ملخص
أعلن ستارمر موافقة 12 دولة على المشاركة بقوة متعددة الجنسيات، وبعض الدول بدأت بالفعل بنشر موارد في المنطقة.
بغياب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، احتضنت باريس مؤتمراً دولياً برئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبمشاركة نحو 30 من قادة الدول، في إطار مبادرة تهدف إلى تعزيز أمن الملاحة في مضيق هرمز، وترتكز هذه المبادرة على ضمان استمرارية حركة الشحن التجاري ودعم عمليات إزالة الألغام وتأمين الممرات البحرية الحيوية، في واحد من أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم.
وقال الرئيس الفرنسي إن "المهمة الأمنية العسكرية المقترحة من هذه الدول أكثر شرعية، لأنها تمنحها قدرة على الاستمرار على المدى الطويل".
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، عقب الاجتماع، أن أكثر من 12 دولة أبدت استعدادها للمساهمة في مهمة متعددة الجنسيات ذات طابع دفاعي، بقيادة باريس ولندن، بهدف تأمين مضيق هرمز، على أن يجري نشرها "بمجرد تهيؤ الظروف الأمنية"، على حد تعبيره، كذلك أوضح ستارمر أنه من المرتقب استكمال التخطيط العسكري خلال اجتماع سيُعقد في لندن الأسبوع المقبل، حيث سيجري الإعلان عن مزيد من التفاصيل المتعلقة بهيكلة هذه المهمة وآليات عملها.
وفي هذا التحرك، تحمل الدول الأوروبية رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة مفادها بأنها مستعدة للاضطلاع بدور في استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن من دون الانخراط في التصعيد العسكري المباشر، من جانبها، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني استعداد بلادها التام للمشاركة في هذه المهمة، مشترطة أن ذلك لن يحصل إلا في حال وقف الأعمال العدائية.
وفي تعليق على الحضور الأوروبي في ظل غياب الولايات المتحدة، أفاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن مشاركة الولايات المتحدة في أي مهمة دولية محتملة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز تعد أمراً مرغوباً فيه، مؤكداً في الوقت ذاته أن ألمانيا ستشارك في مناقشات التخطيط العسكري، مع ترحيبها بانضمام واشنطن إلى هذه الجهود.
كذلك رجح ميرتس أن تشمل المشاركة الألمانية، بعد انتهاء الأعمال العدائية، احتمال تدخل من قبل الجيش الألماني، مشدداً على أن ذلك يتطلب وجود أساس قانوني متين، مثل صدور قرار من مجلس الأمن الدولي، وتابع أن مساهمة ألمانيا قد تشمل أيضاً عمليات إزالة الألغام، إضافة إلى مهام الاستطلاع البحري.
ويعد مضيق هرمز أحد أبرز الشرايين الحيوية في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره يومياً ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب 20 في المئة من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، أيضاً تعبره سنوياً أكثر من 5 إلى 6 آلاف سفينة تجارية، مما يجعله نقطة ارتكاز أساسية في منظومة التجارة والطاقة الدولية. وبالنظر إلى هذا الوزن الاستراتيجي الكبير يظل المضيق أحد أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي، إذ يمكن لأي اضطراب فيه أن ينعكس سريعاً على الأسواق العالمية، مع احتمال ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة قد تصل إلى 40 في المئة، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الدولي بإدارته وضمان استقراره.
وفي هذا السياق، يطرح المؤتمر الذي عقد في باريس، تساؤلات أساسية حول دلالاته السياسية والاستراتيجية، وحول مدى قدرة فرنسا وبريطانيا على المساهمة في معالجة "عقدة مضيق هرمز" وضمان أمن الملاحة فيه، في ظل تعقيدات إقليمية ودولية متزايدة.
