ملخص
ينظر مراقبون إلى أن دفع أوروبا بعودة العلاقات الاقتصادية وتفعيل الاتصالات السياسية الرسمية يأتي في سياق تهيئة الأرضية لإقامة روابط اقتصادية وأمنية بعد أعوام طويلة من الجمود، فيما يرد متابعون هذه النية الأوروبية إلى الأحداث الإقليمية لا سيما اندلاع الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق باب هرمز.
يبدو أن دول الاتحاد الأوروبي عقدت العزم أخيراً على تحريك العلاقات بينها وبين سوريا، بعد قطيعة امتدت طوال فترة الصراع المسلح الذي عاشته البلاد في ظل حكم نظام بشار الأسد، إذ شاب العلاقات بعد التحرير فتور واضح، وترقب حول سياسة السلطات الجديدة.
ففي تطور لافت جدد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعهم في بروكسل دعمهم للمرحلة الانتقالية في سوريا، إذ أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في بروكسل كايا كالاس، خلال مؤتمر صحافي بعد الاجتماع، اقتراح استئناف كامل لاتفاق الشراكة مع سوريا والذي يعود لعام 1978، مشيرة إلى مناقشة مزيد من الدعم لدمشق خلال مايو (أيار) المقبل، ولم تخف رأيها بأن البلد العربي ما زال بمنأى عن الحرب الإقليمية لكن الأخطار تهدد استقراره.
وينظر مراقبون إلى أن دفع أوروبا بعودة العلاقات الاقتصادية وتفعيل الاتصالات السياسية الرسمية يأتي في سياق تهيئة الأرضية لإقامة روابط اقتصادية وأمنية بعد أعوام طويلة من الجمود، فيما يرد متابعون هذه النية الأوروبية إلى الأحداث الإقليمية لا سيما اندلاع الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز. وهذا التوجه يفسره محللون بأنه محاولة بحث أوروبية عن طرق بديلة، إذ من المنتظر أن تلعب سوريا دوراً في خلق طرق عبر أراضيها أو عبر موانئها البحرية بالمتوسط.
اتفاق التعاون
في غضون ذلك يبرز مقترح المفوضية الأوروبية استئناف اتفاق التعاون الموقع مع سوريا عام 1978 بصورة كاملة، في خطوة تعزز الشراكة قبل عقد محادثات رسمية مع الحكومة السورية خلال مايو المقبل، مع رفع سابق للعقوبات على دمشق إثر سقوط الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 وتولي أحمد الشرع مقاليد الحكم.
ورأى الباحث في القانون الدولي فراس حاج يحيى أن تفعيل الاتفاق في هذا الوقت سيترك انعكاسات سياسية، كونه خطوة تمنح الحكومة السورية نوعاً من الاعتراف العملي المباشر، وتفتح الباب أمام العودة التدريجية لدمشق إلى المنظومة الدولية، وتخفف من حال العزلة التي كانت مفروضة سابقاً، كما أنها تعطي مؤشراً لباقي الدول بأن هناك مساراً أوروبياً للتعامل معها، مما قد يشجع أطرافاً أخرى على الانخراط.
وتوقع يحيى خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" استفادة دمشق بصورة كبيرة إذا أدارت هذا الملف بواقعية، مشيراً إلى أن من أهم المكاسب سيكون إعادة فتح قنوات التمويل والمشاريع التنموية، ونقل الخبرات في بناء المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية علاوة على دعم إعادة الإعمار وبخاصة في القطاعات الخدمية والبنية التحتية، وتحسين بيئة الاستثمار تدريجاً. وأضاف "لكن الأهم من كل ذلك، أن التعاون مع الاتحاد الأوروبي يساعد في إعادة بناء الثقة الدولية بالدولة السورية، وهذا عامل أساس في أي عملية تعافٍ اقتصادي أو سياسي".
