ملخص
يعود الكاتب السوري الكردي نزار آغري في روايته "مقهى جرجيس وعمر السرياني"، الصادرة عن دار كتب خان، إلى مدينة عامودا، حيث لا يكون المكان مجرد خلفية للأحداث، بل البنية التي يقوم عليها العالم الروائي بأسره. تبدو المدينة هنا وعاءً تتجمع فيه أرواح متعددة، وتفيض منه حكايات متشعبة بلا نهايات حاسمة. فالأحداث لا تسير في خط مستقيم، بل تتشظى على نحو يشبه ما عرفته المدينة نفسها من حروب وهجرات ونزوح، حتى يغدو السرد انعكاساً لفوضى الواقع لا ترتيباً له.
يقدم نزار آغري مقهى جرجيس بوصفه مركز الثقل في الرواية، فيه تتقاطع الحكايات وتتشكل العلاقات. وهو مكان بناه جرجيس بيديه، كما يرد في النص: "اشترى الأرض، سوى التراب والحجارة، ومد السقف... صنع الأبواب والنوافذ والطاولات والكراسي". لا يحمل فعل البناء بعداً واقعياً فحسب، بل ينطوي على دلالة رمزية، فجرجيس، الناجي من مجازر طور عابدين، يعيد بناء عالمه من الصفر، ويخلق فضاءً يلتقي فيه المختلفون دون أن تفرض هوياتهم صراعات العالم الخارجي.
فضاء مشترك
ينسج الكاتب عالماً روائياً يكشف هشاشة الهوية حين تصبح مهددة بالاختفاء، وتتجلى جمالية التلقي في توظيف المقهى بوصفه ميزاناً اجتماعياً، لكل زبون مقعده المحدد وقهوته المعروفة. أما عمر السرياني، الذي يمسك بزمام السرد منذ البداية متداخلاً بين صوته وصوت راوٍ عليم يسرد كل ما حدث، فإنه يراوغ في التلاعب بالزمن عبر التقديم والتأخير، ويشارك المكان بطولة الرواية، منذ اللحظة التي جاء فيها للعمل في المقهى كنادل، يأتي به الحاج خليل، والده بالتبني ويطلب من جرجيس أن يعمل لديه. يتشكل وعيه داخل هذا الفضاء، ليغدو مثالاً لعلاقة الإنسان بمحيطه حين يتحول المكان إلى ملجأ ضروري لمواصلة الحياة
في جلسات المقهى يتجادل الكردي والسرياني، يحلم اثنان بمعمل للسجاد، يتألم إيزيدي على ابنه الغريق، ويلقي رجل غريب خريطة مفجعة لا تحمل أسماء قراهم، هذا الغياب عن الخريطة هو جوهر مأساة الرواية كلها.
وعمر نفسه، هو الطفل السرياني الذي بدأ حياته بالركض لا بالحبو، بالحرق لا بالحليب، بالصمت لا بالبكاء، يقول: "لا أتذكر وجه أبي الحقيقي، ولا رائحة الخبز في بيتنا القديم، لكن شيئاً في قلبي ظل يهمس لي: أنت من هناك، من قرية أحرقت، من تاريخ محي بالدم من ذاكرة لا يملكها أحد سواك. من أنا؟ هل أنا الطفل السرياني الذي نجا من المجزرة؟ أم أنا الفتى الذي ربته عائلة مسلمة كواحد منها؟".
الأقنعة والجروح الداخلية
تقوم شخصية عمر على تناقض حاد بين الاسم والجوهر. فهو مؤذن في جامع إسلامي، لكنه في داخله سرياني، ويحمل هوية أجبر على إخفاء أحد وجهيها. لا يبدو هذا الانقسام مجرد صراع نفسي، بل حال وجودية تفرضها ظروف القمع في الأقليات، حيث يصبح إخفاء الهوية شرطاً للبقاء.
حين يدرك عمر هويته السريانية الحقيقية عبر ما تكشفه له أمه بالتبني، يصبح سؤاله الليلي: "من أنا؟ هل أنا الطفل السرياني الذي نجا من المجزرة؟"، يجسد هذا السؤال النواة التي تنمو حولها الرواية كلها. ثم في موضع آخر يقول له إمام الجامع: "لقد قررت أن تكون أنت المؤذن في هذا الجامع يا عمر. لن تكون مؤذناً للصلاة وحسب، ستكون صوت الأمل وبريق النور. أنت لم تعد صغيراً، حرام أن يضيع صوتك سدى، بين رائحة القهوة المرة والدخان المتصاعد من الأكواب". انطلاقاً من هذه اللحظة ستختلف حياة عمر، حين يتحول رويداً رويداً إلى الشيخ عمر.
ما يمنح الشخصية عمقها أن الكاتب لا يحولها إلى رمز مجرد، فعمر يعيش، يحب، يرغب، يخطئ، ويرتكب فعلاً عنيفاً يقوده إلى الهرب من عامودا، متنقلاً بين بيروت ومالطا ثم السويد. هذا العنف لا يقدم بوصفه بطولة، ولا يدان صراحة، بل يترك كأثر إنساني لشخص دفعت حياته إلى حافة الموت، بالتوازي مع سؤال أخلاقي، يظل مفتوحاً أمام القارئ.
يمثل مجيدو وشابو، ثنائية الكردي والسرياني، يشكلان معاً الخط الفلسفي للرواية، يلعبان النرد ويتجادلان في التاريخ والدين والخيانة والمظلومية المشتركة، وهذا الجدال لا يصل إلى خلاصة أيديولوجية، بل يصل إلى الدمع المشترك والاعتراف المتبادل بالجرح. الجملة الأكثر تأثيراً حين يقول مجيدو: "إن نسي الزمان، لن ننسى نحن. أنا كردي، وأنت سرياني، لكننا حفاة على نفس الأرض".
أما سارة وسلمى، فهما شخصيتان، تحضران في الرواية بشكل طيفي، بين الواقع والأسطورة، تتجولان في عامودا كشاهدتين صامتتين على ما يجري. تحمل هاتان الشخصيتان وظيفة السرد الأسطوري: هما اللتان تحفظان ذاكرة المكان حين يتنكر الناس لأنفسهم، وتختفيان في النهاية إلى أعماق نهر الخنزير، تتحولان إلى سمكتين، صورة بالغة الرقة للذاكرة التي لا تموت، بل تهاجر إلى عالم آخر.
بالتوازي معهما، يرمز عيسو المعتوه، الذي أخذت أرضه فأصابه الجنون، إلى الذاكرة الجمعية التي فقدت عقلها وبقي قلبها صاحياً، هو صوت الحقيقة التي لا تقال، وهذا النموذج من الشخصيات يظهر في كثير من الروايات الكلاسيكية، نزار آغري يوظف هذا الإرث ويحدثه، عيسو حين يعلن قدوم الفرنسيين، بجملة "الملائكة أخبروه"، لا يضحك عليه أحد، بل يصمت الجميع لأن الجنون هنا، يشبه معرفة خبيئة.
لعبة الزمن
تنتهج الرواية بنية سردية تتشابك فيها مستويات زمنية متعددة، عمر الذي يروي ما حدث في الماضي، من حكايات المقهى عن الكرد والسريان والعرب والفرنسيين والأتراك وقصص الجدات عن نهر الخنزير المسكون بأرواح ضائعة من عوالم مختلفة، يعيش الآن في ستوكهولم، ويتحدث عن الأحداث التاريخية الكبرى التي مرت على عامودا. هذا التنقل لا يشتت بل يجمع الأحداث ويؤلف بينها، لأن آغري يجعل الزمن نفسه بطلاً موازياً: الحاضر لا يفهم إلا من خلال ماضٍ لم ينتهِ في داخل بطله، والماضي لا يروى إلا من خلال ذاكرة تتآكل.
