد وداخل البرلمان لأكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام، بعدها جرت الموافقة عليه كون الكتل النيابية الموالية للكرملين تملك أكثرية مقاعد مجلس الدوما.
وقد قدم مشروع القانون هذا إلى مجلس الدوما في الـ13 من أكتوبر 2022، وفقاً للبيانات المنشورة على موقع المجلس. وجرت الموافقة عليه فقط في مارس (آذار) 2023 في القراءة الأولى، بعد جدل طويل ومماحكة بين الكتل النيابية الموالية لبوتين وتلك المعارضة له، وقدمت تعديلات عليه في أبريل الجاري، إذ تمت الموافقة عليه في قراءتيه الثانية والثالثة، ووافق عليه مجلس الاتحاد (مجلس الشيوخ) في اليوم التالي.
ويوضح هذا القانون آلية مغلقة لمراقبة نفقات شاغلي المناصب الحكومية وأفراد أسرهم، إضافة إلى ذلك توضح الوثيقة قواعد حساب إجمال دخل الموظف المدني: عند تحديد إجمال دخل الموظف، يجري أخذ دخل الزوج أو الزوجة الذي تم الحصول عليه أثناء الزواج فقط في الاعتبار.
ويضاف إلى ذلك أن دخل النصف الآخر الذي جرى الحصول عليه قبل الزواج لن يؤخذ في الاعتبار، ولكن يمكن الإشارة إليه في الإقرار كمصدر للأموال اللازمة للمشتريات الكبيرة - الأراضي والعقارات والمركبات والأوراق المالية والأصول المالية الرقمية أو العملات الرقمية.
كذلك يعفي القانون المعاملات التي يبرمها المسؤول قبل تعيينه في المنصب، وأيضاً المعاملات التي ينفذها الزوج قبل تسجيل الزواج، من الرقابة على امتثال النفقات، بغض النظر عن شرعية الحصول عليها من عدمه.
قواعد جديدة لمراقبة دخل موظفي الخدمة المدنية
بموجب القانون الجديد، ابتداءً من الأول من سبتمبر، عند إعلان الموظفين الحكوميين عن دخلهم، سيدرج دخل أبنائهم القصر، بينما سيدرج دخل الأزواج والزوجات فقط خلال فترة الزواج، أما المعاملات التي تمت قبل تعيين الموظف فلن تخضع للرقابة.
وهكذا، جرى تعديل المادة 8.1 من القانون الاتحادي "في شأن مكافحة الفساد"، التي بموجبها، عند تقديم معلومات عن الدخل والنفقات، لا يتم الآن أخذ الموظف المدني أو الشخص الذي يشغل منصباً حكومياً وزوجته في الاعتبار فحسب، بل يجري أيضاً احتساب مداخيل الأطفال القصر وأخذها في الاعتبار.
في السابق، كانت ضوابط مكافحة الفساد تقتصر على دخل الموظف الحكومي وزوجته، فإذا تجاوزت معاملة مالية كبيرة مجموع دخل الزوجين الرسمي لمدة ثلاثة أعوام، كان المفتشون يثيرون تساؤلات، أما الممتلكات والأموال المسجلة باسم الأطفال القصر فكانت تعتبر "منطقة رمادية" - ثغرة، مثلما أقر واضعو التعديلات، استغلت بنشاط في الواقع.
علاوة على ذلك، أدخلت تعديلات على القانون الاتحادي "في شأن مراقبة امتثال نفقات شاغلي المناصب الحكومية وغيرهم من الأشخاص لدخلهم". عند حساب إجمال دخل الأسرة لأغراض مراقبة النفقات، يؤخذ الآن في الاعتبار دخل الزوج/الزوجة المكتسب خلال فترة زواجه/زواجها من الموظف الحكومي، أما الدخل المكتسب قبل الزواج فلا يدرج في حساب إجمال الدخل.
مع ذلك لا تسري ضوابط الإنفاق على المعاملات التي يجريها الموظف الحكومي أو زوجته أو أبناؤه القصر قبل تعيينهم، وينطبق استثناء مماثل على المعاملات التي تجريها الزوجة قبل زواجها من الموظف الحكومي.
لا تتطلب هذه المعاملات تقديم معلومات عن النفقات، ولا تخضع للرقابة، ولا يمكن للمحكمة مصادرة الممتلكات المكتسبة باعتبارها ممتلكات للدولة، ولا يمكن استرداد الأموال المكافئة للنفقات المتكبدة كممتلكات للدولة، كما ينص القانون.
