ملخص
هل تنطبق صفات الدولة الفاشلة على جمهورية العراق اليوم؟ وهل عراق اليوم "جمهورية موز" ودولة فاشلة؟ أم أنها دولة ذات سيادة تتحكم بقرارها ويسودها القانون والأمن والعدالة والمساواة، وتوفر الحاجات والأساسات لمواطنيها، وتصنع وتصدّر ما تشاء ولا تتحكم إيران ولا غيرها بقرارها؟
في مقابلة تلفزيونية أطرافها ثلاثة عراقيين وإيراني وبحريني، وهو الأستاذ جعفر سلمان، على "قناة العهد" التابعة لفصيل "عصائب أهل الحق"، التابع بدوره لإيران في العراق، والذي يترأسه المعمم حديثاً قيس الخزعلي، إذ تصنف "العصائب" نفسها ضمن فصائل "الحشد الشعبي" الذي تتبع معظم فصائله الحرس الثوري الإيراني وتأتمر بأمره.
تمحورت المقابلة في بدايتها حول الاعتداءات المنطلقة من الأراضي العراقية بالصواريخ والمسيّرات على الكويت والسعودية والأردن والبحرين، وكيف أن فصائل مسلحة لا تأتمر بأمر الدولة وتمثّل دولة داخل الدولة، انضمت إلى الخندق الإيراني بالعدوان الصاروخي على دول الخليج العربية.
أثناء المقابلة استهزأ أحد الضيوف بمملكة البحرين وصغّر وقلّل من شأنها مما دفع الضيف البحريني إلى أن يرد الصاع صاعين، فقال إنه يعتقد أن عراق اليوم "جمهورية موز ودولة فاشلة"، وهو ما أثار مقدم البرنامج الذي رفض رأي البحريني وقال له بأنه لا يقبل مثل هذا الكلام عن العراق "المتن" من شخص من البحرين "الهامش"، فكان أن انسحب الضيف البحريني حفاظاً على كرامته واحتراماً لنفسه، وبعد ساعات أصدرت "هيئة الإعلام والاتصالات العراقية" المسؤولة عن تنظيم وسائل الإعلام قراراً بعدم استضافة الأستاذ جعفر سلمان على أي من وسائل الإعلام العراقية مدة ستة أشهر، وبرّرت قرارها بأنه خالف المادة الرابعة من الباب الثاني من لائحة الهيئة، وذلك "لعدم الدقة والنزاهة والشفافية بنقل المعلومات".
رحت أبحث في قول الأستاذ جعفر سلمان وتوصيفه العراق بأنه "جمهورية موز"، وهل تهمة عدم الدقة والنزاهة والشفافية بنقل المعلومات تنطبق على ما قاله خلال المقابلة أم لا، ووجدت أن التوصيف السياسي لعبارة "جمهورية موز" أطلقه الكاتب الأميركي ويليام سيدني بورتر عام 1904 في رواية لجمهورية تخيّلها وسمّاها أنشوريا، وهي مستوحاة من تجربته الشخصية خلال العيش داخل جمهورية هندوراس في أميركا الوسطى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جمهورية أنشوريا ينخرها الفساد والتحكم الخارجي بقرارها، ومفروض عليها من الخارج ألا تصدر إلا الموز، أي أنها كما نقول في الخليج "ديرة بطيخ"، ثم اتسع مفهوم المصطلح ليعني أية دولة يتحكم بها الخارج ويسودها الفساد ويفرض عليها تصنيع أو تصدير سلعة واحدة فقط كي لا تنافس سلع الخارج الذي يتحكم بقرارها، أما الدولة الفاشلة فهي الدولة التي تعجز عن أداء وظائفها الأساس تجاه شعبها وأراضيها.
وقد قادتني محركات البحث إلى صفات ومؤشرات للدولة الفاشلة، ومن أبرزها انتشار واسع للفساد وضعف الإجراءات الأمنية وانتشار الجماعات والميليشيات المسلحة وعدم القدرة على فرض القانون من الجيش والشرطة، إضافة إلى انهيار المؤسسات الحكومية أو ضعفها وهامشية دورها، وفساد القضاء وانحيازه وعدم استقلاليته، مع تدهور الخدمات الأساس مثل الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والطاقة، ولجوء المواطنين إلى جهات غير حكومية لتأمين حاجاتهم الأساس.
ومن الصفات كذلك الأزمات الاقتصادية الخانقة المتمثلة في البطالة المرتفعة وانهيار العملة، والتضخم الحاد والاعتماد على مورد واحد للدخل أو المساعدات الخارجية، مع تلاشي الشرعية السياسية التي تفقد الناس الثقة بالحكومة، ووجود انتخابات غير نزيهة وحرة، إلى جانب تدخل خارجي قوي يتحكم بالقرار السياسي، ونفوذ دول أخرى مع وجود قوات أجنبية أو تبعية قوات وميليشيات محلية لقوى خارجية، وكذلك الصراعات الداخلية والتناحر الطائفي والعرقي في ما يشبه الحرب الأهلية، ونزوح داخلي عرقي وطائفي بحثاً عن الأمن وغياب الاطمئنان.
هذه هي صفات ومؤشرات الدولة الفاشلة، والحق بأنها تنطبق على كثير من دولنا العربية، ولكن الوصف يدور حول العراق والمقابلة التلفزيونية التي أثارت جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، فهل تنطبق صفات الدولة الفاشلة على جمهورية العراق اليوم؟ وهل عراق اليوم جمهورية موز ودولة فاشلة؟ أم أنها دولة ذات سيادة تتحكم بقرارها ويسودها القانون والأمن والعدالة والمساواة، وتوفر الحاجات والأساسات لمواطنيها، وتصنع وتصدّر ما تشاء، ولا تتحكم إيران ولا غيرها بقرارها؟ أترك الإجابة للشعب العراقي الكريم..