ملخص
لم تكن مصلحة فلسطين أو لبنان واردة في خطط إيران وأتباعها، ولم يلتفت هؤلاء الأتباع إلى مصالح شعوبهم وأوطانهم. كانت مهمتهم ولا تزال تنفيذ الأجندة الإيرانية في مواجهة أميركا، ونقطة الفصل في هذه المهمة حماية النظام الإيراني نفسه.
لن يكون خيار السلطة الشرعية اللبنانية الذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل سهلاً أو مضمون النتائج، ولكن لا بديل عنه في أي حال.
فهذه هي المرة الأولى التي تتجرأ فيها حكومة لبنانية على الإمساك بقرارها وتقول للجميع، في الداخل والخارج، القرار لي في شؤون الحرب والسلم وتحديد المصير. منذ عام 1969 على وجه التحديد، يوم تخلت السلطة اللبنانية عن سيادتها على أرضها بات آخرون ينطقون باسمها أو يجعلونها تقول ما يريدون، رويداً رويداً بات ياسر عرفات، بعد اتفاق القاهرة الذي سمح للمنظمات الفلسطينية بجعل المناطق الجنوبية قاعدة انطلاق لمناوشة إسرائيل، يتحدث باسم لبنان، فيشن حروباً عبره ويفاوض إسرائيل ويعقد معها اتفاقات وقف إطلاق النار، ومنها ذلك الاتفاق الشهير في يوليو (تموز) 1981 عشية الاجتياح الكبير في العام التالي.
وبعد إخراج "منظمة التحرير" الفلسطينية من لبنان وفشل اتفاق مايو (أيار) 1983 مع إسرائيل، صار نظام الرئيس السوري حافظ الأسد هو الذي يأمر السلطة اللبنانية ويحدد خطواتها. واستمر ذلك طوال الثمانينيات والتسعينيات وحتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. في تلك الأعوام، لم يكن المسؤول اللبناني يجرؤ على استقبال مسؤول أجنبي أو عربي من دون إبلاغ دمشق، ولا يستقبل ضيفاً إلا بعد استشارتها، ويلغي مشاركته في قمة عربية أو دولية إذا دهمه شعور أن الحاكم السوري سيكون مستاءً.
مع هيمنة إيران، عبر "حزب الله" على القرار اللبناني، إثر اغتيال الحريري ثم اجتياح بيروت عام 2008، صار الحزب هو صاحب السلطة. لم يعد مضطراً إلى إبداء المشورة أو طلبها، فهو الآمر. فتح حروباً على حسابه عام 2006 ضد إسرائيل، وأرسل عناصره للقتال في العراق، وجيوشه لمساعدة نظام الأسد الابن، ودرب وقاد حوثيي اليمن، ونشر خلايا في الخليج. ثم عندما تحركت "حماس" في غزة هب لإسنادها من الجنوب اللبناني. فعل ذلك بتوجيهات قيادته في طهران التي وقفت متفرجة على دمار غزة ثم لبنان، مكتفية بإبداء النصائح وقطف ثمار المآسي لتوظيفها في شعاراتها الاستراتيجية.
مثال على التوجيهات الإيرانية في أيام الدمار، ما صرح به اللواء حسين سلامي قائد الحرس الثوري (قتل في الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الأخير) يوم الـ30 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، عندما رأى أن "زمن انهيار الكيان المزيف سيستغرق فقط 48 ساعة ويُمحى من الوجود". أما كيف سيحصل ذلك فعلى يد "قوات (حزب الله) و(حماس)"، التي هي "مظهر من مظاهر وجود قوات التعبئة" (الباسيج). ويكمل المرشد علي خامنئي ما قصده سلامي شارحاً أن "الهدف الحقيقي لـ‘طوفان الأقصى‘ كان القضاء على النفوذ الأميركي في المنطقة"، فـ"هذا الحدث التاريخي بالمعنى الحقيقي للكلمة، قادر على تعطيل سياسة أميركا ويستمر ويمحو الأجندة الأميركية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم تكن مصلحة فلسطين أو لبنان واردة في خطط إيران وأتباعها، ولم يلتفت هؤلاء الأتباع إلى مصالح شعوبهم وأوطانهم. كانت مهمتهم ولا تزال تنفيذ الأجندة الإيرانية في مواجهة أميركا، ونقطة الفصل في هذه المهمة حماية النظام الإيراني نفسه.
