ملخص
تشهد أسواق الأسمدة العالمية اضطرابات حادة بسبب الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، مما أدى إلى قفزات سعرية كبيرة وتهديد سلاسل الإمداد، وتتباين قدرة الدول بين منتجين كبار يسيطرون على السوق ومستوردين يعانون هشاشة غذائية متزايدة، لتبرز مخاوف من استمرار ارتفاع الأسعار وتأثيره في الأمن الغذائي العالمي في حال استمرار التوترات الجيوسياسية.
أزمة الأسمدة تتصاعد عالمياً مع اضطراب الإمدادات وارتفاع الكلفة المرتبطة بالطاقة، إذ تتجه أسواق الأسمدة العالمية إلى مرحلة جديدة من الاضطراب في ظل تصاعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وما تسببه من اختلالات في سلاسل الإمداد، وارتفاع حاد في كلفة الطاقة والشحن، مما دفع المفوضية الأوروبية إلى التحذير من ضغوط متزايدة على الأمن الغذائي وسلاسل الإنتاج الزراعي في القارة.
وقالت المفوضية الأوروبية إنها ستطرح في الـ 19 من مايو (أيار) المقبل خطة عمل خاصة بقطاع الأسمدة، تستهدف تسريع خفض الانبعاثات الكربونية ومعالجة اختلالات السوق وتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر التوريد، في محاولة للحد من الاعتماد على الأسواق الخارجية التي أصبحت أكثر تقلباً.
يأتي هذا التحرك في وقت تشهد الأسواق العالمية ارتفاعات حادة في أسعار الأسمدة، مدفوعة بإغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، إضافة إلى تأثيرات غير مباشرة على أسواق الغاز الطبيعي، وهو المدخل الأساس لإنتاج الأسمدة النيتروجينية.
وتشهد أسواق الأسمدة العالمية موجة ارتفاعات حادة مدفوعة بتوترات الإمدادات وارتفاع كلفة الطاقة، إذ قفزت أسعار اليوريا في الأسواق الأوروبية بنحو 55 في المئة منذ بداية أبريل (نيسان) الجاري مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، بينما ارتفعت أسعار الأسمدة النيتروجينية بصورة عامة إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عامين، ففي آسيا سجلت أسعار الفوسفات والبوتاس زيادات متفاوتة بين 20 و35 في المئة نتيجة اضطراب الشحن وارتفاع كلفة النقل البحري، وتشير بيانات الأسواق إلى تزايد الطلب على العقود الفورية وسط مخاوف من نقص الإمدادات، مما أسهم في تعزيز التقلبات السعرية ورفع حال عدم اليقين في سوق الأسمدة العالمية.
الهند تستورد كمية غير مسبوقة من اليوريا
ووفقاً لتقرير نشرته "رويترز" أمس الأربعاء فقد أفادت مصادر حكومية بأن الهند تستعد لاستيراد كمية غير مسبوقة تبلغ 2.5 مليون طن من اليوريا، في مناقصة واحدة بسعر يقارب مثلي السعر المدفوع قبل شهرين، في ظل تأثر الإمدادات العالمية بالحرب على إيران، وهذه المشتريات غير المسبوقة التي تغطي نحو ربع الواردات السنوية للهند من المتوقع أن تتسبب في شح للمعروض العالمي ورفع الأسعار التي ارتفعت بالفعل بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
وقالت مصادر إن شركة "إنديان بوتاش" المحدودة اتفقت على شراء 1.5 مليون طن من اليوريا بسعر 935 دولاراً للطن للتسليم على الساحل الغربي، ومليون طن بسعر 959 دولاراً للطن للتسليم على الساحل الشرقي.
وأصدرت الهند، أكبر مستورد لليوريا في العالم، مناقصة في وقت سابق من الشهر الجاري للحصول على 2.5 مليون طن من الأسمدة، أو ما يقارب ربع وارداتها السنوية التي بلغت نحو 10 ملايين طن عام 2025، ومن شأن ارتفاع كُلف الاستيراد زيادة كلفة دعم الأسمدة في الهند، إذ تعوض الحكومة شركات الأسمدة عن بيع مغذيات المحاصيل للمزارعين بأسعار أقل من أسعار السوق، وقال مسؤول بقطاع الأسمدة في مومباي إن الهند حصلت على إمداداتها لكن من المتوقع أن يتدافع المشترون الآخرون للحصول على الأسمدة، إذ يتعهد المنتجون بالفعل بشحن الكميات إلى الهند.
تفكيك الأزمة: الطاقة في قلب أزمة الأسمدة
تعود جذور الأزمة الحالية للطبيعة الهيكلية لصناعة الأسمدة والتي تعتمد بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي كمادة أولية رئيسة في إنتاج الأمونيا واليوريا، ومع ارتفاع أسعار الغاز نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية، ارتفعت كلفة الإنتاج عالمياً مما انعكس مباشرة على أسعار الأسمدة، حتى في الدول غير المعتمدة على الإمدادات الواردة من الشرق الأوسط.
