ملخص
عقب ساعات من تمكنه من الوصول إلى مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية، قادماً من شمال دارفور، رحب رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان بانضمام اللواء القبة لقوات الجيش، مؤكداً خلال استقباله القائد المنشق أن الأبواب مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح والانضمام لمسيرة البناء الوطني.
أثار انشقاق اللواء النور أحمد آدم الشهير بـ"النور القُبة" أحد أبرز قادة "الدعم السريع" المؤسسين وقائد معارك الفاشر التي أسقطت المدينة، وإعلان انضمامه إلى الجيش السوداني، التكهنات باستمرار التصدعات الجدية واستنزاف الرؤوس الميدانية بالمسيرات والانشقاقات في صفوف تلك القوات، وفجر الانشقاق أيضاً من الجهة الأخرى جدلاً حول مقتضيات العفو العام والإفلات من العقاب والمحاسبة والعدالة وحقوق ضحايا حرب السودان.
انشقاق ومعارك
تزامن إعلان انشقاق القبة مع معارك شرسة أعلن الجيش خلالها تقدمه في ولاية شمال كردفان واستعادته منطقة كازقيل على الطريق القومي الرابط بين الخرطوم والعاصمة الولائية الأبيض، بجانب عمليات تمشيط واسعة يقوم بها الجيش والقوات المشتركة في شمال كردفان.
وعقب ساعات من تمكنه من الوصول إلى مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية، قادماً من شمال دارفور، رحب رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان بانضمام اللواء القبة لقوات الجيش، مؤكداً خلال استقباله القائد المنشق أن الأبواب مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح والانضمام لمسيرة البناء الوطني.
حملة شرسة
وعلى رغم من عدم إصدار قوات "الدعم السريع" بياناً رسمياً على مستوى القيادة، بشأن انشقاق قائدها المؤسس، فإن المنصات الرقمية التابعة لها تبنت حملة هجوم شرسة وواسعة على القائد المنشق النور قبة ونعتته بالخائن وبائع القضية والانتقال من خانة القيادة إلى خانة العار.
قللت تلك المنصات ومن بينها قناة "تأسيس"، من أهمية انشقاق القبة وانضمامه إلى الجيش وحفلت بالإساءات ووصمته بالخزي والعار وبيع القضية ودماء الشهداء والعودة لتصويب سلاحه نحو أبناء عمومته.
من هو القبة؟
يُعد النور القبة من القيادات التاريخية وأحد المؤسسين لما سُمي لاحقاً قوات "الدعم السريع"، إذ بدأ مسيرته في قوات حرس الحدود تحت قيادة موسى هلال، والتحق رسمياً بقوات "الدعم السريع" برتبة لواء، عقب إجازة قانونها في 2017، وعقب اندلاع الحرب بين الجيش و"الدعم السريع" منتصف أبريل (نيسان) 2023، قاد معارك ميدانية كبرى، أبرزها معارك مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور في 2025.
ينتمي القائد المنشق إلى قبيلة المحاميد، أحد الفروع الرئيسة لقبيلة الرزيقات ذات الأصول العربية في دارفور، ويُعد من المقربين لزعيم المحاميد موسى هلال، القائد السابق لقوات حرس الحدود قبل أن تتحول إلى قوات "الدعم السريع".
الاشتباه والمغادرة
إثر اشتباهه في وجود توجيهات وتحركات تستهدف اعتقاله من قيادة "الدعم السريع"، عقب اتهامه بالتمرد وإحجامه عن خوض المعارك، تحرك القائد المنشق في مطلع الأسبوع الثاني من أبريل (نيسان) الجاري، من بلدته بالقرب من مدينة كتم بشمال دارفور، وتمكن مع مجموعة القوات الموالية له تضم أكثر من 40 عربة مسلحة من الوصول إلى محيط مدينة الطينة ومنها عبر الصحراء نحو الولاية الشمالية بمساعدة قوات تتبع الزعيم القبلي موسى هلال، وفق مصادر ميدانية.
هجوم وانتقادات
وكان القائد المنشق أعلن في رسالة صوتية، قراره بمغادرة صفوف "الدعم السريع"، متجهاً إلى ما سماه "حضن الوطن"، احتجاجاً على تهميشه والتقليل من قدره بواسطة القيادات العليا في تلك القوات، وملمحاً إلى تصاعد حدة الانقسامات داخل عدد من الوحدات الميدانية.
وشن القائد المنشق هجوماً حاداً على قيادات بارزة داخل "الدعم السريع"، سمى منها القائد الثاني عبدالرحيم دقلو واتهمها بعدم فهم الشعارات المرفوعة، وافتقارها لمشروع واضح أو قضية يقاتلون من أجلها، بجانب تعاملها الانتقائي باحتقار بعض المقاتلين من منتسبي بعض المكونات القبلية.
واتهم القبة قوات "الدعم السريع" بشن هجوم واسع بالمركبات والمسيّرات على منطقة مستريحة بشمال دارفور، تسبب في سقوط كثيرين من الضحايا الأبرياء، إضافة إلى نهب ممتلكات المدنيين، مشيراً إلى أن تلك الأحداث شكلت نقطة تحول مهمة وفجرت غضبته الثانية التي دفعت به إلى اتخاذ قرار الانشقاق النهائي.
وكانت قوات "الدعم السريع" هاجمت منطقة مستريحة بشمال دارفور، واستهدفت الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد ومحاولة تصفيته واحتلال أرضه ومنطقته وباديته المعروفة، لتعود إلى الواجهة نسخة جديدة من الخلاف بين هلال وقيادة "الدعم السريع"، المستعر منذ نهاية عام 2005.
قتلة ومجرمين
في المقابل اعتبرت لجان مقاومة الفاشر، قيادات "الدعم السريع" التي سلمت نفسها للجيش، من أمثال النور القبة وآخرين، ليسوا إلا قتلة ومجرمين ولا ينبغي أن يُنظر إليهم كمنشقين أو تائبين، بل كمجرمين تأخر سقوطهم، وأن مكانهم الطبيعي هو المحاكم وزنازين العدالة وليس ساحات الاستقبال ولا مظلات التسويات.
وقالت اللجان في بيان، "إن ما ارتكبه هؤلاء في حق إنسان دارفور والسودان ليس مجرد أخطاء عابرة يمكن طيها بقرار سياسي أو عفو عام، بل هي جرائم (قتل ونهب وترويع) موثقة وانتهاك لكل ما تبقى من كرامة الإنسان حفرت آثارها في ذاكرة الناس، وأن الحق الخاص لا يسقط، ودماء الضحايا لا تُمحى بالمصالحات الهشة".
وذكَّرت المقاومة، بأن ما جرى في الفاشر وشوارع مناطق كتم وكبكابية، سيظل شاهداً حياً لا يُمحى، ينادي بالحساب والقصاص مهما طال الزمن، فالشعوب لا تنسى والتاريخ لا يرحم ولا يمكن الغفران لمن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعد الفريق المعز العتباني أيضاً، استقبال من قتلوا الشعب السوداني وأفقروه بنهب ممتلكاته، واختطفوا القاصرات واغتصبوا الحرائر وباعوهن في أسواق النخاسة على الحدود الغربية، مثل الفاتحين والحفاوة بهم وكأنهم أبرياء، مضيفاً "عيب كبير لا يغتفر".
وأضاف العتباني، "الجيش بقدراته البشرية والمادية قادر على الانتصار على من أهانوا الشعب وهدموا القصر الجمهوري والوزارات ونهبو احتياطي البلاد من الذهب والعملات من بنك السودان والبنوك الأخرى والشركات وأحرقوا البيوت والمحال التجارية وسرقوا حتى كوابل الكهرباء".
تنامي الخلافات
وفي السياق يعتقد المتخصص في النزاعات الأهلية سالم الشريف، أن تجدد وتزايد الانشقاقات في صفوف قوات "الدعم السريع" على مستوى كبار قادتها الميدانيين، قد تشكل بداية لمزيد من التصدعات الكبيرة داخل تلك القوات، لا سيما في ظل تنامي الخلافات الميدانية في الرؤى السياسية والعسكرية وتزايد الاتهامات المتبادلة بين القيادة العليا والقادة الميدانيين بخصوص إدارة العمليات خلال الأشهر الأخيرة.
توقع الشريف، أن يكون لتلك الانشقاقات تأثيراتها المباشرة على مسار العمليات العسكرية، كونها تضعف القيادة والسيطرة وتؤدي إلى تراجع القدرة القتالية والفوضى الميدانية، مشيراً إلى أن قوات "الدعم السريع" بحكم طبيعة تكوينها القائم بدرجة كبيرة على الولاءات القبلية، قد تضع تلك القوات على طريق التفكك الكامل.