العقدة الجوهرية في الرواية ليست حدثاً واحداً، بل هي عقد متشابكة، عقدة الهوية المخفية لعمر، وعقدة العلاقة بين الأقليات في وجه القمع المشترك، وعقدة الحب المستحيل بين عمر وليلى، وعقدة الانهيار السياسي عند دخول الفرنسيين إلى عامودا، ثم رحيلهم. ما يوحد هذه العقد جميعاً هو سؤال واحد: هل يمكن للذاكرة أن تصنع هوية صالحة للحياة أم أنها تمحو هوية صاحبها الأصلية؟
ثمة ملاحظة بنيوية جديرة بالتأمل، الرواية تنتهي بحرق المقهى، الجماعة الدينية المتعصبة تحرق الفضاء الذي صنع الحوار والذاكرة المشتركة. ليس الحرق هنا مجرد حدث درامي، بل هو تشخيص للآلية التي تعمل بها قوى الكراهية، تبدأ بمحو أماكن التلاقي الواقعية والمجازية، ثم تزهق أرواح الأشخاص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تكشف الرواية كيف أن الذاكرة ثقيلة كحجارة الجبال، لكنها الشيء الوحيد الذي يبقى. عمر يهرب من عامودا في النهاية، لكنه يأخذها معه، وهذه المفارقة هي الفكرة الأكثر أصالة في الرواية. لنقرأ ما يقوله عمر: "عامودا التي في قلبي ماتت حين قتلت السريان والأرمن وأشعلت الحرائق، حين رضخت للشروانيين وأتباعهم من الكارهين الممتلئين بغضا. حين كنت هناك، كنت كالسهم، أمضي في كل اتجاه، شقياً، هازئاً، حالماً، أطارد الزمن. حين أتيت هنا وصرت حراً، لم أعد أعرف ماذا أفعل بنفسي. وماذا أريد، ما فعلته هنا، ليس أكثر من أن أهيم على وجهي بلا هدف".
كورال مظلومين
ربما كانت أبرز مزايا الرواية أنها تقدم عالماً متكاملاً، ولا تقدم بطولة فردية مفردة. لا بطل واحد يحمل الرسالة، بل ثمة كورال من الأصوات: الشيخ لطيف الكردي، أيوب الإيزيدي، إضافة إلى أن النقاش بين مجيدو وشابو حول التاريخ والطائفية لا يفضي إلى خطاب تعليمي، بل ينتهي بالسرياني والكردي إلى حوار مفتوح بينهما، دون حذر.
يكتب آغري بلغة تجمع بين الحسية المباشرة والطابع الشعري، حين يصف نهر الخنزير بأنه كيان حي ذو مزاج ومصير: "في كل قطرة من مياهه، بقايا أحاديث الأجداد، وذكريات الطفولة، وخبز التائهين المغموس بدم النهر". وحين يتحدث عن المجازر لا يستعين بصور الدم الصريح فحسب، بل بغياب الأسماء التي لا تكتب على الشواهد، واختفاء القرى من الخريطة، وتبدد اللغة التي تنتهي كل يوم.
الحوارات في الرواية كاشفة، طويلة أحياناً وقصيرة في أحيان أخرى، لكنها تنبع من شخصياتها.
تكشف الرواية عن أن الذاكرة الجماعية للمظلومين ليست رفاهية أدبية، بل هي فعل مقاومة. تقول إن المقهى الصغير في مدينة منسية يحمل من الإنسانية ما لا تحمله قاعات السياسة. وتقول، إن الجلاد والضحية يتشاركان نفس السماء والنهر والتراب، وأن هذه المشاركة القسرية ليست مصدر سلام، بل مصدر السؤال الأصعب: كيف نحيا إلى جانب من خانونا وما زالوا يخوننا؟
يترك نزار آغري هذا السؤال معلقاً، داخل روح بطله عمر الذي يواجه حيرته وعجزه بعد تقدمه في السن، ربما لأن أسئلة كهذه لا إجابات يقينية لها، بل مجرد حكايات تجعل الذاكرة المثقلة بأحداثها أكثر احتمالاً.