وبحسب بيانات شركة "إكسبانا" للاستشارات فقد ارتفع سعر اليوريا في غرب أوروبا 55 في المئة منذ السابع من أبريل الجاري، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، في واحدة من أسرع موجات الارتفاع خلال الأعوام الأخيرة، وعلى رغم أن الاتحاد الأوروبي لا يعتمد بصورة مباشرة على واردات الأسمدة من الشرق الأوسط لكن الضغوط على الإمدادات العالمية دفعت جميع الأسواق إلى البحث عن بدائل محدودة، مما عمّق أزمة الأسعار.
لا تقتصر آثار الأزمة على أوروبا بل تمتد إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تعتمد دول عدة على استيراد جزء كبير من حاجاتها من الأسمدة، في ظل محدودية الإنتاج المحلي أو توجيه جزء من الإنتاج للتصدير، وفي مصر يواجه القطاع الزراعي ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة الاستيراد وتذبذب الأسعار العالمية، مما ينعكس على كلفة الإنتاج الغذائي المحلي وخصوصاً في المحاصيل الإستراتيجية، أما في دول الخليج، وعلى رغم امتلاكها قدرات إنتاجية كبيرة في قطاع البتروكيماويات والأسمدة، فإنها ليست بمنأى عن تأثيرات ارتفاع أسعار الغاز والشحن، إضافة إلى ارتباط جزء من الإنتاج بالأسواق التصديرية، مما يجعلها عرضة لتقلبات الطلب العالمي.
أرقام تعكس حجم الأزمة
تشير التقديرات إلى أن ما بين 30 و 35 في المئة من تجارة الأسمدة العالمية يمر عبره مضيق هرمز، فيما يعتمد جزء كبير من الإنتاج العالمي على الغاز الطبيعي الذي شهد ارتفاعات ملاحظة منذ اندلاع الحرب، وكذلك فإن معظم المزارعين في الاتحاد الأوروبي تمكنوا من تأمين حاجاتهم لموسم 2026 قبل اندلاع الأزمة، مما يعني أن التأثير الكامل لارتفاع الأسعار لم يظهر بعد في الأسواق النهائية أو أسعار الغذاء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتفاوت خريطة إنتاج واستهلاك الأسمدة عالمياً بصورة كبيرة بين الدول الغنية بالموارد وتلك التي تعاني عجزاً هيكلياً في الإمدادات، وتُعد الصين والهند والولايات المتحدة وروسيا من أكبر المنتجين عالمياً للأسمدة بفضل امتلاكها موارد ضخمة من الغاز الطبيعي والفوسفات والبوتاس، إضافة إلى قدرات صناعية متقدمة تسمح بإنتاج كميات كبيرة تلبي الطلب المحلي وتدعم التصدير، وتبرز كندا والمغرب ضمن كبار المصدّرين، إذ تمتلك كندا أكبر احتياط عالمي من البوتاس، بينما يسيطر المغرب على نحو 70 في المئة من احتياط الفوسفات العالمي، مما يمنحهما قوة إستراتيجية في السوق العالمية.
وفي المقابل تعتمد دول عدة في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وعدد من دول الشرق الأوسط غير المنتجة للغاز، على الاستيراد شبه الكامل للأسمدة، مما يجعلها الأكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، وفي دول مثل إثيوبيا والصومال واليمن وأفغانستان، تُصنف ضمن الأكثر فقراً في الوصول إلى الأسمدة، وهو ما ينعكس مباشرة على إنتاجها الزراعي والأمن الغذائي فيها، وكذلك تواجه بعض الدول المستوردة في أميركا اللاتينية وآسيا ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع الأسعار وكلف النقل، مما يوسع الفجوة بين الدول المنتجة القادرة على التحكم في السوق، والدول الفقيرة التي تعاني هشاشة زراعية متزايدة مع غياب الأمن الغذائي المستدام.
سيناريوهات مستقبلية أولها تهدئة سريعة
يرى محللون أن مستقبل سوق الأسمدة يعتمد بصورة أساس على مسار الحرب في الشرق الأوسط وسرعة استعادة استقرار الممرات البحرية الحيوية، وفي حال التوصل إلى تهدئة فقد تشهد الأسعار استقراراً نسبياً مع بقاء مستوياتها أعلى من المتوسطات التاريخية نتيجة استمرار اختناقات الإنتاج.
السيناريو الثاني استمرار التوتر
وفي حال استمرار الاضطرابات فمن المتوقع أن تبقى أسعار الغاز والأسمدة عند مستويات مرتفعة، مما يضغط على كلفة الإنتاج الزراعي عالمياً.
السيناريو الثالث: تصعيد أوسع
أما في حال توسع الأزمة فقد تدخل أسواق الغذاء العالمية مرحلة أكثر اضطراباً مع احتمالات ارتفاع أسعار الغذاء وتزايد الضغوط على الدول المستوردة، وفي النهاية تشير التطورات الحالية إلى أن سوق الأسمدة لم تعد مجرد قطاع صناعي تقليدي بل أصبحت جزءاً محورياً من معادلة الأمن الغذائي العالمي التي تتداخل فيها اعتبارات الطاقة والجغرافيا السياسية وسلاسل الإمداد، في مشهد يعكس هشاشة النظام التجاري العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية المتسارعة.