إضعاف وإرباك
يردف المتحدث "أي انشقاق في القيادات الميدانية يكشف عن صراعات داخلية قد تتحول الانشقاقات إلى اقتتال داخلي على النفوذ والغنائم، كما أنه ميدانياً يربك سلسلة الأوامر ويضعف القيادة والسيطرة ويتسبب في فوضى ميدانية وتتراجع معها الكفاءة القتالية بازدياد الاعتماد على عناصر أقل تدريباً، قد تؤدي إلى تمرد أو توقف وحدات بكاملها عن القتال".
ووفق الشريف، غالباً ما يوفر المنشقون معلومات استخبارية هامة وحساسة ترتبط بخطط وتسليح ومواقع وإمدادات العدو، مما يعطي الجيش أفضلية تكتيكية، بجانب أن انشقاقات القيادات العليا من شأنها أن تؤثر على الوضع الميداني وتصبح مقدمة للانهيار الكامل مع مخاوف تحولها إلى عدوى تسري وسط المقاتلين، وتزيد من التفكك، بخاصة أن "الدعم السريع" قائم بدرجة كبيرة على التحالفات والولاءات القبلية وأي انشقاق قد يسحب معه مئات أو آلاف المقاتلين.
سياق أوسع
وفي السياق، يعتقد الكاتب عبدالناصر سلم حامد، أن تطورات انشقاق القائد (القبة) لم تكن معزولة عن السياق الأوسع، إذ ارتبطت مباشرة بما سبقها من مؤشرات داخلية، وعلى رأسها اعتقال القائد بمنظومة الاستخبارات عباس كتر بخيت، الذي شكل نقطة تحول في إدراك القيادات لطبيعة المرحلة وخلق حالة من الشك داخل الدوائر المرتبطة به، مما انعكس بدوره على مستوى الثقة داخل التنظيم.
يشير الكاتب، إلى أن الانشقاق لم يكن بداية الأزمة، بل لحظة ظهورها للعلن، فقد جاء نتيجة لتقاطع عدة عوامل ضغط اجتماعي وتوتر داخلي، وتراجع تدريجي في مستوى الثقة داخل التنظيم نفسه.
وأشار حامد إلى أن استهداف منطقة مستريحة ذات الثقل الاجتماعي المرتبط بزعيم قبيلة المحاميد الشيخ موسى هلال لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل لحظة كسرت العلاقة بين القوة وحاضنتها، لأن الحاكورة في دارفور، ليست مجرد أرض، بل تمثل امتداداً للشرعية الاجتماعية، ويمثل استهدافها تحولاً في طبيعة العلاقة بين القوة وبيئتها.
ذاكرة العمليات
بحسب الكاتب، فإن التقديرات تشير إلى أن القائد المنشق خرج بقوة تتراوح بين 21 و50 عربة قتالية، ما يمكن وصفه بـ"وحدة مناورة عالية المرونة"، تعتمد على معرفة دقيقة بخطوط الإمداد غير التقليدية والمسارات الصحراوية، وخروج هذه القوة لا يعني فقط فقدان عنصر قتالي، بل فقدان جزء من الذاكرة العملياتية التي يصعب تعويضها.
وعلى المستوى القبلي يرى حامد، أن هذا التطور يعكس اختلالاً حساساً داخل فرعي قبيلة الرزيقات نفسها (المحاميد والماهرية)، وهو نوع من التوتر يُعد من أخطر أشكال الصراع، لأنه يحدث داخل الحاضنة، وليس خارجها.
وأعلن اللواء النور القبة القائد الميداني الكبير وأحد المؤسسين، انشقاقه رسمياً عن قوات "الدعم السريع"، ووصل إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني في الولاية الشمالية في الـ19 من أبريل (نيسان) الجاري، ولاحقاً استقبله مع قواته رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024 أعلن القائد السابق بـ"الدعم السريع" اللواء أبو عاقلة كيكل، قائد قوات "درع السودان" انضمامه للجيش بمنطقة جبال الأبايتور بمنطقة البطانة بولاية الجزيرة وسط السودان.
وتربط عدة تقارير هذه الانشقاقات بخلافات وتوترات داخلية وهشاشة التركيبة القبلية لقوات "الدعم السريع" وأحياناً استجابة لنداءات العفو العام التي أطلقها الجيش السوداني.