في المقابل يقرأ الأستاذ الأكاديمي في القانون الدولي العام الدكتور عامر الفاخوري هذه الخطوة بدقة، لافتاً إلى أنه يراها تحولاً سياسياً حقيقياً في طريقة تعامل أوروبا مع سوريا، وانتقالاً من سياسة العزل والضغط إلى سياسة الانخراط المشروط. وتابع، "بمعنى آخر، أوروبا لم تعد تتعامل مع سوريا كملف أزمة فحسب، بل بدأت تتعامل معها كدولة يمكن إعادة إدماجها تدريجاً في النظام الدولي، وهذا بحد ذاته تطور مهم جداً".
سياسياً، يعتقد الدكتور الفاخوري بأن هذا يعطي دمشق نوعاً من الشرعية العملية، وليس بالضرورة الشرعية الكاملة "مما يعني الاعتراف هنا ليس نظرياً أو قانونياً فحسب، بل اعترافاً وظيفياً، أي وجود سلطة في دمشق يمكن الحوار والتنسيق معها، و كذلك بناء سياسات مشتركة".
ويلفت الفاخوري الانتباه إلى كون هذه الخطوة تعزز مركزية الدولة السورية، فعندما تتحدث أوروبا عن دعم المؤسسات وإدماج المناطق المختلفة والتعامل مع الحكومة في ملفات الأمن والاقتصاد، فهي ترسل رسالة واضحة مفادها "نحن نريد دولة سورية موحدة وليس كيانات متفرقة".
ويقول "هذا له أثر مباشر على التوازنات الداخلية لأنه يقوي موقع دمشق في أي مفاوضات داخلية، سواء مع القوى المحلية أو الفاعلين الإقليميين، في حين هذا الانفتاح الأوروبي يعيد إدخال سوريا إلى اللعبة الدولية، مما يعني أن دمشق لم تعد فقط ساحة صراع، بل بدأت تعود كطرف له دور وموقع، ويمكن أن يفاوض ويؤثر".
علاقات قوية وشروط
وثمة محاور مهمة في الاتفاق بين سوريا وأوروبا ضمن هيكل قانوني يعزز التعاون الاقتصادي والتجاري والزراعي من منح المنتجات السورية معاملة تفضيلية، وتنظيم شروط الاستيراد، علاوة عن خفوض جمركية ونقل التكنولوجيا.
وكان الاتحاد الأوروبي تعهد خلال مارس (آذار) عام 2025 تقديم دعم مالي إلى سوريا تقدر بنحو 2.5 مليار يورو (2.93 مليار دولار) على مدى عامين بالتوازي مع رفع وتيرة التعاون الدولي الغربي مع دمشق حيث عمل الاتحاد الأوروبي.
هنا يطرح سؤال نفسه، هل تفرض أوروبا على سوريا شروطاً لإعادة تفعيل الاتفاق؟ ينظر مراقبون إلى أن أوروبا تعتمد ما يسمى النهج التدريجي المشروط، ويعني كل خطوة من التعاون تقابلها خطوة من الإصلاح.
ويحصر الدكتور الفاخوري الشروط الأساس هذه في عدة محاور، أولها المسار السياسي، فأوروبا تريد عملية سياسية شاملة لا تقوم على الإقصاء، بل على تمثيل مختلف مكونات المجتمع السوري، وهذه نقطة أساس.
أما ثانياً فهو مسار حقوق الإنسان، وهناك تركيز واضح على حماية الأقليات وحقوق النساء، ومنع أي ممارسات قد تعيد إنتاج الانتهاكات السابقة. وثالثاً ملف اللاجئين، فالأوروبيون يعدون هذا الملف حساساً جداً لذلك يشددون على أن أي عودة يجب أن تكون آمنة وطوعية وكريمة، وهذا يعني ضرورة وجود بيئة مستقرة فعلياً داخل سوريا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويأتي التعاون الأمني كمحور رابع في نظر الفاخوري وبخاصة ما يتعلق بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، وهذا ملف مهم جداً للأوروبيين لأنه مرتبط بأمنهم الداخلي، والأهم من كل ذلك أن هذا المسار قابل للتراجع، يعني إذا حدثت انتكاسة يمكن للأوروبيين أن يبطئوا التعاون أو يُعيدوا فرض قيود.