أهداف القانون
في أواخر العام الماضي وقع بوتين سلسلة من القوانين التي تعفي، من بين أمور أخرى، موظفي الخدمة المدنية من تقديم إقرارات الدخل السنوية. وكان معدو مشروع القانون قد اقترحوا في البداية الانتقال من النظام "القديم" للإقرارات السنوية الربيعية إلى الكشف التلقائي عن أخطار الفساد باستخدام نظام "بوسيدون" الحكومي. ويرتبط هذا النظام بقواعد بيانات من مصلحة الضرائب الفيدرالية، وهيئة الرقابة المالية (روسفين مونيتورينغ)، وهيئة الرقابة على الإيرادات (روس رييستر)، وهيئة تفتيش المرور الحكومية، وغيرها من الهيئات.
ويهدف قانون الرقابة على نفقات الموظفين وأسرهم إلى مكافحة الفساد نظرياً، ويتمثل هدفه الرئيس في ضمان أن تتناسب المشتريات الكبيرة التي يقوم بها الموظفون وأفراد أسرهم مع مداخيلهم المشروعة.
وبحسب حزب السلطة "روسيا الموحدة"، فإن الأهداف والغايات الرئيسة للقانون، بما في ذلك التعديلات الموقعة في أبريل 2026، تكمن في الآتي:
1-منع الفساد والكشف في الوقت المناسب عن المعاملات التي تحصل باستخدام مداخيل مكتسبة بطريقة غير مشروعة.
2-السيطرة على ممتلكات الأسرة من طريق الإعلان الإلزامي ومراقبة المعاملات التي تشمل العقارات وسيارات النقل والأوراق المالية والأسهم، التي لا يقوم بها المسؤول نفسه فحسب، بل تقوم بها أيضاً زوجته وأطفاله القصر.
3-مصادرة الممتلكات المكتسبة بطريقة غير مشروعة، إذ ينص القانون على آلية لنقل الممتلكات التي لا يتم تأكيد شرائها بدخل قانوني إلى الدولة.
4-توضيح آلية الرقابة بحيث إنه اعتباراً من الأول من سبتمبر 2026، سيتم تشديد القواعد والتحقق من دخل الأطفال القصر، ولكن سيؤخذ في الاعتبار فقط دخل الزوجين المكتسب أثناء الزواج. هذا يزيل الثغرات المتعلقة بالأموال المدخرة قبل الزواج، ويحمي الأموال المجمعة قبل الزواج.
ويجري تطبيق الرقابة على الإنفاق إذا تجاوز مبلغ المعاملة الدخل المشترك للمسؤول وزوجها/زوجته خلال الأعوام الثلاثة التي سبقت المعاملة.
آراء متضاربة
يجادل معدو مشروع القانون بأن الدخول متاحة بالفعل في أنظمة المعلومات الحكومية الداخلية، ويزعمون أن القانون الجديد سيحسن مكافحة الفساد، لكن بعض النواب اعترضوا على ذلك قائلين إن هذا لم يمنع فضائح فساد كبرى، ويشير متخصصون مستقلون في مكافحة الفساد إلى أن هذه خطوة أخرى نحو انغلاق الدولة الروسية الحديثة، والتستر على مداخيل وثروات مسؤوليها.
ويعتقد رئيس لجنة الأمن ومكافحة الفساد في مجلس الدوما من حزب "روسيا الموحدة"، وأحد واضعي مشروع القانون، النائب فاسيلي بيسكاريف، أن القانون الجديد من شأنه أن يقضي على "نظام الرقابة القديم" الذي يجرى كل ربيع، ووفقاً له، فإن هذا "يعوق عمليات التفتيش"، وستقلل المنهجية الجديدة من الوقت اللازم لتحليل البيانات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤكد بيسكاريف أن هذه الابتكارات تهدف إلى "تحسين أنشطة مكافحة الفساد" من أجل "جعل نظام الإعلان عن الدخل والنفقات ومراقبة ممتلكات المسؤولين أكثر فاعلية".
ويختتم النائب قائلاً "نحن لا نلغي الإقرارات الضريبية أو ندفع المسؤولين إلى العمل في الخفاء. على العكس من ذلك، نحن نعمل على تحسين عملية تقديم المعلومات المتعلقة بالدخل والممتلكات والنفقات".
وانتقد نواب كثر في مجلس الدوما مشروع القانون خلال قراءته الأولى، على رغم أن هذا لم يمنعهم من تمريره.
ويرى النائب فياتشيسلاف مارخاييف من "الحزب الشيوعي الروسي" أن مشروع القانون يبدو "غريباً ومريباً" في ضوء فضائح الفساد الأخيرة. وصرح عضو البرلمان ميخائيل ديلياغين من كتلة "روسيا العادلة" بأن كتلته لم تدعم مشروع القانون، لأنه "يتعارض - جوهرياً مع أحد المبادئ الأساسية لمجتمعنا، ألا وهو مساءلة النواب والمسؤولين وشفافيتهم أمام الشعب".
استبدال الرقابة العامة بنظام حكومي مغلق
يشير بيسكاريف إلى إمكان الوصول إلى بيانات الوضع المالي لأي مسؤول باستخدام نظام معلومات الدولة "بوسيدون" (GIS)، الذي أطلق عام 2022. ويتولى تنسيق النظام الإدارة الرئاسية، بينما تتولى إدارة الأمن الفيدرالي تشغيله، هذه البيانات غير متاحة للعموم.
لكن النائب عن حزب "روسيا العادلة"، أندريه كوزنيتسوف، تساءل عن الجهة التي ستتولى تدقيق نظام "بوسيدون" نفسه لضمان عدم استهدافه لموظفي الحكومة بصورة انتقائية، وأوضح قائلاً "عندما كان هذا الأمر يحصل علناً، كان اهتمام الرأي العام بمثابة الضمانة ضد مثل هذا الوضع".
ورد المقرر المشارك النائب ديمتري فيالكين من "روسيا الموحدة" بأن نظام المعلومات الجغرافية يجمع البيانات فحسب، وأن البشر يتحققون منها. وأوضح بيسكاريف أن النظام لا يطلع على مواقف المسؤولين، وأن البيانات تعالج بموضوعية بواسطة "آلة بلا روح"، كذلك جدد تأكيد أنه لا يوجد ما يمنع الموظفين الحكوميين من نشر تصريحاتهم بأنفسهم.
واستذكر النائب أليكسي كوريني، من الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي، قضايا فساد بارزة تتعلق بمصادرة أصول من قاضي المحكمة العليا السابق فيكتور موموتوف ورئيس المحكمة العليا السابق في أديغيا أصلان تراخوف، وتساءل عن سبب فشل منظمة "بوسيدون" في كشف الفساد آنذاك.
ورد بيسكاريف عليه قائلاً "النظام يعمل بفعالية كبيرة، ولكن هناك دائماً مجال للتحسين"، مستشهداً ببيانات العامين الماضيين حول نقل الممتلكات التي تعود إلى المسؤولين الفاسدين وأقاربهم إلى الدولة - مع تزايد المبالغ.
الحرب والفساد... وأرامل المقاتلين
بموازاة هذا القانون، وقع الرئيس الروسي في الـ25 من أبريل سلسلة من القوانين، شملت تعليم أرامل جنود قوات الدفاع الجوي، وتسهيل الانتقال إلى ضريبة القيمة المضافة، وتمويل الرسوم الكاريكاتيرية الروسية.
والقانون الجديد الذي وقعه بوتين السبت مع قانون تعزيز الرقابة على إنفاق المسؤولين الحكوميين وأفراد أسرهم، يسمح لزوجات الذين قتلوا في العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا بالالتحاق بالجامعات والكليات مجاناً، أي إنه يمنحهم امتيازات يعدها كثر خرقاً لمبدأ المساواة والإنصاف بين المواطنين، ويعدونها نوعاً من الفساد المقنع ورشوة للنساء لدفع أزواجهن للالتحاق بالعملية العسكرية.
وتسري الأحكام الجديدة على أرامل الجنود الذين قتلوا في الحرب، وكذلك على أفراد مجموعة "دونباس" والمشاركين في عمليات عسكرية أخرى خارج الاتحاد الروسي. والشرط الأساس هو ألا تتزوج المرأة مرة أخرى بعد وفاة زوجها.
ويحق لهذه الفئات من المواطنين الحصول على التعليم العالي مجاناً ضمن حصة محددة، من دون اختبارات قبول، ووفقاً لمقدمي مشروع القانون، فإن هذا الإجراء سيساعد أرامل جنود القوات الخاصة على الحصول على التعليم والتكيف بصورة أفضل مع سوق العمل بعد فقدان معيل الأسرة.
وتجدر الإشارة إلى وجود ميزة مماثلة لأبناء المشاركين في "العمليات الخاصة"، حالياً، تخصص لهم نسبة تصل إلى 30 في المئة من المقاعد الممولة من الدولة في بعض الجامعات. وستحدد الحكومة الروسية سنوياً العدد الدقيق للحصص المخصصة للأرامل والأطفال.
إضافة إلى ذلك وقع بوتين السبت قانوناً يمنح المواطنين الذين شاركوا في أداء المهام في ظل التعبئة العامة أو الأحكام العرفية أو الحرب الحق التفضيلي في البقاء في وظائفهم أثناء تخفيضات الموظفين.
وكان بوتين قد وقع مرسوماً يقضي بعدم نشر إقرارات دخل ونفقات المسؤولين، وغيرها من معلومات الأصول، على مواقع الوزارات أو في وسائل الإعلام، كما كان معمولاً به سابقاً، طوال مدة أي "عملية عسكرية خاصة".
مكافحة للفساد أم تحصين له؟
لم يكن الابتكار الرئيس للقانون الجديد تشديداً للوائح مكافحة الفساد المستشري في البلاد على نطاق واسع، بل تكريساً تشريعياً "لحصانة" المعاملات التي تبرم قبل تولي المنصب العام. الآن، تعفى الممتلكات التي يحصل عليها المسؤول قبل تعيينه، وكذلك الأصول التي تحصل عليها زوجته قبل الزواج، إعفاء تاماً من رقابة الدولة. لا تتطلب هذه النفقات الإبلاغ، ولا تخضع للتدقيق حتى ولو كانت مكتسبة بطريقة غير مشروعة قبل تعيين الموظف في منصب حكومي. وينطبق هذا الحكم أيضاً على المعاملات التي تشمل الأطفال القصر إذا أبرمت قبل تعيين أحد والديهم في منصب عام.
المعارضون للقانون الجديد للرقابة على مداخيل المسؤولين الحكوميين، يؤكدون أن كل هذه الإجراءات سواء القديمة منها أو الجديدة والمستجدة، لم تنجح يوماً في مكافحة الفساد في البلاد أو التقليل منه، "لأن النظام السياسي بمجمله قائم على المحاباة والمحسوبية وعلى أفضلية تقديم الولاء لبوتين وحزب السلطة على السيرة الحسنة والسلوك الجيد والكف النظيف والكفاءة المهنية". ويوردون أمثلة واقعية على ذلك، مثل تعيين عائلات كاملة مؤلفة من الزوج والزوجة وأولادهم في مناصب حكومية حساسة من دون امتلاكهم الكفاءة المطلوبة لذلك، مثل تسمية مسؤولة عن القسم العربي في قناة "أر تي" الحكومية براتب خيالي وسيارة وسائق ومرافقين على أساس المحسوبية والولاء، على رغم أنها لا تجيد القراءة ولا الكتابة بالعربية، وفوق ذلك تعيين زوجها مساعداً لها.
عام 2025 سجلت روسيا 22 نقطة من أصل 100 على مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وجاء ترتيبها بين هندوراس وزيمبابوي في القائمة.
ويرى المتخصصون أن الوضع في روسيا يتدهور باستمرار، ويعود ذلك إلى السرية التامة التي تكتنف الحكم وتدير المؤسسات العامة المستقلة والجمعيات المدنية لمراقبة الفساد، فلا تنشر تصريحات النواب والشيوخ، كذلك تصنف أجزاء من الموازنة والمراسيم والبيانات والإحصاءات الرسمية سرية. ويشهد العالم تراجعاً في مكافحة الفساد، حتى في الدول ذات الديمقراطيات المستقرة، ومع ذلك، وكما أعلن محللون، فإن روسيا "تتقدم بخطى ثابتة في هذا المجال".
ونشرت منظمة الشفافية الدولية مؤشرها السنوي لمدركات الفساد لعام 2025. تظهر البيانات الجديدة تفاقم الفساد عالمياً، حتى في الديمقراطيات الراسخة. ويرى المحللون أن الجهود المبذولة لمكافحة الفساد تتراجع، وأن السياسيين في كثير من البلدان يبدون عزوفاً كبيراً عن مكافحته.
وانخفض متوسط الدرجة العالمية على المؤشر إلى 42 من أصل 100، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من 10 أعوام.
وتصنف روسيا أيضاً ضمن الدول ذات الدرجات المنخفضة جداً (أقل من 25): فقد سجلت 22 نقطة من أصل 100، مكررة أرقام العام الماضي، التي كانت أسوأ النتائج في تاريخ البلاد بأكمله من عمليات الرصد.
عام 2025 احتلت روسيا المرتبة 157 من أصل 182 دولة، وفي التقرير السابق، كانت في المرتبة 154. وكما ذكرت مديرة منظمة الشفافية الدولية في روسيا، ألينا فانديشيفا، فإن هذه المؤشرات لا تعكس تغيرات في وضع روسيا بقدر ما تعكس تحولاً عاماً في مواقع الدول الأخرى، وأضافت أن روسيا خسرت ثماني نقاط خلال العقد الماضي، مما يشير بوضوح إلى تدهور كبير في وضعها.
كذلك ترى فانديشيفا أن الفساد ينتشر في روسيا بسبب طبيعة الحكومة المغلقة وتدمير الرقابة المستقلة، فبينما كانت نفقات الموازنة الفيدرالية السرية تمثل 15.2 في المئة قبل عام 2022، أي قبل الهجوم على أوكرانيا، تقدر الآن بنحو 30 في المئة أي ما يقارب 12.9 تريليون روبل (الدولار يساوي 75 روبلاً)، إضافة إلى أن جزءاً كبيراً من مشتريات الحكومة، لا سيما للأجهزة الأمنية (وزارة الدفاع وجهاز الأمن الفيدرالي والحرس الوطني الروسي)، لم يعد ينشر، مما يجعل المراقبة العامة مستحيلة.
وبلغت الخسائر المحققة الناجمة عن الفساد في روسيا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024 ما قيمته 14.2 مليار روبل. وتراوحت قيمة الرشى الأكثر شيوعاً بين 10 آلاف و50 ألف روبل، حين شكلت الرشوة 60.9 في المئة من الحالات، وبحلول بداية عام 2025 ارتفع عدد جرائم الفساد المكتشفة بنسبة 24 في المئة.
وتورد البيانات الرسمية الرئيسة حول كلفة الفساد (2024-2025): أن أضرار الفساد خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، بلغت 14.2 مليار روبل، وهو أقل بقليل من الفترة نفسها عام 2023 (15.9 مليار روبل)، لكن بعد ذلك سجلت زيادة في عدد جرائم الفساد، حيث جرى اكتشاف 15458 جريمة في الربع الأول من عام 2025 وحده، أي بزيادة قدرها 24 في المئة مقارنة بعام 2024.
ومن أجل ملاقاة بوتين في جهوده لمكافحة الفساد الذي يعترف هو نفسه بفشله فيها، أعلنت وزارة المالية في الـ23 من مارس الماضي، عن مقترح لتوسيع نطاق الرقابة على التحويلات المالية بين الأفراد التي تشمل مصلحة الضرائب الفيدرالية وبنك روسيا المركزي. وتهدف هذه المبادرة إلى كشف الدخل المقنع بتحويلات مالية بين الأفراد، وقد يواجه نحو 10 ملايين روسي تشديداً في الرقابة الضريبية بدءاً من عام 2027 نتيجة تحويلاتهم المنتظمة إلى بطاقاتهم المصرفية.
ويوضح محام متخصص في تشريعات مكافحة الفساد أن "القانون الجديد يضع حداً للمخططات القديمة، ففي السابق، كان بإمكان مسؤول شراء سيارة باهظة الثمن والادعاء بأنها من مدخرات زوجته، ولكن كان من شبه المستحيل التحقق من وقت جمع هذه المدخرات بالضبط، أما الآن، فالقواعد أكثر شفافية". وهناك استثناء مهم أيضاً، إذ تعفى المعاملات التي يجريها الموظف الحكومي قبل تعيينه من الرقابة. وينطبق حكم مماثل على الزوجات، إذ لا تخضع المشتريات التي تتم قبل تسجيل الزواج للتدقيق، حتى لو كان مصدر هذه الأموال غير شرعي، علاوة على ذلك، لا يمكن، حتى نظرياً، نقل ملكية هذه الممتلكات إلى الدولة، كيف سيؤثر هذا في الممارسة؟
في الوقت الراهن، تتسم التوقعات بالحذر، فمن جهة، يصبح الإجراء أكثر دقة، إذ يمتلك المسؤولون والمراجعون إرشادات واضحة. ومن جهة أخرى يحدث هذا فروقاً دقيقة في حساب إجمال الدخل، فهل سيؤدي ذلك إلى الحد من الفساد والمخالفات؟ الأيام كفيلة بالإجابة. على أي حال، فالاتجاه واضح: الدولة تشدد باستمرار الرقابة على دخل ونفقات المسؤولين لمكافحة الفساد المعشعش في الأروقة والمتاهات الحكومية. هذا القانون هو أحدث خطوة في هذا الاتجاه، ولكنه ليس الأخير بكل تأكيد.