Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

واشنطن تسعى إلى ضبط علاقتها مع إريتريا بوساطة مصرية

لفت تقرير لـ"وول ستريت جورنال" إلى أن إدارة ترمب تدرس سبل إعادة ضبط العلاقات مع الدولة الأفريقية التي تسيطر على مواقع جيوسياسية - استراتيجية على طول البحر الأحمر

لقاء بين بولس والسيسي في القاهرة ومسؤولون يقولون إن مصر تساعد في تيسير الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا (مواقع التواصل)

ملخص

شنت إدارة ترمب حملة جوية عسكرية استمرت شهرين ضد الحوثيين عام 2025، بعدما استهدفت الجماعة الملاحة التجارية في البحر الأحمر بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة. وأوقف ترمب الحملة في مايو 2025 بعدما أعلن موافقة الحوثيين على وقف الهجمات على خطوط الملاحة التجارية.

نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية تحقيقاً صحافياً كشفت فيه عن أن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة ضبط علاقاتها مع إريتريا، التي تمتلك أحد أطول السواحل في الجهة الغربية من البحر الأحمر.

ولفت التقرير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تدرس سبل إعادة ضبط العلاقات مع الدولة الأفريقية التي تسيطر على مواقع جيوسياسية - استراتيجية على طول البحر الأحمر، في ظل تهديد إيران بقطع ممر بحري حيوي ثانٍ (باب المندب) على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة.

ووفقاً للتقرير، فإن جهود واشنطن الهادفة لإعادة بناء وضبط علاقاتها مع أسمرة ترتبط بتهديد جماعة الحوثي اليمنية بإغلاق حركة الملاحة في البحر الأحمر. وكشف التقرير، بناءً على إفادات مسؤولين حاليين وسابقين مطلعين على الأمر، عن أن المسؤول البارز في إدارة ترمب، مسعد بولس، أبلغ نظراءه الأجانب بأن الولايات المتحدة تعتزم البدء في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا.

ويدخل هذا المسعى في إطار جهود إدارة ترمب لاستعادة علاقات دبلوماسية مع إريتريا للمرة الأولى منذ عقود. وقال مسؤولون آخرون إن خطة تطبيع العلاقات مع إريتريا ورفع العقوبات عنها لا تزال قيد المراجعة ولم يتم اعتمادها بصورة رسمية.

وتابعت الصحيفة، وفقاً لمصادرها، أن خطط واشنطن لإعادة تطبيع علاقاتها مع إريتريا ترتبط بتهديد جماعة الحوثي، وتهديها بإغلاق حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، وسط مساعي طهران لقطع التجارة عبر مضيق هرمز منذ بدء حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

هرمز ضاعف الرغبة

وأوضحت الصحيفة الأميركية أن محاولات ضبط العلاقات من جديد مع أسمرة سبقت الحرب الأميركية على إيران، إلا أن تحركات طهران لإغلاق مضيق هرمز قد زادت من وتيرة الاهتمام الأميركي بأمن البحر الأحمر، الذي يعد ممراً استراتيجياً للدول الرئيسة المصدرة للنفط في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن مضيق هرمز يعتبر بوابة إلى ثروة الشرق الأوسط النفطية الهائلة على الجانب الشرقي من شبه الجزيرة العربية، في ما يعد البحر الأحمر ممراً مائياً حيوياً، وكشف التقرير الذي أعده كل من روبي غريمر وسمر سعيد، أن مسؤولين مشاركين في المحادثات قالوا إن مسعد بولس، مبعوث الرئيس ترمب إلى أفريقيا، التقى سراً الرئيس الإريتري أسياس أفورقي أواخر العام الماضي في القاهرة، وكان الهدف من الاجتماع مناقشة تخفيف العقوبات الأميركية وإطلاق حوارات رفيعة المستوى لإعادة ضبط العلاقات الأميركية – الإريترية، والتقى بولس الإثنين الماضي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة. وأفاد مسؤولون بأن مصر تساعد في تيسير الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا.

لقاءات سرية وعلنية

وأبلغ بولس السيسي بأن الولايات المتحدة تعتزم البدء برفع العقوبات عن إريتريا قريباً، وذلك حسب مسؤولين مطلعين على الأمر.

وكان بولس قد التقى سابقاً بوزير الخارجية الإريتري عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب مسؤولين.

ونقلت الصحيفة عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية أن إدارة ترمب تتطلع إلى تعزيز العلاقات الأميركية مع شعب وحكومة إريتريا. ولم يجب المتحدث عن أسئلة محددة تتعلق بتخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على إريتريا، ولم تُتح الوزارة الفرصة لإجراء مقابلة مع بولس. ولم ترد وزارة الخارجية المصرية والسفارة الإريترية لدى واشنطن على طلب للتعليق.