في المقابل ينظر الباحث في القانون الدولي حاج يحيى في معرض رده على تساؤلات تتعلق بالشروط التي يطلبها الاتحاد الأوروبي وفق مقاربة مشروطة، فيقول "غالباً ما يُربط أي تعاون بعدة ملفات، أهمها التقدم في مسار العدالة الانتقالية، واحترام حقوق الإنسان، وبناء مؤسسات شفافة وقابلة للمساءلة مع ضمان بيئة آمنة لعودة اللاجئين، إضافة إلى الاستقرار الأمني ومنع عودة التطرف".
ويرى أن هذه الشروط لا تطرح بالضرورة كإملاءات مباشرة، بل كمسار تدريجي يُقاس عليه مستوى الانخراط الأوروبي، وعليه فسوريا أمام فرصة سياسية واقتصادية مهمة، لكن نجاحها مرتبط بقدرة دمشق على التوازن بين الانفتاح على الخارج والحفاظ على القرار الوطني، وإدارة هذا التعاون كأداة لبناء الدولة، وليس فقط كوسيلة للحصول على دعم مالي والأهم من كل ذلك قدرتها على السير نحو الحوكمة والتشاركية مع كل السوريين وإشراك الكفاءات في مسار بناء الدولة.
اعتراف تدريجي
سؤال آخر يطرح نفسه، كيف يمكن أن تستفيد دمشق من عودة التعاون؟ يقول البروفيسور في القانون الدولي العام الفاخوري إن الاستفادة هنا ليست فقط اقتصادية كما يظن بعضهم، بل هي متعددة الأبعاد وأولها على مستوى الشرعية الدولية، إذ تفتح هذه الخطوة الباب أمام اعتراف تدريجي أوسع، ليس فقط من أوروبا بل قد تمتد إلى مؤسسات دولية، وربما إلى دول أخرى كانت متحفظة، بمعنى أن دمشق يمكن أن تستخدم هذه العلاقة كمدخل لإعادة تموضعها دولياً.
ويضيف "أما على المستوى الاقتصادي فإعادة تفعيل الاتفاق تعني عملياً إعادة فتح قنوات التجارة مع أوروبا وهي سوق ضخمة، وهذا مهم جداً لسوريا في مرحلة إعادة الإعمار، لكن الأهم من التجارة هو الاستثمار والدعم الفني، والاتحاد الأوروبي عادة لا يقدم فقط تمويلاً بل يقدم برامج إصلاح اقتصادي ودعماً للقطاع الخاص وتحسين بيئة الأعمال، وهذه عناصر أساس لأي اقتصاد يحاول أن ينهض بعد حرب طويلة".
أما الفائدة الثالثة فتتركز على بناء المؤسسات، وهي نقطة اعتبرها جوهرية بسبب أن أوروبا تركز كثيراً على بناء القدرات والإدارة العامة فضلاً عن الحوكمة وإصلاح المؤسسات، ويقول "إذا أحسنت دمشق الاستفادة من هذا الجانب يمكن أن يتحول إلى نقطة تحول حقيقية في إعادة بناء الدولة".
ويردف في حديثه عن الفائدة الرابعة "ويحصرها على المستوى الجيوسياسي، فسوريا موقعها استراتيجي جداً وأوروبا بدأت تنظر إليها كجزء من شبكات النقل والطاقة والربط الإقليمي، وهذا يعني أن دمشق يمكن أن تتحول من دولة متلقية للمساعدات إلى دولة لها قيمة استراتيجية في مشاريع أكبر".