هكذا عندما تعرضت إيران للهجوم تحرك "حزب الله" لإسنادها مستجلباً إلى لبنان احتلالاً جديداً ودماراً وضحايا ومئات آلاف المشردين. وبطبيعة الحال، لم يسأل هذا الفصيل المسلح عن الدولة التي يقيم فيها ولا عن الشعب الذي يتحدث باسمه، فالجغرافيا لا معنى لها في مقابل حفظ مصير نظام المرشد.
لقد كانت الحكومة اللبنانية التي ولدت نتيجة تغيير كبير أحدثته هزيمة حرب الإسناد الأولى (غزة) وتوقيع "حزب الله" عبر الحكومة السابقة اتفاق نوفمبر 2024، أمام احتمال من اثنين لدى انخراط "حزب الله" في معركة الثأر لخامنئي ونتائجها الكارثية، فإما تمارس سياسات النأي بالنفس السابقة وتترك للحزب وإسرائيل وإيران تحديد مصير لبنان كياناً وأرضاً وشعباً، أو أن تمسك قرارها بيدها، فتدين سلوك الحزب وسياسة إيران وعدوانية إسرائيل، وتعلن للعالم ولشعبها أنها مسؤولة عن بلدها، وأن حماية هذا البلد لا يمكن أن تتوفر من دون إخراجه من دائرة الاستعمال كساحة لتصفية حسابات الآخرين. ولن يحصل ذلك مع ترك الساحة لإيران ومساوماتها، ولا بترك التغول الإسرائيلي يمضي تدميراً وقضماً للأراضي اللبنانية.
تعرف السلطات اللبنانية الشرعية أن قرارها المضي في التفاوض سيواجه بمعارضة الفريق الذي قضم دورها على مدى عقود، وتعرف أيضاً أن إسرائيل ليست مجرد عدو يسهل إقناعه بالمنطق، إلا أن الفرصة التي يتيحها وجود الرئيس دونالد ترمب وإعلاناته المتكررة عن حرصه على لبنان، إضافة إلى الرعاية والاحتضان اللذين توفرهما المجموعة العربية والدولية ممثلة خصوصاً بالسعودية ومصر وفرنسا، دفعا الحكومة اللبنانية بقيادة رئيس الجمهورية إلى الإمساك بهذه الفرصة والسير فيها بصلابة.
ولا يعني ذلك استسهال العقبات. فقد يستغرق إقرار وقف النار وقتاً، كذلك التفاوض حول التسوية النهائية، لكن لا بديل عن هذا النهج. فجوهر الموضوع وأساسه، أن هناك للبنان رموزاً شرعية تمثله وتشكل ضمانة لتقدمه نحو استرداد أرضه وسيادته، على رغم وجود مشروعين متناقضين يتصارعان على سلبه الأرض والسيادة، واحد إسرائيلي، والآخر إيراني، كلاهما لن يسأل إذا ما بقي بلد الأرز ساحة مفتوحة للقتال والاستباحة أو إذا فقد استقلاله كلياً.
لقد حاولت إيران إبقاء لبنان نقطة على جدول أعمالها في المفاوضات المتعثرة بينها وبين أميركا عبر باكستان. ويلتزم "حزب الله" كلياً بما تقوله إيران، فالدولة اللبنانية خائنة وقادتها "صهاينة" بحسب حملاته ولغته السائدة. إنه يعتقد أن إيران "المنتصرة" ستفرض في اتفاق مع أميركا بقاء الحزب المسلح وربما تسليمه إدارة شؤون الساحل الشرقي للمتوسط. قد تكون الرغبات الإيرانية تمضي في هذا الاتجاه، وقد تذهب الأمور في الاتجاه المعاكس ويدفع التنظيم ثمن صفقة أخرى. وبديهي أنه ليس لكل ذلك علاقة بالجمهورية اللبنانية التي تبحث عن استقلالها وسيادتها وحفظ كيانها التاريخي.
لقد بادر لبنان سريعاً، عبر سلطاته الرسمية، إلى عرض التفاوض قبل أن تستجيب إسرائيل وقبل أن يبادر البيت الأبيض إلى تبني المبادرة. وبهذا احتفظ البلد بحقه وموقعه في لعبة جرى دفعه إليها قسراً، وحان الوقت للخروج منها، ولو استغرق هذا الخروج زمناً وجهداً ومكافحة لأضاليل تجار المشاريع وخرائط النفوذ.