ملخص
جولات ميدانية وأنشطة متواصلة للملك أحمد فؤاد الثاني نجل الملك فاروق الذي أزاحته ثورة يوليو 1952 عن السلطة في مصر، إذ بات وأسرته حديث المشهد العام داخل البلاد، وسط تساؤلات عن سر الحفاوة الرسمية والشعبية برمز أسرة كثيراً ما تمتعت بصورة ذهنية شديدة السلبية، بسبب الخطاب السياسي والإعلامي والدرامي والأدبي أيضا
"ملك مصري يتجول في شوارع القاهرة"، ملخص ثلاثة أسابيع من النشاط المكثف المصحوب بتغطية إعلامية وسوشيالية بطله الملك المصري السابق أحمد فؤاد الثاني الذي تنازل إليه أبوه الملك فاروق الأول (1920 – 1965) صورياً عن العرش، على خلفية إطاحة ثورة يوليو (تموز) 1952 حكمه، إذ عاشت الأسرة في أوروبا وصنعت حياة جديدة بعيداً من الصخب.
لكن على ما يبدو أن الملك الذي غادر البلاد طفلاً رضيعاً لم يعد يكتفي بالزيارات الخاطفة لوطنه الأم، بل بات حاضراً في المشهد بقوة، بصحبة الأبناء والأنساب والأحفاد، ولم يعد نشاطه مقصوراً على بعض المناسبات الاجتماعية الخاصة أو مزارات الأسرة العلوية، إنما يوجد مستوى آخر من المشاركات وصل إلى استقباله رسمياً في جامعة حكومية مسبوقاً بلقب الملك.
كانت أسرة فاروق غائبة عن المشهد الرسمي تماماً، وكانت تتلخص أخبار أفرادها في مجموعة معلومات مسربة وصورة مشوشة، حتى حضورهم المناسبات الاجتماعية في مصر كان محدوداً مع ظهور خاطف دون احتكاك إلا مع فئة قليلة للغاية، وقد بدا الأمر مبرراً على ما يبدو بسبب الخطاب الضاغط الذي لم يكن يتوقف حول تفنيد فساد حقبة الملك فاروق، سواء كان فساداً سياسياً أو اقتصادياً أو حتى اجتماعياً بسبب الطبقية المفرطة والعنصرية، والاستهتار بمقدرات الوطن، وهو الخطاب الذي كان متمثلاً في الإعلام والدراما والأدب إذ جرى تبني وجهة نظر تكشف حجم الظلم الذي وقع على المصريين خلال تلك الفترة، إلا أن هذا التشنج المبالغ فيه توارى بعض الشيء، وبات ينظر إلى الابن على أنه لم يكن يوماً جزءاً من منظومة الأب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم يأت الابن الذي بات على مشارف الـ80 من عمره، هذه المرة ليبكي أطلالاً، لكنه يحاول تجاوز حدود الماضي الذي سجن فيه اسمه ووصم به، من خلال جولات في معالم البلاد صحبتها حال من الترحيب الشعبي اللافت، اتضحت على أرض الواقع في الاستقبال الودود، وأيضاً في آلاف التعليقات التي تؤكد أصالة الأسرة البسيطة، التي تتجول بحراسة محدودة وبملابس غير رسمية، وعلى وجوههم ابتسامات مع تصريحات تعبر عن الاعتزاز بالبلد الذي ينتمون إليه، فما سر هذا التحول في نمط الظهور؟ وهل هذه الحفاوة نابعة فقط من الشعور بالحنين لكل ما هو قديم، ولعصر كان أبناء الجيل الحالي يسمعون عنه في القصص، وكأنه أساطير بعيدة من المستحيل أن يروا امتداد شخوصها على أرض الواقع؟
ملوك وأمراء في مصر الجمهورية
من ظهور نادر وعلى استحياء على مدار أعوام مضت، جاءت جولة الملك المصري السابق أحمد فؤاد الثاني (مواليد الـ16 من يناير/كانون الثاني 1952)، لمصر التي انطلقت قبل نحو ثلاثة أسابيع لتتصدر الاهتمام، نظراً إلى أن الأسرة لو كانت ترغب في أن تمر الزيارة بهدوء ودون تغطية مكثفة كانت ستفعل بكل سهولة مثلما كان يحدث في السابق. لكن بدا واضحاً أن هناك رغبة في استقطاب الأضواء، إذ ظهر الملك السابق بصحبة ابنه الأكبر محمد علي وابنته فوزية لطيفة، وكذلك الأحفاد، فيما غاب عن المشهد نجله الأصغر فخر الدين، والثلاثة يعرفون أنفسهم كونهم أمراء، وهو الخطاب نفسه الذي تبنته التغطيات الإعلامية وحتى الشعبية التي تتناول نشاطهم المكثف.
أكثر ما لفت النظر فيه هو الزيارة التي قام بها الأب والابن لقصر الزعفران بجامعة عين شمس، وهو قصر تاريخي بناه الخديوي إسماعيل خلال القرن الـ19، وأصبح الآن مقراً لإدارة الجامعة العريقة، فيما أبدى الزائران سعادتهما بالاهتمام بترميم القصر الذي يعد من منجزات أجدادهما، والجامعة الحكومية أيضاً عرفت الرجل بأنه ملك، ورحبت بأسرته ومرافقيه، وذلك في بيانها الرسمي عبر موقعها الإلكتروني مع ألبوم صور متنوع للزيارة، الذي أكد أيضاً "القيمة التاريخية والرمزية التي يمثلها الملك أحمد فؤاد الثاني كجزء من تاريخ مصر المعاصر".
وصف ملك دون لفظ سابق أثار استياء بعضهم الذين طالبوا المنصات الحكومية الرسمية بتحري الدقة في مثل هذا الأمر، لكن أحداً لم يلتفت، إذ توالت البيانات والتدوينات التي تسير على نفس الشاكلة واستعرضت الأسرة منجزات العائلة العلوية، في زيارات متنوعة مثل القناطر الخيرية ومسجد محمد علي، وجرى استقبالهم من قبل وفد رسمي يتضمن ممثلين عن وزارتي الأوقاف والسياحة، كذلك حرص على زيارة تمثال جده محمد علي وقلعة قايتباي بالإسكندرية، وحرص الملك السابق على زيارة المقهى الشعبي الذي يحمل اسم والده "فاروق" في المحافظة الساحلية، ملتقطاً الصور مع روادها، إضافة إلى الأماكن الأثرية الفرعونية بمحافظة أسوان.
بخلاف ذلك، زار محافظة الشرقية أيضاً واستقبله بعض نواب البرلمان المصري، معبرين عن سعادتهم بلقائه، وقبلها كان قد زار مسجد الحسين، فيما استهلت الجولة كالمعتاد بزيارة ضريح الأسرة العلوية بمسجد الرفاعي، ونشرت ابنته كواليس زيارات لمؤسسات متعددة بالبلاد، وأيضاً أبدى نجله الأكبر محمد علي سعادته بقضاء يوم في منظمة خيرية تعتني بأطفال فلسطين النازحين في مصر، وحرصت الأسرة على توثيق مشهد الصلاة في عدة مساجد خلال الزيارة وسط حشود المواطنين وممثلي المؤسسات الرسمية.
هذا الظهور الكبير دفع بعضاً إلى تتبع زياراته الأقدم بعض الشيء، إذ كان يحضر خلال الفترة نفسها من كل عام لإحياء ذكرى رحيل والده، لكنها تكون زيارات مقتضبة، فيما فيديو واحد لفت الأنظار يعود إلى عامين مضيا، ويظهر فيه الملك السابق وهو يدخل يخت المحروسة الشهير الذي غادر عليه رضيعاً مع أسرته من مصر إبان ثورة يوليو 1952، لكن هذه المرة كان يصعد إليه وسط ترحاب، وصفارات وأوامر وأجراس وسلام وسلاح، بحسب تعليق صفحته الرسمية على الفيديو.
أطلال السياسة ومنجزات الأجداد
محاولة تفسير هذا التحول وكذلك الاحتفاء، وأيضاً دلالات هذا الظهور المخطط له على ما يبدو، الذي ينقسم حوله المتابعون وبخاصة المهتمين بالشأن السياسي، فمنهم من يشكك في نزاهة تلك الحال برمتها ويوحي بأنها ربما تأتي ضمن حملة لها أهداف لتبييض عهد كثيراً ما أذاق الشعب ويلات وورطهم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً دون رأفة، إضافة إلى تأسيسه نظاماً طبقياً وفق بنود قانونية، وآخرون يعتقدون أن الأمر أبسط من هذا بكثير، وربما يكون الهدف ترفيهياً بحتاً، ورغبة في التواصل مع الجذور والتاريخ وإحياء إرث ما بناه الأهل، لا سيما أن المقتنيات والمباني الملكية في البلاد لا تزال غالبيتها تحافظ على رونقها، وتحولت إلى مزارات.
الأمر انصب أيضاً على محاولات تفسير التلقي الشعبي لهذا الإلحاح في الظهور والتركيز عليه إعلامياً، بأنه أمر طبيعي فقد مرت ما يقارب ثمانية عقود على هذا العهد السياسي والجيل الحالي ليس لهم علاقة أبداً بما اقترف الأهل، ولهذا فليس هناك مبرر لأخذ أي موقف من الأسرة، التي يشدد أفرادها في تدويناتهم دوماً على شعورهم الوطني العميق، كذلك مرور الأعوام يجعل الخصومة مع أناس لم يكونوا على قيد الحياة أو في الأقل كانوا في طور المهد بلا معنى، لا سيما أنهم ابتعدوا تماماً من السياسة وطووا الصفحة المضطربة، ولم يحاولوا يوماً العودة للوراء بعكس حالات مشابهة كثيرة كانوا يحرصون في مواقفهم على تأجيج الأوضاع في البلاد التي نزعت منهم سطوتهم ونفوذهم.
أستاذ التاريخ المعاصر الدكتور محمد رفعت الإمام يفسر هذه الأنشطة الملحوظة، التي لم تكن معهودة أبداً في السابق بالنسبة إلى الأسرة العلوية في مصر، بأنها "قد تكون مقصودة"، إذ يرى أنه لا يمكن أن تحدث كل تلك الاستقبالات "دون التنسيق مع المعنيين بالأمر، لأن هذا ليس أمراً عابراً، كما أنه يخص شخصية ارتبط اسم عائلتها بفترة شديدة التعقيد سياسياً ومجتمعياً".
على جانب آخر، كانت التساؤلات واضحة عن سبب ما يسمونه حملة لتلميع العصر الملكي، متمثلاً في من تبقوا من العائلة، ويعدون أن ما يحدث حملة دعائية غير مفهومة السبب، وبخاصة أن الملك السابق يحرص بين وقت وآخر بالفعل على زيارة مصر، لكن على فترات متباعدة دون هذا الضغط الإعلامي، ومع حرص واضح على عدم الاحتكاك بالجماهير أو التودد لهم، فيما الوضع تغير الآن وبدا وأبناؤه كأنهم يسعون إلى كسب ود الناس ويبحثون عن شعبية ما.
كذلك فئة من المثقفين تتساءل عن مدى دقة الألقاب الممنوحة له في التناول السوشيالي والإعلامي المؤسسي أيضاً، إذ يمنح ببساطة لقب ملك، وأبناؤه لقب أمراء، وبخاصة أن ابنته السيدة فوزية تعرف نفسها على الصفحة الرسمية أيضاً كأميرة مصرية، لكن ببحث سريع سيتبين أن أحمد فؤاد الثاني يحمل رسمياً لقب ملك مصر السابق، وفق جواز سفر دبلوماسي مُنح له قبل نحو 12 عاماً، بعدما كان قد اكتفى الرئيس السادات بمنحه جواز سفر اعتيادياً لا يذكر فيه لقبه أو صفته.
واستغرب المؤرخ والأكاديمي محمد رفعت الإمام بشدة مما اعتبره "استياء مبالغاً فيه وغير مبرر من كثر ممن يُحسبون على التيار الناصري"، لافتاً إلى أنه لمس منهم رأياً سلبياً للغاية في وجود أسرة الملك فاروق في المشهد، حتى لو كانت أنشطتها اجتماعية وترفيهية بحتة، ويفسر الإمام أيضاً القبول المجتمعي بهذه الأنشطة ورسائل الترحيب والسعي لالتقاط الصور مع أفراد العائلة بأنه "أمر عادي وطبيعي، فهو مجرد مواطن مصري وقانوناً يعد ملكاً سابقاً".
ويضيف "بنية الدولة في الحكم تغيرت واستقرت وأصبحنا جمهورية راسخة، فلا يوجد صراع أو قلق أو خصومة من أي نوع، كذلك ببساطة مظهر ابن الملك فاروق وأحفاده جعل الناس تنظر إليه بإيجابية بعكس حال البذخ المفرطة التي انعكست على نظرة عامة الشعب لأسرتهم قبل عقود. والحقيقة أن طبقة الأغنياء الجدد حالياً في مصر يحرصون على إظهار علامات الثراء في مقتنياتهم وملابسهم بصورة مبالغ فيها مقارنة بأسرة الملك السابق، كذلك لا أنكر أن هناك حالاً من الحنين إلى الماضي مستمرة منذ وقت طويل، وربما حال الاحتفاء تأتي في هذا الإطار، فهذه حقبة تبدو غامضة لغالبية الناس حالياً".
حنين لماضٍ غامض
بينما يربط الدكتور كريم الدمنهوري أستاذ الإعلام الدولي والصحافة بجامعة دنفر الأميركية هذا الأمر بحال أشمل وأعم، مشيراً إلى أن ما يحدث يعد جزءاً لا يتجزأ من ظاهرة تكررت أخيراً في بلدان مختلفة، إذ يتفق مع الدكتور محمد رفعت الإمام بأن غالبية المروجين لحال استدعاء رموز الماضي ينتمون إلى "أجيال لم يتعامل أفرادها بصورة مباشرة مع تداعيات تلك الحقب التاريخية المثيرة للجدل". لكنه يقول أيضاً إن هناك اختلافاً يتعلق بالغرض المرجو من هذا الاستدعاء.
يوضح الدمنهوري، أن هذا حدث في الفيليبين مع ماركوس بونج بونج ابن الرئيس الذي كان قد عُزل بسبب فضيحة سياسية، إذ عاد الابن بالفعل من طريق السوشيال ميديا وعرف كيف يستقطب شباباً لم يعيشوا الحقبة التي كان يحكم فيها أبوه، ونفس الأمر أيضاً بالنسبة إلى رضا بهلوي ابن شاه إيران الذي غادر البلاد في سن صغيرة للغاية بعد ثورة 1979، ويقيم داخل الولايات المتحدة الأميركية، إذ استدعته تظاهرات إيران في يناير (كانون الثاني) الماضي، وهتفوا باسمه وقالوا أيضاً "عاش الشاه"، وجاء ذلك في إطار الرغبة في العودة إلى أجواء عصر قبل ما يسمى الثورة الإسلامية.
ويشدد أستاذ الإعلام الدولي على أن الاستدعاء في مصر إلى شخصيات الفترة الملكية ليس له علاقة بالسياسة نهائياً، على رغم أنه ذكر بعضاً بالدعوات التي طالبت بترشح جمال مبارك على رغم أن الثورة على أبيه كانت رفضاً له من الأساس. موضحاً "الأمر في حال نجل الملك فاروق، هو نوع من تمجيد النوستالجيا والحنين إلى أناس لم يروهم، دون أي هامش سياسي في تلك الحال".
اللافت أن جدول الزيارات المزدحم هذه المرة شمل أيضاً زيارة لمنزل عبدالحليم حافظ المفتوح لجمهوره ومحبيه، وهو المطرب الذي يعد مجازاً "ابن ثورة يوليو" التي أنهت الحكم الملكي في مصر، وهو أمر بدا مستغرباً لأن عبدالحليم حافظ هو المطرب الأكثر غناءً لحقبة جمال عبدالناصر، فالأغنيات تأتي في إطار سلسلة استمرت عقوداً من الأعمال التي تأتي في إطار توجه عام جرى خلاله إنتاج مئات الأغنيات والمسلسلات والأفلام والبرامج التي تمتدح في الثورة، مقابل إظهار سلبيات الحكم الملكي في مصر، وبينها أفلام "رد قلبي، وامرأة هزت عرش مصر، والله معنا"، ومسلسلات مثل "أوراق مصرية، وملكة في المنفى" و"الملك فاروق" وعلى رغم أن الأخير وصف بالمتزن واعتبر من الأكثر إنصافاً، لكنه أيضاً ركز على شخصية الملك المتهورة شديدة الضعف.
حتى الآن لا تزال موجة الاحتفاء بالأسرة العائدة للظهور، التي يحركها الفضول هي الأعلى صوتاً، إذ يبررها بعضٌ بأن مصدرها هو هوس الحنين للماضي أو النوستالجيا التي تحرك كثراً حالياً نحو كل ما هو قديم، سواء الملابس والأكسسوارات والأفلام والأغنيات، والشخصيات والمظاهر السلوكية أيضاً، واللافت أن الأمر في ما يتعلق بالأسرة الملكية على وجه التحديد جرى التمهيد له على استحياء وبهدوء قبل نحو 20 عاماً من خلال إنشاء موقع رسمي للملك فاروق يضم صوره وتراثه، واستكمل بمجموعة كبيرة على مواقع التواصل، ثم صفحة رسمية تضم أكثر من 5 ملايين متابع بدأت نشاطها قبل 15 عاماً تقريباً، إذ جرت تغذيتها بأرشيف شديد الندرة ومعلومات بدا أن مصدرها مقربون بشدة من الأسرة التي كانت منسية تماماً، ولا يجري استدعاؤها إلا في إطار التهكم على نواقص "العهد البائد".
هنا يقول أستاذ الصحافة والإعلام الدولي الأكاديمي كريم الدمنهوري إن الفضاء الإلكتروني بالفعل أسهم في وجود أجيال أكثر تقبلاً، فهذه طبيعة الحياة أن تتبدل الأجيال وتخف وطأة النقد في ظل وجود شرائح أخرى من المجتمع لا تدرك فداحة ما حدث، متابعاً "وبخاصة مع انتشار غرف الإنترنت، فهناك آراء متباينة كثيرة، لمن يمدح أسرة الملك السابق ولمن يسيء إليها، ومنهم من يبالغ ويضلل، فكل شخص يعيش فكرته ويتعامل على أساسها، وسيجد من يسيرون وراءه ببساطة".