ملخص
يشهد السودان زيادات كبيرة في أسعار الوقود، ألهبت الأسوق بموجة غلاء فاحش، طاولت كافة السلع الأساسية بما فيها الخبز وفاتورة النقل.
لا يزال الاقتصاد السوداني يئن تحت وطأة آثار الحرب، إذ فاقمت خسائرها الفادحة وتداعياتها الإنسانية العميقة أزمة النفط العالمية جراء حرب إيران وتوترات مضيق هرمز. فالوضع في السودان يشهد زيادات كبيرة في أسعار الوقود، ألهبت الأسواق بموجة غلاء فاحش، طاولت كافة السلع الأساسية بما فيها الخبز وفاتورة النقل. وما زاد الطين بلة قرار الحكومة المتزامن برفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 14 في المئة، ليقفز مجدداً بالأسعار إلى مستويات فوق القياسية ويربك الأسواق ومجمل الحركة التجارية، وسط اتهامات للحكومة بالعجز عن السيطرة على الأوضاع ومحاصرة الغلاء الذي يجتاح البلاد، ويدفع بالسودانيين نحو واقع معيشي قاسٍ.
قفزات قياسية
قفزت الأزمة بسعر ليتر الديزل في بورتسودان إلى 6300 جنيه أي 25 ألفاً و200 جنيه سوداني للغالون سعة 4 ليترات، تعادل نحو 6.5 دولار أميركي بالسوق الموازية، بنسبة زيادة تقارب الـ54 في المئة عن السعر السابق. وارتفع السعر في بعض الولايات لأكثر من 7000 جنيه لليتر، بينما قفز سعر ليتر البنزين إلى نحو 5089-6870 جنيهاً بحسب الولاية. وبلغ شوال السكر زنة 50 كلغ نحو 175 ألف جنيه، والإسمنت 55 ألف جنيه، كذلك تسبب ارتفاع أسعار الوقود والغاز مع عجز التوليد الكهربائي البالغ 3300 ميغاواط/ ساعة، في ارتفاع سعر الخبز إلى 2000 جنيه سوداني لكل 8 قطع، (نصف دولار بالموازي).
ضربة أخرى
قبل أن يستفيق الناس من صدمة الارتفاع الكبير في أسعار الوقود في جميع الولايات، رفعت الحكومة سعر الدولار الجمركي من 2827 إلى 3222 جنيهاً بنسبة زيادة بلغت 14 في المئة. هذه الزيادات الجديدة شكلت ضربة موجعة وسادت الأسواق فوضى واسعة في أسعار السلع الأساسية والخدمات والخبز، كذلك شهدت الحركة التجارية ارتباكاً وجموداً بتوقف بعض التجار عن البيع انتظاراً لتطورات أخرى، في فترة يشهد فيها الدولار صعوداً سريعاً قفز بسعره إلى ما فوق 4000 جنيه للدولار الواحد في السوق الموازية.
تبعاً لذلك أحلت سلطات رئاسة الجمارك التعرفة الجمركية الجديدة فوراً لتطبيقها على السلع والبضائع والشحنات الواردة إلى البلاد عبر مختلف الموانئ البحرية والبرية والمطارات الجوية.
وكان مجلس الوزراء السوداني قد أعلن حزمة تدابير الأسبوع الأول من أبريل (نيسان) الجاري، بهدف تحقيق توازن أكبر في الميزان التجاري، سد الفجوة المتنامية المرشحة للارتفاع هذا العام لتصل إلى 3.9 مليار دولار، مقارنة بـ 3.6 مليار دولار العام الماضي.
عجز حكومي
وفيما التزمت الحكومة الصمت حيال الاتهامات بعجزها عن مجابهة موجة الغلاء التي تجتاح البلاد، حمّلها متخصصون المسؤولية الكاملة عن الزيادات الهائلة المضاعفة والقاسية على معيشة الناس، لتفاقم بالتالي حدة الغلاء والفقر بأكثر مما هي عليه الآن، إذ سيفقد المواطنون القدرة على الشراء ومجاراة مارثون الأسعار المتواصل من دون توقف.
يشير المراقبون إلى أن الأزمة كشفت عن إخفاق وخلل كبير في الطريقة التي تدير بها الحكومة سلعة الوقود الاستراتيجية، ويتهمونها بالوقوف موقف المتفرج من دون اتخاذ أي تدابير أو تدخلات كان من شأنها أن تحافظ على أسعار معقولة للمشتقات البترولية، وتوقف في الوقت ذاته الانهيار المستمر في قيمة العملة الوطنية، وتخفف بالتالي من معاناة المواطنين.
وأكد وزير الطاقة المهندس المعتصم إبراهيم أحمد، إعطاء الأولوية لإعادة بناء ما دمرته الحرب في قطاع النفط والغاز خلال المرحلة المقبلة.
وأعلن أنه على رغم الأضرار الكبيرة التي تعرض لها القطاع في جميع بنياته التحتية، إلا أن "الوزارة تبذل جهوداً جبارة لتوفير حاجات البلاد ومتطلبات الحرب من المشتقات البترولية"، بخاصة بعد توقف مصفاة الخرطوم وتحول البلاد إلى استيراد كامل حاجاتها النفطية.
غرفة المستوردين
وهاجمت غرفة المستوردين القومية، بشدة قرار زيادة الدولار الجمركي، واعتبرتها خطوة كارثية تسهم في زيادة تدهور قيمة العملة الوطنية والتضييق أكثر على معيشة الناس.
وأوضح رئيس الغرفة الصادق جلال الدين، أن الاقتصاد السوداني يُدار بسياسات تخريبية لا تبني، على رغم أنه غني، عازياً تدهور قيمة الجنيه السوداني لسوء أداء الدولة الاقتصادي وعدم قدرتها على السيطرة على سعر الصرف.
أضاف رئيس الغرفة أن هذه الزيادة سترفع من كلفة السلع والمستوى العام للأسعار، وبالتالي رفع معدلات التضخم والمزيد من تدهور سعر الصرف، مما يسبب تدهوراً في المستوى المعيشي للمواطنين، فضلاً عن زيادة اقتصاد الظل ومعدلات التهريب والتهرب الجمركي والضريبي عبر المستندات الرسمية.
فند رئيس الغرفة حديث، وزير المالية المتكرر، بعدم وجود دولار جمركي واستبداله بسعر الصرف، بأنه حديث غير دقيق باعتبار أن الدولار الجمركي هو الأداة لتحديد القيمة الجمركية ودائماً ما تستخدمه الدول للسيطرة على التضخم.
جيوب المواطنين
بدوره، حذر الناشط الاقتصادي عز الدين البشرى، من أن الاعتماد على الحلول من خلال جيوب المواطنين المنهكة في غياب سياسات حقيقية لتنشيط الإنتاج والنهوض التنموي، طريق قصير الأجل لن يؤدي سوى إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وعلى الحكومة أن تستفيد من تجارب ناجحة ونموذجية لدول في المحيط الأفريقي، عاشت ظروفاً شبيهة للسودان مثل رواندا، لكنها تمكنت في فترة وجيزة من تجاوز عثراتها الاقتصادية ونهضت عبر سياسات جادة، حفزت الإنتاج والمنتجين وحققت فوائض مالية خلال فترات وجيزة.
جحيم الأعباء
يتابع "لن يتعافى اقتصاد البلاد بتحويل حياة الناس اليومية إلى جحيم من الأعباء التي تثقل كاهل المواطن، في ظل وجود حكومة منفصلة عن الواقع، ويتمسك وزراؤها بامتيازاتهم الجديدة التي تلتهم قدراً كبيراً من موازنة البلاد بالصرف غير المرشد على شاغلي المناصب الدستورية. هذا الإنفاق لا يشبه وضع دولة مثخنة بجراح الحرب وتتزايد فيها معاناة المواطن بصورة يومية".
يطالب البشرى، الحكومة أن تعمل على "خفض نفقاتها ومخصصات أعضائها بخاصة في بنود السكن والسيارات الفارهة والوقود التي تبتلع المليارات، مقابل تشجيع الصادرات وإلغاء الرسوم والجبايات المفروضة عليها، وتقديم الحوافز اللازمة والجادة لجذب مدخرات المغتربين عبر القنوات الرسمية بدلاً من تنفيرهم".
سياسات سيئة
وفي السياق، لم يكن الأكاديمي والمحلل الاقتصادي، محمد الناير، يتوقع أن يتأثر السودان بتداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز بمثل هذه الشدة والسرعة، لجهة أنه ليست لديه مشكلات أو تعقيدات في مسألة النقل تصديراً واستيراداً، لأن كل الطرق مفتوحة أمام حركة التجارة عبر الموانئ بالبحر الأحمر سواء باتجاه أوروبا أو دول الخليج ومصر، إضافة إلى وجود طرق برية متاحة أيضاً. لكن المشكلة تكمن في أن السياسات غير الجيدة هي التي قادت البلاد إلى هذا الوضع المتأزم، إذ كان من المفترض أن تمتلك الدولة على الأقل احتياطياً كافياً من الوقود لتجنب ظهور أثار الأزمة.
يردف "كثير من الدول عملت على امتصاص الزيادات في المحروقات بالتنازل عن الرسوم والضرائب التي كانت تفرضها عليه، من أجل أن تستقر الأسعار داخلياً وتخفف العبء على المستهلك المحلي. لكن الحكومة السودانية لم تفعل ذلك ولم تخفف حتى ولو جزئياً من تلك الرسوم، كذلك لم تتفاوض مع شركات القطاع الخاص المستوردة للمشتقات النفطية لخفض أرباحها، بل تركت أمر تحديد السعر الجديد للوقود بيد تلك الشركات، الأمر الذي ترتبت عليه زيادة هائلة شملت حتى المخزونات القديمة الموجودة أصلاً".
إدارة الأزمة
يشير الناير إلى أنه كان من الطبيعي أن تؤدي زيادة أسعار الوقود إلى حدوث موجة من الغلاء الطاحن بارتفاع أسعار السلع والخدمات بهذا الشكل الكبير، لأن الوقود محرك أساسي يدخل في كل مكونات الاقتصاد والعمليات الإنتاجية والصناعات التحويلية. أما الجانب الآخر من موجة الغلاء، فهو تدهور سعر صرف العملة الوطنية بعد أن شهد استقراراً نسبياً لفترة زمنية معقولة، عجز خلالها البنك المركزي عن بناء احتياطي من النقد الأجنبي، ما جعل السوق الموازية تتحكم في سعره.
كان على الدولة، بحسب المحلل الاقتصادي، أن "تتعامل مع الوضع في مثل هذه الظروف بمفهوم إدارة الأزمة، وتشكل فريقاً لإدارتها بحكمة كبيرة، لكنها للأسف لم تحسن التعامل مع الأزمة، أو أن تجد معالجات مع الشركات المستوردة للبترول لتخفيف العبء على المستهلك. وجاءت بدلاً من ذلك بمفاجأة أكبر وأسوأ برفع سعر الدولار الجمركي لتزيد من تعقيد الوضع وتفاقم الأعباء على المواطن وتتسبب في الزيادات الكبيرة في أسعار المحروقات وغيرها من السلع".
ناشد الأكاديمي الحكومة بضرورة إعادة النظر في قرار رفع سعر الدولار الجمركي، مبيناً أنه مع ارتفاع أسعار الوقود تكون كل العوامل قد تضافرت لحدوث زيادات غير محتملة في الأسعار. ليس هذا فحسب بل إن التضخم وتآكل قيمة العملة المحلية سيبتلعان الزيادة المعلنة في أجور العاملين بالقطاع العام بصورة فورية حتى قبل تنفيذها.
إين عائد الذهب؟
إلى ذلك، طالبت شعبة مصدري الذهب، الحكومة بالتدخل العاجل لإنقاذ صادرات الذهب واستيراد المحروقات، محذرة مما أسمته بـ"العبث والتجاوزات التي تهدد الاقتصاد"، مطالبة بإجراء تحقيق شفاف وشامل حول الفجوة بين الإنتاج الفعلي والصادر الرسمي للذهب.
وقال رئيس شعبة مصدري الذهب عبد المنعم الصديق، إن السودان يمتلك ثروة ذهبية كبيرة كان يفترض أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، بخاصة في ظل الارتفاع الكبير بأسعار الذهب على مستوى العالم، إلا أن عائدات تلك الثروة لا تنعكس بالشكل المطلوب على خزينة الدولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تجاوزات ومهددات
دعا الصديق رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء إلى التدخل العاجل لإنقاذ قطاع الذهب، مؤكداً أن التجاوزات الحالية تهدد الاقتصاد الوطني بصورة مباشرة، لافتاً إلى أنه في الوقت الذي يتجاوز فيه إنتاج البلاد من الذهب 70 طناً سنوياً، بعائدات تقديرية تفوق 6 مليارات دولار، تشير تقارير البنك المركزي إلى أن حجم الصادر لا يتجاوز ملياري دولار، ما يثير تساؤلات حول مصير بقية العائدات.
تحديات كبيرة
وبحسب تقارير رسمية، يواجه الاقتصاد السوداني تحديات كبيرة لتجاوز آثار الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" المستمرة منذ ثلاثة أعوام، بعد تكبده خسائر فادحة في البنية التحتية فضلاً عن تعطل عجلة الإنتاج وسلاسل الإمداد، ناهيك عن هجرة الاستثمارات ورؤوس الأموال، مما تسبب في انكماش كبير وهيمنة واسعة للاقتصاد الموازي، وانخفاض نسبة الأموال المتداولة داخل النظام المصرفي الرسمي، وتدهور القيمة الشرائية للجنيه السوداني بأكثر من نسبة 250 في المئة، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الفقر نحو 71 في المئة.