مبادرة دولية لتكريس احترام القانون الدولي
في هذا الخصوص، يقول أستاذ القانون الدولي مجيد بودن إن المؤتمر الذي عقد في باريس بمبادرة فرنسية وبدعم بريطاني كان هدفه التذكير والإعلان الرسمي والالتزام بأن حرية الملاحة في مضيق هرمز هي حق للجميع وحق لكل الشعوب.
ويضيف بودن أن هذه المبادرة تذكّر أيضاً بضرورة تطبيق القانون الدولي، مع التأكيد أن تطبيقه هو الأساس في العلاقات الدولية، كذلك أفاد بأن الأطراف والدول المشاركة تسعى إلى تأكيد ضرورة احترام حق الشعوب في حرية التنقل، وهو حق قائم على أساس القانون الدولي، وتدافع عنه وتطالب به جميع الدول.
مع التذكير بأن هذا الحق يشمل أيضاً حرية التمتع بالطاقة، واستيرادها وتصديرها واستخدامها، سواء كانت من النفط أو الغاز أو غيرهما، ويوضح أستاذ القانون الدولي في هذا السياق أن هذه المبادئ التي جرى التذكير بها لم يُتفق عليها، لأنها في الأصل تعد من أسس القانون الدولي، ولا توجد ضرورة لإعادة الاتفاق عليها، إذ إنها من ركائزه الأساسية، وكان هذا مجرد تذكير، لكنه يحمل دلالة مهمة، تتمثل في أن القانون الدولي يتعرض لهجمات، ومن خلال هذا التذكير يجري تأكيد أن القانون الدولي هو الذي يحكم العلاقات الدولية، ولا يمكن تغييره أو استبداله باستخدام القوة.
وهذه هي أبرز الأسس التي قام عليها هذا المؤتمر الذي بادرت به فرنسا وشاركت فيه، وساندته بريطانيا، كذلك حظي بدعم كبير من الاتحاد الأوروبي وعديد من الدول العربية، مما يدل على وجود إجماع على أهمية التذكير بهذه المبادئ.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يقول بودن إن هذه المبادرة ستتحول قريباً إلى ندوة جديدة ستُعقد في بريطانيا، بمشاركة وتنظيم من الجانب الفرنسي، وعلى رأسه الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى جانب قادة بعض الدول المشاركة.
ويضيف أنه ستكون هناك خطوات عملية لتفعيل هذه المبادرة، إذ إنه في حال التوصل إلى وقف ثابت لإطلاق النار، ستعمل هذه الدول على وضع خطة مماثلة لتلك التي اعتمدت مع الاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر، بهدف تنظيم وتأمين حرية الملاحة، وستُعتمد خطة موازية في مضيق هرمز لضمان هذه الحرية، من خلال اتخاذ إجراءات عملية، من بينها حماية السفن وتوفير الضمانات اللازمة التي يُنتظر أن تقدمها إيران، إضافة إلى توظيف الإمكانات المتاحة عبر القنوات الدبلوماسية أساساً، وبمختلف الوسائل الممكنة، لضمان هذه الحرية العالمية التي تُعد من حقوق الإنسان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في ما يتعلق بمسألة حضور إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة في هذا المؤتمر من عدمه، فهي باعتقادي مسألة ظرفية وموقتة، نظراً إلى وجود مفاوضات جارية بين مختلف الأطراف، إضافة إلى أن الوضع يتسم بحال ومسار تفاوضي يُرتقب استئنافه قريباً، ويعوّل الجميع على أن تفضي هذه المفاوضات، ولو بصورة مرحلية، إلى اتفاق يسهم في استمرار وقف إطلاق النار.
ويختم أستاذ القانون الدولي مجيد بودن بالقول إن الحلول الهيكلية لضمان سلامة هذه المنطقة ستتعزز في المرحلة القادمة، إذ يُرتقب حضور الولايات المتحدة، وسيجري النقاش بكيفية تطبيق القانون الدولي، ويؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها النظر إلى القضايا من زاوية الصفقات فقط، بل يجب أن تندرج حتى هذه الصفقات ضمن إطار القانون الدولي وأن تحترم مبادئه، وهذه مسألة أساسية مطروحة حالياً ضمن المفاوضات الجارية معها.
ويضيف مجيد بودن أنه في ما يتعلق بإيران سيكون هناك تذكير بضرورة التزامها القانون الدولي، وهو التزام مفروض وليس خياراً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى إسرائيل، إذ إن احترام القانون الدولي يجب أن يكون أمراً غير قابل للنقاش، وأي محاولة لعدم تطبيقه تُعد خرقاً له وتترتب عنها عقوبات وتعويضات وغيرها.
ويخلص إلى أن هذه المبادرة تُعد ناجحة لوجود إجماع حولها، ومن المنتظر أن تتحول إلى مبادرة عملية وفعالة، لأن القانون الدولي هو أساس العلاقات الدولية، ويجب أن تتوفر له القوة الكافية لضمان تطبيقه، إذ إن عدم تطبيقه يُعد إخلالاً به.
مهمة دولية "دفاعية"
في الاتجاه ذاته، يشير المحلل السياسي في الشأن الفرنسي نبيل شوفان إلى أن المؤتمر عُقد بالأساس حول مبادرة قُدِّمت على أنها مهمة متعددة الجنسيات "دفاعية بحتة"، تهدف إلى إعادة حرية وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وأوضح قائلاً، "الإليزيه أكد أن هذه المهمة لن تُنشر إلا عندما ’تسمح الظروف الأمنية بذلك‘"، وقد أوضح إيمانويل ماكرون أن هدفها هو مرافقة وتأمين السفن التجارية، وإعادة الرؤية لشركات الشحن والتأمين، وتثبيت إعادة فتح المضيق بعد وقف إطلاق النار، وكان من المقرر عقد اجتماع تخطيطي في لندن في الأسبوع التالي. الأهداف الحقيقية للمبادرة الفرنسية تبدو، في الأقل، أربعة، أولاً، هدف فوري يتمثل في تأمين اقتصادي، فالمضيق هو نقطة اختناق طاقية رئيسة، وقد أدى إغلاقه إلى ارتفاع أسعار الشحن والطاقة والتأمين، مع احتجاز أطقم وسفن، وأشارت وكالة "رويترز" قبل المؤتمر إلى أن باريس ولندن تعملان ليس فقط على الأمن البحري، بل أيضاً على استئناف حركة التجارة، والإفراج عن البحارة والسفن العالقة، وربما اتخاذ إجراءات اقتصادية ضد إيران عند الضرورة، مع رفض أي خصخصة أو فرض رسوم عبور بأي شكل من الأشكال على المضيق الحيوي.
ثانياً، هناك هدف يتعلق بالتموضع الاستراتيجي الأوروبي، إذ تسعى باريس ولندن بوضوح إلى إظهار قدرتهما على لعب دور رئيس في استعادة حرية الملاحة بعد انتهاء النزاع، وفيما تقود المملكة المتحدة المسار الدبلوماسي تركز فرنسا على التخطيط العسكري، وهذا يشير إلى رغبة في إظهار أن أوروبا قادرة على التحرك أمنياً من دون انتظار واشنطن.
ثالثاً، تهدف المبادرة إلى إنشاء قوة طمأنة بدلاً من قوة إكراه، ويؤكد ماكرون مهمة "محايدة"، "مستقلة عن الأطراف المتحاربة"، وقد رفضت لندن علناً دعم الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، بل إن كير ستارمر أكد أن المملكة المتحدة لن "تنجر إلى الحرب"، وأن جهودها تهدف إلى إعادة فتح المضيق بالكامل، لا إلى المشاركة في التصعيد، كل ذلك يعني أن باريس ولندن تسعيان إلى التموقع كـ"منظمين لمرحلة ما بعد الأزمة، لا كمشاركين في الضغط العسكري المباشر على طهران".
كذلك يشير نبيل شوفان أيضاً إلى الهدف الدبلوماسي المتمثل في الحفاظ على قناة تواصل مع إيران، مع البقاء في الوقت نفسه منسجمين مع واشنطن وتل أبيب، في محاولة لبناء إطار استقرار تكون فيه هذه الأطراف قادرة على إدارة مسار تفاوضي حقيقي، مع حضورها في الخلفية.
وعند سؤاله عن قدرة فرنسا والمملكة المتحدة على فكّ "عقدة هرمز"، يرى المحلل السياسي نبيل شوفان أنه على الأرجح لن تكون لديهما القدرة على ذلك بمفردهما، لكن يمكنهما المساهمة في تحسين التخطيط وطمأنة الأسواق وتنسيق عمليات المرافقة وتطوير أنظمة الاستشعار والرادارات ووسائل إزالة الألغام، إضافة إلى نشر السفن استعداداً للتطبيق السريع بعد تثبيت وقف إطلاق النار.
وأقرّ شوفان أيضاً بأن التحضيرات تؤكد فعلاً اعتماد وسائل دفاعية من هذا النوع، إذ أعلن ستارمر موافقة 12 دولة على المشاركة بقوة متعددة الجنسيات، وبعض الدول بدأت بالفعل بنشر موارد في المنطقة، لكن يبقى عدم وضوح التفويض عائقاً أمام مهمة من دون الولايات المتحدة ستكون على الأرجح خارج إطار "الناتو"، لأن واشنطن طرف في النزاع.
ويرجح المحلل السياسي في الشأن الفرنسي نبيل شوفان أن النقطة الحاسمة هي أن إعادة الفتح الفعلية تعتمد على الأطراف القادرة على تعطيل المضيق، إيران أولاً، ثم الولايات المتحدة التي فرضت حصاراً خاصاً بها على الموانئ الإيرانية، لذا فأي مهمة أوروبية يمكن أن تخفف أخطار العودة إلى هذا الوضع، لكنها لا تستطيع إزالتها وحدها، وهي لا تريد المواجهة.
سألنا المحلل السياسي نبيل شوفان عن دلالات تنظيم المؤتمر في ظل غياب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فأرجع ذلك كونها رسالة حياد نسبي، يُقدَّم من خلالها التحالف كقوة دولية غير منخرطة مباشرة في الحرب، تدافع عن حرية الملاحة وعن القانون البحري الدولي، وهو ما يؤكده الإليزيه.
كذلك أضاف أن باريس ولندن تُظهران رغبتهما في صياغة مرحلة ما بعد الأزمة من دون أن تفرض واشنطن وحدها شروط الخروج منها.
وفي ظل وحدة أوروبية وانخراط ألماني فإن سيناريوهات النجاح تبدو ممكنة، لكنها تبقى مشروطة بوقف إطلاق النار، وقبول إيران بوجود قوة محايدة، إضافة إلى تخفيف القيود الأميركية.
وعن احتمالية أن يخفف استبعاد هذه الأطراف التوتر أو أن يعقد الوضع، يوضح نبيل شوفان أن ذلك قد يسهم في تخفيف التوتر، لأنه يسمح ببناء إطار أقل استقطاباً يركز على القانون البحري الدولي.
فرض الاستقرار عبر القانون
ختاماً يخلص التحليل إلى أن مؤتمر باريس يعكس محاولة لإعادة صياغة قواعد الأمن البحري في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، حيث يتقاطع القانون الدولي مع الحسابات الجيوسياسية والطاقة العالمية، وبين غياب القوى الكبرى المباشر ومحاولة بناء إطار حيادي، يبقى مضيق هرمز اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على فرض الاستقرار عبر القانون بدل القوة.
إلى أي حد يمكن لمبادرة باريس أن تعيد رسم توازنات الأمن في مضيق هرمز في غياب القوى الكبرى الثلاث؟