Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن أغنيات تشايكوفسكي... السيئة

عندما لا يكون الموسيقي المبدع صاحب ذوق أدبي رفيع أو ذائقة شعرية حقيقية

بيوتر إيليتش تشايكوفسكي (غيتي)

ملخص

لم يتوقف الموسيقي الروسي تشايكوفسكي طوال حياته، عن محاولة تلحين أغاني وهو يدرك استحالة التزاوج بين الصرامة العقلانية لفن "الليد" الألماني، الذي يكاد بنيانه أن يكون هندسياً، وبين الرومانسية الغنائية الميلودرامية المهيمنة على الرومانس الأوروبي، وأخيراً الفوضوية العاطفية الحافلة بالتنقل بين أقصى درجات الفرح وأدنى درجات الحزن في أغاني الفولكلور الروسي الغنائي

هل يتعين على الموسيقي أن يكون ذواقة للأدب - والشعر ضمنه - ويحبه بالضرورة؟ أم أن في إمكانه أن يكتفي بحب موسيقاه، فإذا كانت هذه الموسيقى جزءاً من اللعبة الجمالية الأدبية - الشعرية فلا بأس؟ هذا سؤال طرح دائماً في سياق الحديث عن الموسيقى، في كل مرة يجري فيها البحث حول تلحين الموسيقيين الشعر، أو حتى قطعاً أدبية لا شعر فيها. في المجال المعاكس رأى كثير من النقاد والدارسين أن الشاعر الحقيقي لا بد له من أن يكون ذواقة حقيقياً للموسيقى، لأن لا شعر من دون موسيقى، أما بالنسبة إلى الموسيقي فإن المسألة ظلت وتبقى دائماً بين أخذ ورد.

والحال أن الباحثين والنقاد، حين يتحدثون عن مثل هذا الأمر، تكون بين أيديهم نماذج عدة من موسيقيين أفلحوا في إبداع موسيقاهم، بما في ذلك الألحان التي وضعوها لنصوص شعرية، وغير شعرية، من دون أن يؤثر عنهم أي تذوق للغة المكتوبة أو الشفوية.

ويأتي من بين هؤلاء، وربما في طليعتهم، الروسي بيوتر إيليتش تشايكوفسكي، فإذا كان هذا الفنان قد عرف بأنه واحد من أساطين فن الموسيقى في تاريخ البشرية، فإن كثيراً يعزون تلك المكانة إلى أعماله غير "الغنائية"، أي إلى سيمفونياته والكونشرتوات والقطع المكتوبة لعروض الباليه... حتى من دون أن يعني هذا أن الأوبرات التي وضعها لم تكن رائعة في المزاوجة بين الشعر والموسيقى (ومنها طبعاً "يوجين أونيغين"، و"ملكة البستوني"... غير أن هذين العملين لا دخل لتشايكوفسكي في اختيار نصوصهما، إذ إنها موجودة من قبله ومتعارف على روعتها البوشكينية).

أما اختبار تشايكوفسكي الجدي في مجال تذوقه الشعر، فيكمن في مكان آخر: في تلك الأغاني الميلودية التي لم يتوقف عن تلحينها طوال ثلث القرن الأخير من حياته، والتي كان آخرها عام موته نفسه، أي عام 1893، أما أولاها فكانت في عام 1857.

أغنيات في الظل

إذاً، لقد اجتمع لصاحب "بحيرة البجع" و"كسارة البندق"، طوال 36 عاماً، ما يزيد على 88 أغنية وضع لها ألحاناً، عاماً بعد عام وفي مناسبات مختلفة. وهو متن يتعين علينا أن نضيف إليه 16 أغنية للأطفال لحنها تشايكوفسكي كذلك خلال تلك المرحلة.

ومنذ البداية لا بد من الإشارة إلى أن أياً من هذه الأغنيات، إذا استثنينا نصف دزينة منها، وجمل أغاني الأطفال، لم يعش حقاً بعد موت الفنان، بل إن النقاد لم يترددوا في شن أقسى درجات الهجوم النقدي عليها، في كل مرة خفت أو قدمت فيها، فهي، في شكل إجمال، لم ترق أبداً إلى المستوى الذي كان تشايكوفسكي قد أوصل الموسيقى إليه.

ومن هنا كان سقوطها في النسيان مدهشاً، حتى وإن كان الروس أنفسهم لا يزالون يحتفظون منها ببعض بقايا، يغنونها في مناسبات مختلفة، ولكن كجزء من فولكلور شعبي مجهول المؤلف، بعدما حورت بما يفصلها تماماً عن صوغ تشايكوفسكي لها.

والحقيقة أن هذا التشويه كان حتمياً، ما دام الموسيقي، حين كان يعكف على كتابة ألحانه، كان يتوخى، وإن في شكل غلب عليه الافتعال في معظم الأحيان، أن يزاوج في تلك الألحان بين عناصر ثلاثة كانت حاضرة معاً لديه، وكان يريد من النتيجة التي سيتوصل إليها أن تؤلف بينها:

أولاً، الألحان والأغنيات الفولكلورية الروسية القديمة.

ثانياً، أنواع الرومانس الأوروبي الذي كان سائداً في الغناء في صورة عامة.

وثالثاً، أسلوب "الليد" الألماني الذي كان ذا حظوة كبيرة في طول أوروبا وعرضها خلال القرن الـ19 كله.