ورجحت الصحيفة في تقريرها أن محاولات إعادة ضبط العلاقات بين واشنطن وأسمرة لم تتقدم خلال الأشهر الماضية بصورة كبيرة، نظراً إلى هيمنة أزمات كبرى على اهتمام الإدارة الأميركية بما فيها غزة، والآن إيران.

وأشار التقرير إلى أن إريتريا تمتلك ثروة من الموارد المعدنية، ويقع ساحلها على البحر الأحمر مقابل السعودية واليمن، في وقت تضم فيه جيبوتي المجاورة أكبر تجمع للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم، بما في ذلك قواعد تابعة للولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بالنسبة إلى القوى الأجنبية.

عقوبات غير مجدية

وشنت إدارة ترمب حملة جوية عسكرية استمرت شهرين ضد الحوثيين عام 2025، بعدما استهدفت الجماعة الملاحة التجارية في البحر الأحمر بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة. وأوقف ترمب الحملة في مايو (أيار) بعدما أعلن موافقة الحوثيين على وقف الهجمات على خطوط الملاحة التجارية. ومع ذلك، أثار تهديد الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب والعودة لاستهداف السفن مخاوف جديدة في شأن حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر.

وحسب المصدر ذاته، فان المسؤولين الأميركيين قد توصلوا إلى خلاصة مفادها بأن الوضع الراهن، المتمثل في العقوبات والتواصل المحدود مع إريتريا، غير مُجدٍ، وأن التلويح بإمكان رفع العقوبات لبدء الحوار قد يحقق للولايات المتحدة فوائد طويلة الأمد في منطقة البحر الأحمر، مشيرين إلى إن منطقة البحر الأحمر ذات أهمية استراتيجية بالغة، ولا يمكن للولايات المتحدة تجاهل محاولة إعادة فتح العلاقات مع إريتريا، على رغم سجل إريتريا في مجال حقوق الإنسان.

بين التشكيك والترجيح

وقد شكك بعض المحللين في هذا المنطق، وقال المسؤول السابق في الاستخبارات ووزارة الخارجية الأميركية والمتخصص في شؤون المنطقة كاميرون هدسون "عادةً، عندما نرفع العقوبات، يكون البلد قد فعل ما يستحق ذلك. إنها الدولة العسكرية الاستبدادية نفسها التي كانت عليها منذ عام 1993. إذا كنا سنكافئها برفع العقوبات، فماذا سنحصل في المقابل؟".

في المقابل، قال مسؤولون آخرون إن إعادة ضبط العلاقات الأميركية مع إريتريا قد تؤثر في الصراعات والاستقطابات في مناطق أخرى من القرن الأفريقي الذي مزقته الحروب. وقد أعرب مسؤولون أميركيون، في أحاديث خاصة، عن مخاوفهم من أن إثيوبيا تستعد لحرب مع إريتريا، إذ تقول الدولة البعيدة من البحار إن لديها حقوقاً تاريخية بسواحل إريتريا.

من جهة أخرى يرى مراقبون لشؤون منطقة القرن الأفريقي، أن تزامن صدور التقرير مع وجود مسعد بولس بالعاصمة المصرية، وفي الوقت ذاته وجود وفد إريتري رفيع المستوى يضم وزير التجارة نصر الدين بخيت، ومسؤول الشؤون المالية والاقتصادية للحزب الحاكم في أسمرة حقوص قبريهيوت، بالقاهرة، قد يرجح حصول المحادثات في العاصمة المصرية، لا سيما أن وجود أعضاء الوفد الاريتري الزائر للقاهرة يشير لإمكان تكليفهم إجراء المشاورات الأولية اللازمة، بخاصة أن أياً منهم لم يرد اسمه في قائمة العقوبات الأميركية التي تستهدف بعض المسؤولين الإريتريين، ويشير البعض إلى الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس المصري بنظيره الإريتري الثلاثاء الماضي، كمؤشر إلى هذا الدور المحتمل.

توقيت بالغ الأهمية

بدوره رأى المتخصص في شؤون القرن الأفريقي عبدالرحمن أبو هاشم، أن تقرير "وول ستريت جورنال" لا يقدم معلومات تؤكد حدوث تحولات جوهرية، "بقدر ما يعكس اتجاهاً قائماً داخل دوائر صنع القرار الأميركي، بغرض إعادة تقييم سياسة الولايات المتحدة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، والتي تخضع لمراجعات دورية، وتتسارع عادة في أوقات التوترات الإقليمية والدولية "، ولفت أبو هاشم إلى أن أهمية التقرير تكمن في توقيته أكثر من مضمونه، "إذ يتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، إضافة إلى تزامنه مع التهديدات التي تطلقها مجموعة الحوثي للملاحة في مضيق باب المندب، ما يضاعف من اهتمام القوى الدولية بالبحر الأحمر كممر استراتيجي للتجارة والطاقة العالمية".

وفي هذا السياق، تبرز إريتريا كفاعل جيوسياسي مهم، نظراً إلى موقعها وساحلها الطويل وجزرها المنتشرة، مما يجعلها ذات قيمة في أي ترتيبات أمنية بحرية.

أضاف أبو هاشم "من حيث الصدقية، صحيفة 'وول ستريت' تعد ذات صدقية عالية نسبياً، لكنها تعتمد أحياناً على تسريبات أو مصادر غير معلنة، ما يستوجب قراءة التقرير كمؤشر إلى وجود توجهات محتملة، لا كسياسة أميركية نهائية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إعادة تموضع أميركي

وأوضح المتخصص في شؤون القرن الأفريقي أنه في حال رفعت العقوبات الأميركية عن النظام الإريتري، "فإن ذلك قد يعني وجهاً من أوجه إعادة التموضع الأميركي الذي يتم بصورة براغماتية في المنطقة، ولا ينبغي النظر إليه كمكافأة سياسية للنظام الإريتري"، واعتبر أن واشنطن تسعى إلى احتواء الفراغ الجيوسياسي في البحر الأحمر، ومحاولة موازنة النفوذ المتزايد لقوى مثل الصين وروسيا، بغرض تأمين خطوط الملاحة الدولية، أما بالنسبة إلى الطرف الإريتري، "فإن رفع العقوبات قد يسهم في تخفيف العزلة الدبلوماسية، ويمنح النظام مساحة أوسع للتحرك اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً". وأشار إلى أن ثمة مخاوف من ألا ينعكس هذا التطبيع الأميركي - الإريتري على المستويات السياسية بخاصة المتعلقة بإحداث انفتاح سياسي، وإصلاحات اقتصادية، وبناء العلاقات بصورة مؤسسية".

ومع ذلك، رأى أبو هاشم أن ثمة إمكان لتصور بعض التدابير التي تبدو أكثر واقعية، من بينها "أولاً، إحداث إصلاحات محدودة أو تدريجية، بخاصة إذا ارتبط التطبيع بحوافز واضحة، مثل رفع العقوبات أو دعم اقتصادي، وثانياً، تغييرات غير مباشرة مرتبطة بمرحلة انتقال سياسي مستقبلي "، ورأى أن ثمة عوامل تحكم هذا الاتجاه سلباً وإيجاباً أهمها "التوازنات الداخلية للنخبة الحاكمة، إضافة إلى البيئة الإقليمية، ومستوى الانتظام الدولي. فعلى المدى القريب، قد يكون التأثير الأبرز لأي تقارب بين أسمرة وواشنطن، يتمثل في تقليل احتمالات اندلاع حرب بين إريتريا وإثيوبيا، إضافة إلى تعزيز موقع أسمرة جيوسياسياً، وكذلك على المستويين الاقتصادي والمالي من خلال توسيع فرص جذب الاستثمارات المرتبطة بالأمن البحري، مع عدم إغفال إمكان مواجهتها ضغوطاً أكبر من أجل الانتظام في ترتيبات إقليمية معقدة، علاوة على فتح نقاشات دولية أوسع حول مستقبل الاستقرار في إريتريا، أما التحول الديمقراطي الشامل، فيبقى مرهوناً بعوامل داخلية بالدرجة الأولى، وليس فقط بالضغوط الخارجية".

رسائل

وقدر أبو هاشم "أن أي تقارب أميركي - إريتري قد يفهم باعتباره رسالة ردع غير مباشرة على أي تحرك عسكري إثيوبي أحادي الطابع، للحصول على منفذ بحري، كما قد يكون مؤشراً لإعادة التوازن في علاقات الولايات المتحدة مع دول المنطقة"، ويرجح أن يقلل هذا التوجه من احتمالات التصعيد العسكري في التوقيت الحالي على أقل تقدير من دون أن يزيل جذور الخلاف، ورأى أن الدور المصري، إن صح، يمكن قراءته باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لمصر تهدف إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بخاصة في ظل التحديات المرتبطة بنهر النيل، "فمصالح القاهرة في هذا السياق تشمل: تأمين الملاحة في البحر الأحمر، وهو شريان حيوي للاقتصاد المصري لارتباطه بإيرادات قناة السويس، ما يتطلب تعزيز التعاون الأمني مع دول ساحلية مثل إريتريا وجيبوتي وغيرها من دول جنوب البحر الأحمر، إضافة إلى سعي القاهرة إلى توسيع شبكة تحالفاتها الإقليمية لدرء التحديات المرتبطة بالتوترات في منطقة القرن الأفريقي ودول حوض النيل، في المقابل، فإن وساطة القاهرة في حال صحتها، ستضاف لسلسلة من الإنجازات التي حققتها خلال الفترة الماضية في سبيل هندسة الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير