ملخص
لا ندري ماذا ستقدم إيران السائرة نحو هزيمة ودمار مديدين لأبناء ساحات نظمتهم استعداداً للحظة التي تعيشها. ربما، وعلى الأرجح، ستقول لهم في لحظة ما، إن بقاء نظام الولي الفقيه هو الإنجاز في حد ذاته، وعليهم أن يكتفوا بذلك ويدفعوا هم ثمن ما ارتكبوه بحق شعوبهم.
تأخر تجسيد نظرية "وحدة الساحات" الإيرانية المنشأ عامين ونصف العام، فهذه النظرية التي قامت في الأساس تحت عنوان دعم الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه وردع العدوان الإسرائيلي، لم تجد طريقها إلى التنفيذ عندما ارتأى فرع "ساحة فلسطين" فيها، ممثلاً بحركتي" حماس" و"الجهاد الإسلامي"، خوض معركة التحرير انطلاقاً من غزة قبل عامين ونصف العام، لكنها وضعت قيد التطبيق عندما تعرضت إيران للهجوم الأميركي- الإسرائيلي الذي أودى في يومه الأول بحياة المرشد علي خامنئي وعدد من قيادات الصف الأول العسكرية والمدنية.
خلال تلك التجربة الأولى، اكتفى رأس المحور ومنشئه والمنظّر له بالتبني الخجول لعملية غزة ثم انتقل إلى الإنكار الجزئي لحيثياتها، فاستغلالها عنواناً لإدانة السياسة الأميركية والإسرائيلية.
في التبني اعتبر رأس المحور أن "طوفان الأقصى" هو رد على اغتيال قاسم سليماني وقطع للطريق على "الاتفاقات الإبراهيمية" والممر الهندي- الأوروبي. ولم يكن الهدف الفلسطيني المفترض، بوصفه ردّاً فلسطينياً ودفاعاً عن قضية محاصرة منذ عقود حاضراً في التحليلات الإيرانية، وحدها الرؤية والمصالح الجيوسياسية الإيرانية حضرت. ثم وفي مرحلة الإنكار، بدأت إيران تتنصل تحت وطأة الهجمة الإسرائيلية على غزة من رعايتها للفصائل الفلسطينية المشاركة. وعممت أنها لم تكُن تعلم بموعد "الطوفان" وأن الخطة التي أقرتها بمعية أطراف "وحدة الساحات" كان يجب أن تنطلق عام 2027، لكن يحيى السنوار استبق الحلفاء ونفذ خطته فورّطهم في زمان ومكان لا يريدونهما.
مع ذلك تدخلت إيران عبر أذرع الساحات وضمن حدود مضبوطة، فطلبت من "حزب الله" شن حرب "إسناد" لأنصارها في غزة وأوعزت إلى حوثيي اليمن بعمل مماثل يزعج الملاحة في البحر الأحمر ويصيب إسرائيل ببضعة صواريخ، لكنها، هي نفسها وقفت بعيداً في انتظار النتيجة. ولم تحرك صواريخها دعماً لمحورها، ولا تهديداتها بإزالة إسرائيل من الوجود خلال سبع دقائق، إلا أنها ردت ببضعة صواريخ عندما قصفت إسرائيل مقر قنصليتها في دمشق في عز احتدام القتال في القطاع وضد من يسنده إلى الشمال.
اختلف الأمر عندما تعرض نظام الولي الفقيه للهجوم المباشر، إذ ظهر أن "وحدة الساحات" حيّة تُرزق وليس كما في العامين المنصرمين. وتأكد أن هذه الوحدة لم تقُم من أجل القدس وفلسطين، بل من أجل النظام في إيران ولا شيء غير ذلك. دخل "حزب الله" المختفي طوال عام ونصف العام تحت ضربات الاغتيال الإسرائيلي في معركة الدفاع عن إيران والانتقام لخامنئي من دون تردد، ومثله فعلت الفصائل العراقية المنضوية في إطار الحشد الشعبي. وبقرار إيراني، انتظر الحوثيون إشهار ورقة المضائق ليعلنوا التحاقهم بالمعركة المصيرية. وتجلّت وحدة الساحات هذه المرة في أفصح صورها. فإيران تقود جيوشها المنتشرة من ساحل البحرين الأحمر والمتوسط، امتداداً إلى أرض الرافدين دفاعاً عن حصن "الجمهورية الإسلامية" في بلاد فارس.
كان ذلك هو الهدف منذ البداية. والقدس في رمزيتها ليست سوى ستارة لمشروع الإمبراطورية في جوهرها المذهبي القومي الفارسي، وساحة هذا المشروع تمتد من الخليج العامر إلى ساحل المتوسط وباب المندب، أما فلسطين فلا تستحق مشروعاً سياسياً ينهض بها، بل رفضاً على طول المسار لـ"حل الدولتين" ولمشروع السلام العربي ولقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مع ما يستتبعه ذلك من تخريب للنسيج الوطني للشعب الفلسطيني نفسه، تماماً كتخريب المجتمعات العربية الأخرى المقيمة في "غرب آسيا".
جعلت إيران أتباعها في الساحات الأخرى يقاتلون من أجلها حتى الرمق الأخير. أقنعتهم من غير كبير جهد، وهم اقتنعوا بأن الدفاع عن نظام الولي الفقيه وذراعه العسكرية الحرس الثوري، ممثلاً بـ"فيلق القدس" هو الآن المهمة الأسمى. ولبنان أو اليمن أو العراق ليسوا سوى أرض مفتوحة للمواجهة، مثلها مثل الجوار الخليجي، مع عدو "الجمهورية الخمينية"، وشعوبها ليست إلا رهائن وخسائر جانبية في المعركة التي ستحقق "النصر الإلهي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي المقابل تقدم إيران إلى هؤلاء الأتباع وعداً وحيداً هو أنهم سيكونون جزءاً من شروطها للتفاوض مع أميركا وإسرائيل عندما تقرر الدخول في عملية التفاوض التي لا تزال ترفضها.
لقد كان هؤلاء الأذرع والأتباع على مدى وجودهم في الساحات المختلفة عنصر ضغط تستعمله إيران في تسوياتها مع أميركا والغرب والجيران العرب. فـ"حزب الله" جعلته ورقة ثمينة من خلال فتحه حرباً على إسرائيل عام 2006 ستسهل الوصول إلى اتفاق 2015 النووي مع الولايات المتحدة والمجموعة الدولية، والفصائل العراقية استُعملت في الصراع مع واشنطن على السلطة في بغداد، وفي اليمن كانت مهمة الحوثي منع الإسهام الخليجي في التسوية اليمنية والتحرش بالسعودية ودول الخليج ومحاولة إشغالها وإزعاجها.
ومهّد وكلاء الساحات للنظام الإيراني الطريق لتوسيع نفوذه في سوريا وشعر هذا النظام في لحظة ما بأنه قادر أن يقارب الحضور الأميركي ويقارع دول المنطقة الرئيسة من دون أية مساءلة عن عمل الوكلاء، فهؤلاء إن ربحوا تربح إيران وإن خسروا يخسرون منفردين.
إلا أنه ومنذ شهر ونيّف، بات الراعي الأصيل في المرمى. فلم تعُد طهران تدير ألعابها وهي في صفوف المتفرجين، إنها في مرمى النار وتحتاج إلى أذرعتها للدفاع عنها وتعدهم بأنها لن تتخلى عنهم عندما يحين وقت التفاوض والتسويات. لكن من يقود إيران يرفض حتى الآن مبدأ التواصل مع الخصوم، ويحضّ أبناء "ساحاته" على مواصلة القتال وتصعيده من دون أفق غير إدراجهم بنداً للبحث. يقاتل "حزب الله" في لبنان مستدرجاً تجديد الاحتلال الإسرائيلي مرة أخرى، ويقاتل الحوثي ليثير مجدداً غضب العالم ويعمق مآسي اليمنيين، وتغضب الفصائل العراقية فتستنفر عمق حاجة العراقيين إلى الدولة والقانون.
ولا ندري ماذا ستقدم إيران السائرة نحو هزيمة ودمار مديدين إلى أبناء ساحات نظمتهم استعداداً للحظة التي تعيشها. ربما، وعلى الأرجح، ستقول لهم في لحظة ما، إن بقاء نظام الولي الفقيه هو الإنجاز في حد ذاته، وعليهم أن يكتفوا بذلك ويدفعوا هم ثمن ما ارتكبوه بحق شعوبهم.