ملخص
دعا رئيس الجمهورية نزار آميدي إلى الالتزام بالتوقيتات الدستورية، مؤكداً أن تأخير تقديم المرشح يمثل عبئاً سياسياً ومؤسسياً على الدولة، ويؤثر بشكل مباشر على استقرار عمل المؤسسات.
في مشهد سياسي بالغ التعقيد، تبدو عملية اختيار رئيس مجلس الوزراء الجديد في العراق وكأنها دخلت مرحلة "كسر العظم" داخل الإطار التنسيقي، مع استمرار التعثر في حسم المرشح، وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية، وتداخل الحسابات السياسية بين الكتل الرئيسة.
فبعد سلسلة اجتماعات امتدت لأيام، انتهى اجتماع الإطار التنسيقي الأخير، الذي عقد مساء أمس الجمعة، في مكتب رئيس مجلس الأعلى الإسلامي الشيخ همام حمودي من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، مع تأجيل الحسم إلى جلسة جديدة من المقرر عقدها اليوم السبت، في وقت تتصاعد التحذيرات من تجاوز التوقيتات الدستورية، واحتمال الدخول في فراغ سياسي جديد يعيد البلاد إلى مربع الانسداد.
انسداد داخلي بين القطبين الرئيسين
مصادر سياسية مطلعة تؤكد أن الانقسام داخل الإطار التنسيقي يتمحور بشكل أساسي بين محورين رئيسين، الأول يقوده ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، الذي يدفع باتجاه مرشح محسوب عليه مثل باسم البدري، فيما يتمسك محور آخر قريب من رئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني بخيارات مختلفة، أو بمحاولة إبقاء نفوذه داخل الحكومة المقبلة عبر تسويات سياسية.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن المقترحات المطروحة لم تعد تقتصر على الأسماء التقليدية، بل شملت شخصيات مثل حيدر العبادي وعدنان الزرفي ومحمد صاحب الدراجي، في محاولة للخروج من حال الاستقطاب الحاد، إلا أن هذه الأسماء لم تنجح حتى الآن في تحقيق إجماع داخل الإطار.
تسويات على "حافة التنازلات"
في كواليس الاجتماعات المغلقة، برزت فكرة تسوية تقوم على ترشيح باسم البدري لرئاسة الحكومة، مقابل منح ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة السوداني حصة وازنة في الحكومة المقبلة، تشمل خمس حقائب وزارية من بينها منصب نائب رئيس الوزراء ووزارة سيادية.
لكن هذه التسوية، بحسب مصادر سياسية، لا تزال تواجه تحفظات من أطراف داخل الإطار ترى أنها تمنح السوداني نفوذاً مفرطاً داخل الحكومة المقبلة، في حين يعدها أنصاره "ضمانة لاستقرار السلطة التنفيذية واستمرار النهج الإداري الحالي".
ضغط الوقت والدستور
تزامن هذا التعثر مع دخول الاستحقاق الدستوري مرحلة حرجة، إذ باتت الكتلة النيابية الأكبر أمام مهلة محددة لتقديم مرشحها الرسمي لرئاسة الحكومة، وسط تحذيرات من تجاوز السقف الزمني المنصوص عليه دستورياً.
وفي هذا السياق، دعا رئيس الجمهورية نزار آميدي إلى الالتزام بالتوقيتات الدستورية، مؤكداً أن تأخير تقديم المرشح يمثل عبئاً سياسياً ومؤسسياً على الدولة، ويؤثر بشكل مباشر على استقرار عمل المؤسسات.
وحذر نواب في البرلمان من إمكانية اللجوء إلى تحرك تشريعي بديل في حال استمرار الانسداد، عبر جمع تواقيع ورفع كتاب رسمي إلى رئاسة الجمهورية لتسمية مرشح، وهو تطور غير مسبوق قد يفتح باب مواجهة دستورية وسياسية واسعة.
الانسداد يعود إلى الواجهة
الأزمة الحالية تعيد إلى الأذهان نمط التعثر السياسي الذي رافق تشكيل الحكومات العراقية في دورات سابقة، حيث تتكرر ذات الإشكالية، صراع داخل المكون الواحد، ثم انتقال الخلاف إلى طاولة التفاوض بين المكونات.
لكن ما يميز هذه المرحلة، وفق مراقبين، هو أن الخلاف هذه المرة لا يتعلق فقط بتوزيع المناصب، بل بميزان النفوذ داخل الدولة، وبمستقبل العلاقة بين مراكز القرار داخل الإطار التنسيقي نفسه.
وفي هذا السياق، يكشف الباحث السياسي محمد الركابي أن الأزمة الحالية لا يمكن قراءتها على أنها مجرد خلاف على شخصية رئيس الوزراء، بل هي انعكاس لصراع أعمق حول شكل السلطة داخل البيت الشيعي.
ويقول الركابي، إن ما يجري اليوم هو إعادة رسم لخريطة النفوذ داخل الإطار التنسيقي، فهناك طرف يريد الحفاظ على مركزية القرار داخل قوى تقليدية مثل دولة القانون، وطرف آخر يريد تكريس تجربة الحكومة الحالية أو ما يشبهها من حيث توزيع الصلاحيات وتخفيف الاحتكار السياسي.
ويرى أن تعدد الأسماء المطروحة لا يعني وجود خيارات حقيقية، بل يعكس عمق الانقسام، لأن كل طرف يطرح مرشحين يضمنون له أكبر قدر من النفوذ داخل الحكومة المقبلة، مشيراً إلى أن عامل الوقت أصبح سلاح ضغط بحد ذاته، وقد يدفع الأطراف إلى قبول تسوية سريعة حتى لو لم تكن مثالية لأي طرف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، يرى الباحث في الشأن العراقي حسن الهاشمي أن الأزمة لا يمكن فصلها عن الضغوط الإقليمية والدولية، التي تسعى إلى دفع القوى السياسية العراقية نحو تسريع تشكيل الحكومة لتجنب حالة عدم الاستقرار.
ويقول إن العراق اليوم في منطقة اشتباك سياسي إقليمي، وأي فراغ حكومي طويل سيقرأ خارجياً على أنه ضعف في إدارة الدولة، وهذا ما لا تريده القوى الدولية ولا حتى الإقليمية المؤثرة في الملف العراقي. ويضيف أن وجود فيتو على بعض الأسماء المطروحة يعكس أن معركة الاختيار ليست داخلية فقط، بل مرتبطة أيضاً بموازين علاقات العراق الخارجية.
ويؤكد أن "هذا النوع من الضغوط عادة ما يدفع نحو حلول وسط، لكنها حلول لا ترضي الجميع، بل تؤجل الأزمة إلى مرحلة لاحقة داخل الحكومة نفسها"، مشيراً إلى إمكانية تدخل مجلس النواب في حال استمرار الانسداد تمثل تطوراً سياسياً لافتاً، إذ لم يسبق أن لعب البرلمان هذا الدور المباشر في ترشيح رئيس الحكومة خارج توافق الكتل الكبرى.
ويرى نواب أن هذا الخيار، إن تحقق، سيكون بمثابة رسالة بأن "الشرعية السياسية لا يمكن أن تبقى رهينة الخلافات الحزبية"، لكنه في المقابل قد يفتح باب صراع دستوري حول الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ومع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية، تبدو كل الخيارات مفتوحة، لكن المؤكد أن "معركة اختيار رئيس الوزراء" لم تعد تقنية أو إجرائية، بل تحولت إلى مفصل سياسي سيحدد شكل المرحلة المقبلة في العراق، وحدود التوافق أو الصدام داخل السلطة نفسها.