وربما لا نكون هنا في حاجة إلى التأكيد بأن ثمة من التناقض بين هذه الأنواع الثلاثة، بحيث إن محاولة المزج بينها ستبدو في نهاية الأمر محاولة خرقاء.

والعجيب أن تشايكوفسكي لم يتوقف عن تلك المحاولة طوال حياته، وهو الذي كان يمكنه، مع هذا، أن يدرك استحالة التزاوج بين الصرامة العقلانية لفن "الليد" الألماني، الذي يكاد بنيانه أن يكون هندسياً، وبين الرومانسية الغنائية الميلودرامية المهيمنة على الرومانس الأوروبي، وأخيراً الفوضوية العاطفية الحافلة بالتنقل بين أقصى درجات الفرح وأدنى درجات الحزن في أغاني الفولكلور الروسي الغنائي.

ذائقة شعرية موضع شك

مع هذا كله، لم يتوقف تشايكوفسكي عن المحاولة، ولكن دائماً انطلاقاً من "ذوقه الشعري السيئ" بحسب ما يقول نقاده... إذ إنه أبداً لم يكف عن اختيار نصوص شعرية رديئة، مما دفع النقاد إلى الإلحاح على أن ثمة في خلفية هذه الاختيارات جهلاً فاضحاً بالشعر وقيمه.

فإذا أضفنا إلى هذا استخفافه الظاهر بذلك النوع نفسه من الغناء، ما يتناقض مع دقة اختياراته حين يتعلق الأمر بنص أوبرالي حقيقي أو بحكاية يبني عليها واحداً من باليهاته، نصبح أمام فنان يعتبر تلحين الأغاني نوعاً من استراحة المحارب، أو حتى نوعاً من التجريب في "مسودات".

وقد يكون من الصعب علينا أن نجد بعض ألحان تلك الأغاني ماثلاً في هذا العمل أو ذاك من أوبرا أو باليه لحنه لاحقاً. وعلى سبيل المثال نذكر هنا أغنية "هذا المساء"، أو "غنوة وألم"، أو "الموت"، أو "انس... بسرعة"، وهي كلها ذات ألحان استخدم تشايكوفسكي تنويعات عليها في أعماله الكبيرة، ومع هذا لا بد من أن نشير هنا إلى أن هذه الأغاني التي ذكرنا تظل الأجمل والأبقى بين الأغنيات التشايكوفسكية.

والحال أن هذه الأغنيات، التي تعتبر من بين نتاجه في هذا المجال الأكثر حضوراً، يمكن التوقف عندها طويلاً، إذ سيكون من الظلم رميها في النسيان... منها في هذا مثل الأغنيات التي كتبها تشايكوفسكي للأطفال، ومن هذه الأخيرة "يا صديقي إياك والشكوى" و"نار المدفأة هذا المساء".

ولنذكر هنا في مثل هذه الأعمال أن معظمها مقتبس في الأساس من تراث الغناء الشعبي الروسي، وفي جمل موسيقية استوعبت بكاملها، عرف تشايكوفسكي كيف يضفي على أغنياته مسحة من الأمل والنور، وكيف يحول حتى الحزن إلى قوة دافعة. وذلك في مقابل السوداوية التي تطبع معظم الأغاني في لغة تشاؤم وانسداد آفاق، أسهمت بدورها في عدم إقبال الجمهور العريض، ولا حتى جمهور النخبة، على المتن الرئيس لمجموع أغاني تشايكوفسكي، بل إن واحداً من النقاد صرح مرة مدهوشاً: "يا إلهي، كيف حدث أنني أحببت هذا اللحن لتشايكوفسكي إذ سمعته ضمن إطار ’يوجين أونيغين‘، مع أنني كرهته سابقاً حين كان لحن أغنية وحسب!".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حياة مضطربة وإرث متجدد

مهما يكن من أمر، يشكل مجموع تلك الأغاني، سواء كانت أغاني الكبار أو أغاني الأطفال، جزءاً أساساً من عمل بيوتر إيليتش تشايكوفسكي (1840 - 1893).

ومنذ كان في الـ17 من عمره، وهو المولود عام 1840 في مدينة فوتكنسك، الذي - مع هذا - يقال عادة إنه بدأ مساره المهني الموسيقي متأخراً.

ومعروف أن تشايكوفسكي كان في الـ20 من عمره، وموظفاً في وزارة العدل في بلده، حين انضم إلى مدرسة التأليف الموسيقي التي كان يديرها أنطون روبنشتاين، حيث حصل على الدبلوم، وأصبح لاحقاً أستاذاً للهارموني في كونسرفاتوار موسكو.

عاش تشايكوفسكي حياة متقلبة حافلة بالعواصف والآلام، ولم يجد العزاء إلا في احتضان سيدة ثرية، هي مدام فون ميك، له، مما مكنه من التفرغ للتأليف الموسيقي طوال عقود طويلة من حياته... ومن الاستقلال في نزعة تأليفية ميزته عن "مجموعة الخمسة"، في كونه مزج دائماً بين الحداثة الأوروبية والمواضيع ذات الكثافة الشعبية الروسية، متأثراً خصوصاً بموتسارت والأوبرا الإيطالية، مبتعداً عن تأثيرات فاغنر وبرامز، التي كانت رائجة في ذلك الحين. وعلى رغم أن أعمال تشايكوفسكي تبقى الأشهر في زمنه وفي الأزمان اللاحقة، فإن المؤرخين يقولون إن هذه الأعمال تظل دائماً في حاجة إلى أن تكتشف من جديد، فهل ينطبق هذا على أغنياته؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة