ملخص
انطلاقة طالب الثانوي مازن مراد العلمية كانت من خلال المسابقة التي يقيمها سنوياً مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) للمبدعين والموهوبين في أرجاء المملكة، التي تقود إلى جيل مدرك لأهمية الصناعات الإبداعية ومتطلبات سوق العمل المحلية، مما يعكس الاهتمام المؤسسي بدعم المبادرات التعليمية الريادية التي تواكب رؤية السعودية 2030.
في داخل الجسد تعمل خلايا صامتة كأنها ذاكرة أولى للحياة، إذ تتجدد وترمم وتمنح الأنسجة فرصة أخرى للبناء كلما أصابها الوهن، إلا أن هذه الذاكرة البيولوجية ليست أبدية، فهي أيضاً تشيخ وتفقد مع الزمن بعضاً من قدرتها على الانقسام والإصلاح.
وانطلاقاً من هذه الجزئية العلمية الدقيقة بدأ الطالب السعودي مازن مراد، الذي عدته بلاده من الموهوبين، سؤاله: هل يمكن أن نستعيد للخلية الجذعية قدرتها على الانقسام حين تبلغ الشيخوخة؟ وكيف لنا أن نطيل عمرها الوظيفي قبل أن تنطفئ طاقتها؟
هذا السؤال لم يبق تأملاً نظرياً، بل تحول لدى طالب المرحلة الثانوية إلى مشروع بحثي قدمه في الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي "إبداع 2026"، ونال جوائز محلية وعالمية عن هذا الطرح العلمي لأفضل طلاب العالم الموهوبين في العلوم والرياضيات.
اكتشاف الموهوبين
ومسابقة "ستيم السعودية" التي يقيمها سنوياً مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، تقود إلى جيل مدرك أهمية الصناعات الإبداعية، ومتطلبات سوق العمل المحلية، مما يعكس الاهتمام المؤسسي بدعم المبادرات التعليمية الريادية التي تواكب رؤية السعودية 2030.
وتحظى المسابقة بمشاركة لجان دولية متخصصة في التحكيم وتقييم المشاريع العلمية المبتكرة وفق معايير عالمية، مما أضفى على التجربة بعداً احترافياً، ورسخ لدى الطلبة أهمية التميز وفق مقاييس تنافسية دولية، كما تسهم التجربة في تنمية مهارات التفكير النقدي والعمل الجماعي وإدارة الوقت، واتخاذ القرار وتقبل المنافسة في الربح والخسارة.
التقت "اندبندنت عربية" مازن مراد للتعرف عن تفاصيل مشروعه العلمي، وقال إنه "يختبر إمكان معالجة الخلايا الجذعية ببروتين معين حتى تستعيد الخلية قدرتها على الانقسام مرة أخرى بعد وصولها إلى الشيخوخة"، مصيفاً أن الانقسام هو "قدرة أساسية لأي استخدام علاجي لاحق، خصوصاً في المسارات التي يعول فيها على الخلايا الجذعية لعلاج الأمراض المزمنة".
وتصف مؤسسة "موهبة" السعودية والمتخصصة في اكتشاف الموهوبين والإبداع في المملكة مشروع مازن مراد بوصفه مساراً بحثياً فريداً "يتحرك بين الخلايا الجذعية ومرض السكر"، فيما يقول مراد إن نتائجه الأولية بدت واعدة، وإنه لا يزال مستمراً في التجارب والاختبارات.
مشروع بحثي
وتنبع أهمية سؤال الطالب السعودي من حقيقة علمية باتت أكثر وضوحاً في الأدبيات الحديثة، فشيخوخة الخلايا الجذعية تعني تراجع قدرتها على صيانة الأنسجة وإصلاحها، وعلى رغم أن أبحاث علمية كثيرة اهتمت بتأثير الخلايا الجذعية في العلاج، إلا أنه نادراً ما تعرض الباحثون لشيخوخة الخلايا وكيفية إعادة الحيوية لها.
وفي مشروع بحثي حديث نشره موقع (Cell Stem Cell) الخاص بالنوابغ العلمية من طلاب العالم، أوضح الباحثون أن التقدم في العمر يربك الوظائف الأساسية للخلايا الجذعية الجسدية في أنحاء الجسم، ويقود إلى ضعف متزايد في تجدد الأنسجة، وهو ما يجعل إبطاء هذا التراجع أو عكسه واحداً من المسارات الكبرى في طب التجدد.
وفي أحدث النتائج العلمية الموثقة حول هذا المسار، أظهرت دراسة في (Nature Aging) أن استهداف مسار ميكانيكي - نووي مرتبط ببروتين (RhoA)، الذي أسهم في تحسين القدرة التجديدية للخلايا الجذعية الدموية الهرمة في نماذج حيوانية، كما بينت دراسة أخرى في (Nature Communications) أن التحفيز الميكانيكي المعتدل أعاد تنشيط (FOXO1)، ورفع إتاحة الكروماتين، وعكس مؤشرات الشيخوخة الخلوية في الخلايا الجذعية المشتقة من نخاع العظم وفي فئران مسنة.
ومع ذلك، تبقى هذه النتائج في الإطار التجريبي قبل السريري، لا في صورة علاج جاهز للبشر، وهو ما تنسجم معه إرشادات الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية التي تؤكد ضرورة الصرامة العلمية والرقابة والشفافية، وأن تكون أي علاجات جديدة قائمة على الدليل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتمتلك الخلايا الجذعية قدرة استثنائية على تجديد نفسها، كما تستطيع بحسب نوعها أن تتحول إلى أنواع أخرى من خلايا الجسم، كما توضح المعاهد الوطنية الأميركية للصحة أن هناك خلايا جذعية متعددة القدرات يمكنها التمايز إلى جميع خلايا الجسم البالغة، في مقابل خلايا جذعية بالغة توجد داخل الأنسجة والأعضاء، وتنتج الأنواع المتخصصة الخاصة بذلك النسيج، وهذه الميزة هي ما يجعل الخلايا الجذعية حجر أساس في الطب التجديدي، وفي الوقت نفسه يجعل فقدانها القدرة على الانقسام مع التقدم في العمر مشكلة مركزية في أي تطبيق علاجي.
في هذا السياق العلمي، دخل مازن مراد منافسات "إبداع 2026"، ووفق النتائج المنشورة فاز بالمركز الأول على مستوى السعودية في مسار صحة الإنسان ضمن الجوائز الكبرى، كما سجلت النسخة نفسها مشاركة أكثر من 357 ألف طالب وطالبة، وأكثر من 34 ألف مشروع علمي، في مؤشر على اتساع قاعدة البحث العلمي الطلابي في السعودية.
وبحسب ما ذكر مازن مراد في لقائه، لم يصل مشروعه إلى هذه المرحلة بسهولة، إذ مر عبر أربع مراحل تحكيم حتى بلغ المرحلة الخامسة والنهائية، ونال كذلك جائزة خاصة مقدمة من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، قبل أن يقع عليه الاختيار لاحقاً للمشاركة في معرض "آيسف" الدولي للعلوم والهندسة في الولايات المتحدة، وفي وصفه لجوهر البحث، يقول "اخترت أن يكون بحثي عن الخلايا الجذعية، وكيف نستعيد قدرتها على الانقسام بعد وصولها إلى الشيخوخة عبر معالجتها ببروتين معين، وما زلت مستمراً في البحث والتجارب".
280 طالباً وطالبة
وقبل أن يدخل المختبر من باب البحث الفردي، مر مراد من بوابة العمل الجماعي والقيادة، ففي برنامج (STEM Racing KSA) الذي يقدمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء" شارك في دورته الرابعة لعام 2025 ضمن فريق "قدام" من الرياض.
وتوضح بيانات "إثراء" أن البرنامج استهدف في تلك الدورة 280 طالباً وطالبة من ست مدن، فيما أظهرت نتائج المنافسة الوطنية أن فريق مراد "قدام" حل ثانياً على مستوى السعودية، كما سجلت النهائيات العالمية في سنغافورة حضوراً سعودياً لافتاً داخل المراكز الـ10 الأولى عالمياً.
وحول تجربة مراد هناك بوصفه قائداً للفريق ومديراً للمشاريع، أوضح أنه كان مسؤولاً عن الاجتماعات مع الفريق والمدربين والرعاة، وإدارة الأعضاء والوقت والأخطار والموارد والموازنة، إضافة إلى القرارات المحورية، ويرى أن هذه التجربة أكسبته "طلاقة في التحدث باللغتين الإنجليزية والعربية بطريقة مهنية"، ورسخت لديه مهارة تنظيم الوقت، وعلمته أن "لكل مجتهد نصيب"، كما زادت ثقته بنفسه ووسعت خبرته الاجتماعية والمهنية.
نجاح مراد ونبوغه في البحث العلمي والقيادة حفزه على مواصلة العمل مع الموهوبين، إذ عاد لاحقاً ليتطوع مدرباً لفرق الرياض في النسخة الجديدة من البرنامج، في مجال إدارة المشاريع، بوصفها طريقة لرد الجميل ونقل الخبرة إلى طلاب آخرين.
ولعل ما يلفت في تجربة مازن مراد أن الانتقال من مضمار سباق STEM إلى سؤال الشيخوخة الخلوية لم يكن قفزاً بين عالمين متباعدين، بل انتقالاً من هندسة السرعة إلى هندسة الحياة نفسها، وهناك تعلم كيف يقود فريقاً، وهنا يحاول أن يقود فرضية علمية، وبين التجربتين، يظل سؤاله حاضراً ببساطته وعمقه معاً: كيف يمكن أن نمنح الخلية الجذعية عمراً أطول وفرصة أخرى لتبدأ من جديد؟